المبحث الثاني: بدعة الاحتفال بليلة النصف من شعبان.
المبحث الثالث: بدعة الصلاة الألفية.
[ ٢٨٣ ]
المبحث الأول
بعض الآثار الواردة فيه
عن عائشة -﵂- قالت: «كان رسول الله ﷺ يصوم حتى نقول لا يفطر، ويفطر حتى نقول لا يصوم، وما رأيت رسول الله ﷺ استكمل صيام شهر إلا رمضان، وما رايته أكثر صيامًا منه في شعبان» متفق عليه (١) .
عن أبي سلمة أن عائشة -﵂حدثته قالت: «لم يكن النبي ﷺ يصوم شهرًا أكثر من شعبان، وكان يصوم شعبان كله»، وكان يقول: «خذوا من العمل ما تطيقون، فإن الله لا يمل حتى تملوا، وأحب الصلاة إلى النبي ﷺ ما دوام عليه وإن قلت، وكان إذا صلى صلاة دوام عليها» متفق عليه (٢) .
عن عمران بن حصين﵄- عن النبي ﷺ أنه سأله - أو سأل رجلًا وعمران يسمع -فقال: «يا فلان أما صمت من سرر (٣) هذا الشهر؟» . قال: أظنه يعني رمضان، قال الرجال: لا يا رسول الله. قال: «فإذا أفطرت فصم يومين» متفق عليه (٤) .
عن أبي سلمة قال: سمعت عائشة - ﵂ - تقول: «كان يكون علي
_________________
(١) - رواه البخاري في صحيحه المطبوع مع فتح الباري (٤/٢١٣) كتاب الصوم، حديث رقم (١٩٦٩) . ورواه مسلم في صحيحه (٢/٨١٠) كتاب الصيام، حديث رقم (١١٥٦) (١٧٥) .
(٢) - رواه البخاري في صحيحه المطبوع مع فتح الباري (٤/٢١٣) كتاب الصوم، حديث رقم (١٩٧٠) . ورواه مسلم في صحيحه (٢/٨١١) كتاب الصيام، حديث رقم (٧٨٢) .
(٣) - سرر الشهر بالتحريك آخر ليلة منه، وهو مشتق من قولهم: استسر القمر أي خفي ليلة السرار، فربما كان ليلة وربما كان ليلتين. لسان العرب (٤/٣٥٧) .
(٤) - رواه البخاري في صحيحه المطبوع مع فتح الباري (٤/٢٣٠) كتاب الصوم، حديث رقم (١٩٨٣) . وقال: لم يقل الصلت: أظنه يعني رمضان، وقال أيضًا: وقال ثابت عن مطرف عن عمران عن النبي ﷺ «من سرر شعبان» . ورواه مسلم في صحيحه (٢/٨٢٠) كتاب الصيام، حديث رقم (١١٦١) وفيه: «أصمت من سرر شعبان» ..
[ ٢٨٥ ]
الصوم من رمضان، فما استطيع أن أقضيه إلا في شعبان» متفق عليه (١) .
عن عبد الله بن أبي قيس أنه سمع عائشة تقول: كان أحب الشهور إلى رسول الله صلي الله عليه وسلم أن يصومه شعبان ثم يصله برمضان» (٢) .
عن أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله ﷺ قال: «إذا انتصف شعبان فلا تصوموا» (٣) .
_________________
(١) - رواه البخاري في صحيحه المطبوع مع فتح الباري (٤/١٨٩) كتاب الصوم، حديث رقم (١٩٥٠) . وقال يحيى: الشغل من النبي ﷺ - أو بالنبي ﷺ. ورواه مسلم في صحيحه (٢/٨٠٢، ٨٠٣) كتاب الصيام، حديث رقم (١١٤٦) وفيه الشغل من الرسول الله ﷺ، أو برسول الله ﷺ.
(٢) - رواه الإمام أحمد في مسنده (٦/ ١٨٨) . ورواه أبو داود في سننه (٢/ ٨١٢) كتاب الصيام، حديث رقم (٢٤٣١) . ورواه النسائي في سننه (٤/١٩٩) كتاب الصيام، باب صوم النبي ﷺ. ورواه ابن خزيمة في صحيحه (٣/ ٢٨٢) جماع أبواب صوم التطوع، حديث رقم (٢٠٧٧) . ورواه الحاكم في المستدرك (١/٤٣٤)، كتاب الصوم، وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي في تلخيصه) .
(٣) - رواه الإمام أحمد في المسند (٢/ ٤٤٢) . ورواه أبو داود في سننه (٢/ ٧٥١) كتاب الصوم، حديث رقم (٢٣٣٧) . ورواه الترمذي في سننه (٢/ ١٢١) أبواب الصوم، حديث رقم (٧٣٥) . وقال: حديث حسن صحيح. وقال: معنى هذا الحديث عند بعض أهل العلم: أن يكون الرجل مفطرًا فإذا بقي شيء من شعبان أخذ في الصوم لحال شهر رمضان. ا. هـ. ورواه ابن ماجة (١/ ٥٢٨) كتاب الصيام، حديث رقم (١٦٥١) . ورواه الدارمي في سننه (٢/ ١٧) كتاب الصيام، باب (٣٤) . قال ابن رجب في لطائف المعارف ص (١٤٢) . خرج الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذي، والنسائي وابن ماجة، وابن حبان في صحيحه والحاكم من حديث علاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة - وذكر الحديث - وصححه الترمذي وغيره، واختلف العلماء في صحة هذا الحديث فأما تصحيحه فصححه غير واحد منهم الترمذي وابن حبان والحاكم في صحة هذا الحديث فأما تصحيحه فصححه غير واحد منهم الترمذي وابن حبان والحاكم والطحاوي وابن عبد البر وتكلم فيه من هو: أكبر من هؤلاء وأعلم وقالوا: هو حديث منكر، منهم عبد الرحمن بن مهدي والإمام أحمد وأبو زرعة الرازي، والأثرم، وقال الإمام أحمد: لم يرو العلاء حديث أنكر منه، ورده بحديث: «لا تقدموا رمضان بصوم يوم أو يومين» - متفق عليه - فإن مفهوم جواز التقدم بأكثر من يومين وقال الأثرم: الأحاديث كلها تخالفه، يشير إلى أحاديث صيام النبي ﷺ شعبان كله ووصله برمضان، ونهيه عن التقدم على رمضان بيومين فصار الحديث حينئذ شاذًا مخالفًا للأحاديث الصحيحة، وقال الطحاوي: هو منسوخ وحكي الإجماع على ترك العمل به، وأكثر العلماء على أنه لا يعمل به الخ. ا. هـ.
[ ٢٨٦ ]
عن أبي هريرة - ﵁عن النبي ﷺ قال: «لا يتقدمنَّ أحدكم رمضان بصوم يوم أو يومين، إلا أن يكون رجل كان يصوم صومه فليصم ذلك اليوم» متفق عليه (١) .
عن أم سلمة -﵂- قالت: «ما رأيت النبي ﷺ يصوم شهرين متتابعين إلا شعبان ورمضان» (٢)
عن أسامة بن زيد﵄- قال: قلت يا رسول الله لم أرك تصوم شهرًا من الشهور ما تصوم من شعبان؟ قال ﷺ: «ذلك شهر يغفل الناس عنه بين رجب ورمضان، وهو شهر ترفع فيه الأعمال إلى رب العالمين، فأحب أن يرفع عملي وأنا صائم» (٣) .
عن أنس﵁- قال: سئل النبي ﷺ أي الصوم أفضل بعد رمضان؟ قال: «شعبان لتعظيم رمضان، قال فأي الصدقة أفضل؟ قال: الصدقة في رمضان» (٤) .
عن عائشة -﵂- قالت فقدت رسول الله ﷺ ليلة فخرجت فإذا هو بالبقيع، فقال ﷺ: «أكنت تخافين أن يحيف الله عليك ورسوله؟» قلت: يا رسول الله
_________________
(١) - رواه البخاري في صحيحه المطبوع مع فتح الباري (٤/١٢٧، ١٢٨) كتاب الصوم، حديث رقم (١٩١٤) ورواه مسلم في صحيحه (٢/٧٦٢) كتاب الصيام، حديث رقم (١٠٨٢)
(٢) - رواه الإمام أحمد في مسنده (٦/ ٣٠٠) . ورواه النسائي في سننه (٤/١٥٠) كتاب الصيام، باب (٣٣) . ورواه الترمذي في سننه (٢/ ١٢٠) أبواب الصيام، حديث رقم (٧٣٣) وقال حديث حسن. ورواه الطحاوي في شرح معاني الآثار (٢/٨٢)، كتاب الصيام، باب الصوم بعد النصف من شعبان إلى رمضان.
(٣) - رواه الإمام أحمد في مسنده (٥/٢٠١) . ورواه النسائي في سننه (٤/١٠٢) كتاب الصيام. وقال الألباني: وهذا إسناد حسن، ثابت بن قيس صدوق يهم - كما في التقريب - وسائر رجاله ثقات. يراجع: سلسلة الأحاديث الصحيحة (٤/٥٢٢) . حديث رقم (١٨٩٨) .
(٤) - رواه الترمذي في سننه (٢/ ٨٦) أبواب الزكاة، حديث رقم (٦٥٧) . وقال: هذا حديث غريب، وصدقة بن موسى ليس بذلك القوي. ورواه الطحاوي في شرح معاني الآثار كتاب الصيام، حديث رقم (١٧٧٨) ورواه ابن الجوزي في العلل المتناهية (٢/٦٥، ٦٦)، حديث (٩١٤) . وقال: وهذا حديث لا يصح، قال يحيى بن معين: صدقة بن موسي ليس بشيء، وقال ابن حبان: لم يكن الحديث من صناعته، فكان إذا روى قلب الأخبار فخرج عن حد الاحتجاج به. ا. هـ. ويعارضه الحديث الصحيح الذي أبو هريرة والذي سبق تخريجه ص (٩٣) من هذا الكتاب «أفضل الصيام بعد شهر رمضان شهر الله المحرم» .
[ ٢٨٧ ]
ظننت أنك أتيت بعض نسائك، فقال: «إن الله ﵎ ينزل ليلة النصف من شعبان إلى سماء الدنيا فيغفر لأكثر من عدد شعر غنم كلب (١») (٢) .
عن أبي موسى الأشعري -﵁- عن رسول الله ﷺ قال: «إن الله ليطلع في ليلة النصف من شعبان، فيغفر لجميع خلقه، إلا لمشرك أو مشاحن» (٣) .
عن علي بن أبي طالب -﵁- قال: قال رسول الله ﷺ: «إذ كانت ليلة النصف من شعبان، فقوموا نهارها، فإن الله ينزل فيها لغروب الشمس إلى سماء الدنيا، فيقول: ألا من مستغفر فأغفر له! ألا مسترزق فأرزقه! ألا مبتلى فأعافيه! ألا كذا ألا كذا، حتى يطلع الفجر» (٤)
وقد ورد في فضل شهر شعبان والصلاة فيه أحاديث حكم عليها الحفاظ بأنها
_________________
(١) - كلب: حي من أحياء قضاعة، ومنهم حارثة الكلبي أبو زيد بن حارثة مولى رسول الله ﷺ وكانوا في الجاهلية ينزلون دومة الجندل وتبوك وأطراف الشام، والنسبة إليهم كلبي، وهم بنو كلب بن وبرة بن ثعلبة بن حلوان بن عمران بن الحافي بن قضاعة. يراجع: الاشتقاق لابن دريد ص (٢٠، ٥٣٧-٥٤٣)، وصح الأعشى (١/٣١٦)، ومعجم قبائل العرب (٣/٩٩١-٩٩٣) .
(٢) - رواه الإمام أحمد في مسنده (٦/ ٢٣٨) . ورواه الترمذي في سننه (٢/ ١٢١- ١٢٢) أبواب الصيام، حديث رقم (٧٣٦) وقال حديث عائشة لا نعرفه إلا من هذا الوجه من حديث الحجاج، وسمعت محمدًا - يعني البخاري - يقول: يضعف هذا الحديث. وقال: يحيى بن أبي كثير لم يسمع من عروة، قال محمد: والحجاج لم يسمع من يحيى بن أبي كثير. ا. هـ. ورواه ابن ماجه في سننه (١/٤٤٤)، كتاب إقامة الصلاة، حديث رقم (١٣٨٩) . ورواه ابن الجوزي في العلل المتناهية (٢/٦٦)، حديث رقم (٩١٥) . وذكر كلام الترمذي ثم قال: قال الدر اقطني: قد روي من وجوه وإسناده مضطرب غير ثابت. ا. هـ.
(٣) رواه ابن ماجه في سننه (١/٤٥٥)، كتاب إقامة الصلاة، حديث رقم (١٣٩٠) . وقال البوصيري في زوائد ابن ماجه (٢/١٠)، إسناد حديث أبي موسى ضعيف لضعف عبد الله بن لهيعة، وتدليس الوليد بن مسلم. ا. هـ. ورواه الطبراني في المعجم الكبير عن معاذ بن جبل (٢٠/١٠٧، ١٠٨) . وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٨/٦٥) . رواه الطبراني في الكبير والأوسط ورجالهما ثقات. ورواه ابن حبان في صحيحة. يراجع: موارد الظمآن ص (٤٨٦)، كتاب الأدب، حديث رقم (١٩٨٠) .
(٤) - رواه ابن ماجه في سننه (١/٤٤٤)، كتاب إقامة الصلاة، حديث رقم (١٣٨٨) . وقال البوصيري في زوائد ابن ماجه (٢/١٠)، هذا إسناد فيه ابن أبي سبرة واسمه أبو بكر بن عبد الله بن محمد بن أبي سبرة وقال أحمد وابن معين يضع الحديث. ا. هـ. وقال ابن حجر في التقريب (٢/٣٩٧): رموه بالوضع. ا. هـ. وذكر العقيلي في الضعفاء الكبير (٢/٢٧١) . عنه مثل ذلك.
[ ٢٨٨ ]
موضوعة منها:
قوله ﷺ: «رجب شهر الله وشعبان شهري ورمضان شهر أمتي» .
وكذلك قوله ﷺ: «يا علي من صلى مائة ركعة في ليلة النصف من شعبان، يقرأ في كل ركعة بفاتحة الكتاب و«قل هو الله أحد» عشر مرات. قال النبي ﷺ: يا علي ما من عبد يصلي هذه الصلوات إلا قضى ﷿ له كل حاجة طلبها تلك الليلة» الحديث (١) . وكذلك قوله ﷺ: «من صلى ليلة النصف من شعبان ثنتي عشرة ركعة، يقرأ في كل ركعة «قل هو الله أحد» ثلاثين مرة، لم يخرج حتى يرى مقعده من الجنة» (٢) - والله أعلم.
_________________
(١) - ذكره ابن الجوزي في الموضوعات (٢/١٢٧، ١٢٨، ١٢٩)، من طرق ثلاثة وقال: هذا حديث لا نشك أنه موضوع، وجمهور رواته في الطرق الثلاثة مجاهيل وفيهم ضعفاء بمرة، والحديث محال قطعًا، وقد رأينا كثيرًا ممن يصلي هذه الصلاة - ويتفق قصر الليل - فيقوتهم صلاة الفجر، ويصبحون كسالى، وقد جعلها أئمة المساجد مع صلاة الرغائب ونحوها شبكة لجمع العوام وطلبًا لرياسة التقدم، وملأ بذكرها القصاص مجالسهم، وكل ذلك عن الحق بمعزل. ا. هـ. قال ابن قيم الجوزية في المنار المنيف ص (٩٨)، رقم (١٧٥) . ومنها - أي الأحاديث الموضوعة - أحاديث صلاة النصف من شعبان ا. هـ. ثم ذكره، وقال بعد ايراده للحديث: والعجب ممن شم رائحة العلم بالسنن أن يغتر بمثل هذا الهذيان ويصليها؟! وذكره السيوطي في اللآليء المصنوعة (٢/٥٩، ٥٨، ٥٧)، وحكم عليه بالوضع وكذلك الشوكاني في الفوائد المجموعة ص (٥٢، ٥١) .
(٢) - ذكره ابن الجوزي في الموضوعات (٢/ ١٢٩)، وقال: هذا موضوع أيضًا، وفيه جماعة مجهولين. وذكره ابن قيم الجوزية في المنار المنيف ص (٩٩)، رقم (١٧٧) . وذكره السيوطي في اللآليء المصنوعة (٢/٥٩)، وحكما عليه بالوضع
[ ٢٨٩ ]
المبحث الثاني