رجب في اللغة مأخوذ من رجبَ الرجلَ رجَبا، وَرَجَبَه يرجُبُه رَجْبًا ورُجُوبًا، ورجَّبه وَتَرجَّبه وأَرجْبَهَ كلهُّ: هابه وعظمه، فهو مَرْجُوبٌ.
ورجب: شهر سموه بذلك لتعظيمهم إياه في الجاهلية عن القتال فيه، ولا يستحلِّون القتال فيه، والترجيب التعظيم، والراجب المعظم لسيده (١) .
وذكر بعض العلماء أن لشهر رجب أربعة عشر اسمًا: شهر الله، ورجب، رجب مضر، منّصل الأسنة، الأصم منفس، مطهر، مقيم، هرم، مقشقش، مبريء، فرد، الأصب، مُعلّى، وزاد بعضهم: رجم، منصل الآل وهي الحربة، منزع الأسنة (٢) .
وقد فسر بعض العلماء بعض هذه الأسماء بما يلي:
رجب: لأنه كانُ يرجَّب في الجاهلية أي يُعظم.
الأصم: لأنهم كانوا يتركون القتال فيه، فلا يسمع فيه قعقعة السلاح، ولا يسمع فيه صوت استغاثة.
الأصب: لأن كفار مكة كانت تقول: إن الرحمة تصب فيه صبًا.
رجم: بالميم لأن الشياطين ترجم فيه: أي تطرد.
الهرم: لأن حرمته قديمة من زمن مضر بن نزار بن معد بن عدنان.
المقيم: لأن حرمته ثابتة لم تنسخ، فهو أحد الأشهر الأربعة الحرم.
الُمعلّى: لأنه رفيع عندهم فيما بين الشهور.
منصل الأسنة: ذكره البخاري عن أبي رجاء العطاردي.
_________________
(١) -يراجع: القاموس المحيط (١/٧٤)، ولسان العرب (١/٤١١، ٤١٢) مادة (رجب) .
(٢) -يراجع: لطائف المعارف ص (١٢٢) .
[ ٢١٧ ]
منصل الآل: أي الحرب.
المبريء: لأنه كان عندهم في الجاهلية من لا يستحل القتال فيه بريء من الظلم والنفاق.
المقشقش: لأن به كان يتميز في الجاهلية المتمسك بدينه، من المقاتل فيه المستحل له.
شهر العتيرة: لأنهم كانوا يذبحون فيه العتيرة، وهي المسماة الرجبية نسبه إلى رجب (١) .
رجب مضر: إضافة إلى مضر (٢) لأنهم كانوا متمسكين بتعظيمه، بخلاف غيرهم، فيقال إن ربيعة كانوا يجمعون بدله رمضان، وكان من العرب من يجعل في رجب وشعبان، ما ذكر في المحرم وصفر، فيحلون رجبًا ويحرمون شعبًا (٣) .
وقال ﷺ: «ورجب مضر الذي بين جماد وشعبان» (٤) . فقيده بهذا التقييد مبالغة في إيضاحه، وإزالة اللبس عنه قالوا: وقد كان بين مضر وبين ربيعة، اختلاف في رجب، فكانت مضر تجعل رجبًا هذا الشهر المعروف الآن، وهو الذي بين جمادي
_________________
(١) - يراجع: تبيين العجب ص (٥، ٦) . وفص الخواتم ص (٩٣، ٩٤) .
(٢) - نسبة إلى مضر بن نزار بن معد بن عدنان.
(٣) - يراجع: فتح الباري (٨/٣٢٥) .
(٤) - رواه البخاري في صحيحه المطبوع مع فتح الباري (١٠/٧) كتاب الأضاحي، حديث رقم (٥٥٥٠)، ورواه مسلم في صحيحه (٣/١٣٠٥) كتاب القسامة، حديث رقم (١٦٧٩) .
[ ٢١٨ ]
وشعبان، وكانت ربيعة تجعله رمضان، فلهذا إضافة النبي ﷺ إلى مضر، وقيل لأنهم كانوا يعظمونه أكثر من غيرهم (١) .
فكل هذه الأسماء التي أطلقت على شهر رجب، تدل على تعظيم الكفار لهذا الشهر، وربما كان تعظيم مضر لشهر رجب أكثر من تعظيم غيرهم له، فلذلك أضيف إليهم.
وكان أهل الجاهلية يتحرون الدعاء فيه على الظالم وكان يستجاب لهم، ولهم في ذلك أخبار مشهورة قد ذكرها ابن أبي الدنيا في كتاب مجابي الدعوة وغيره.
وقد ذكر ذلك لعمر بن الخطاب - ﵁ -، فقال عمر: إن الله كان يصنع بهم ذلك ليحجز بعضهم عن بعض، وإن الله جعل الساعة موعدهم، والساعة أدهى وأمر (٢) .
وروى ابن أبي شيبة في مصنفه عن خرشه بن الحر قال: رأيت عمر بن الخطاب﵁-
_________________
(١) - يراجع: النهاية لابن الأثير (٢/١٩٧) . وشرح النووي على صحيح مسلم (١١/٢١٨) .
(٢) - يراجع: لطائف المعارف ص (١٢٦) .
[ ٢١٩ ]
يضرب أكف الناس في رجب، حتى يضعوها في الجفان، ويقول: كلوا فإنما هو شهر كان يعظمه أهل الجاهلية (١) .