الاحتفال بالإسراء والمعراج من الأمور البدعية، التي نسبها الجهال إلى الشرع، وجعلوا ذلك سنة تقام في كل سنة، وذلك في ليلة سبع وعشرين من رجب، وتفننوا في ذلك بما يأتونه في هذه الليلة من المنكرات وأحدثوا فيها من أنواع البدع ضروبًا كثيرة، كالاجتماع في المساجد، وإيقاد الشموع والمصابيح فيها، وعلى المنارات، والإسراف في ذلك، واجتماعهم للذكر والقراءة، وتلاوة قصة المعراج المنسوبة إلى ابن عباس، والتي كلها أباطيل وأضاليل، ولم يصح منها إلا أحرف قليلة، وكذلك قصة ابن السلطان الرجل المسرف الذي لا يصلي إلا في رجب، فلما مات ظهرت عليه علامات الصلاح، فسئل عنه رسول الله ﷺ فقال: «إنه كان يجتهد ويدعو في رجب» . وهذه قصة مكذوبة مفتراه، تحرم قراءتها وروايتها إلا للبيان (١) .
وكذلك ما يفرشونه من البسط والسجادات وغيرهما، ومنها أطباق النحاس فيها الكيزان والأباريق وغيرهما، كأن بيت الله تعالى بيتهم، والجامع إنما جعل للعبادة، لا للفراش والرقاد والأكل والشرب، وكذلك اجتماعهم في حلقات، كل حلقة لها كبير يقتدون به في الذكر والقراءة، وليت ذلك لو كان ذكرًاَ أو قراءة، لكنهم يلعبون في دين الله تعالى، فالذاكر منهم في الغالب لا يقول «لا إله إلا الله» بل يقول: لا يلاه يلله. فيجعلون عوض الهمزة ياء وهي ألف قطع جعلوها وصلًا، وإذا قالوا سبحان الله يمطونها ويرجعونها، حتى لا تكاد تفهم، والقارئ يقرأ القرآن فيزيد فيه ما ليس فيه، وينقص منه ما هو فيه، بحسب تلك النغمات، والترجيعات التي تشبه الغناء الذي اصطلحوا عليه على ما قد علم من أحوالهم الذميمة.
ثم في تلك الليلة من الأمر العظيم أن القارئ يبتدئ بقراءة القرآن والآخر ينشد الشعر، أو يريد أن ينشده، فيسكتون القارئ، أو يهمون بذلك، أو يتركون هذا في شعره، وهذا في قراءته، لأجل تشوف بعضهم لسماع الشعر وتلك النغمات الموضوعة أكثر.
_________________
(١) - يراجع: السنن والمبتدعات ص (١٤٧)، والإبداع ص (٢٧٢) .
[ ٢٦٨ ]
فهذه الأحوال من اللعب في الدين، أن لو كان خارج المسجد منعت، فكيف بها في المسجد؟! .
ثم إنهم لم يقتصروا على ذلك، بل ضموا إليه اجتماع النساء والرجال في الجامع، مختلطين بالليل، وخروج النساء من بيوتهن على ما يعلم من الزينة والكسوة والتحلي.
وعندما يحتاج بعضهم إلى قضاء الحاجة فإنه يفعل ذلك في مؤخر الجامع، وبعض النساء يستحين أن يخرجن لقضاء حاجتهن فيدور عليهن إنسان بوعاء فيبلن فيه، ويعطينه على ذلك شيئًا، ويخرجه من المسجد، ثم يعود كذلك مرارًا، والبول في المسجد في وعاء حرام، مع ما فيه من القبح والشناعة. وبعضهم يخرج إلى السكك القريبة من المسجد فيفعلون ذلك فيها، ثم يأتي الناس إلى صلاة الصبح، فيمشون إلى الجامع فتصيب أقدامهم النجاسة أو نعالهم، ويدخلون بها المسجد فيلوثونه، ودخول النجاسة في المسجد فيها ما فيها من عظيم الإثم، وقد ورد في النخامة في المسجد أنها خطيئة، هذا وهي طاهرة باتفاق، فكيف بالنجاسة المجمع عليها.
إلى غير ذلك من الأمور العظيمة التي ترتكب باسم الدين، ودعوى تعظيم بعض الأمور التي يزعمون أن تعظيمها دليل محبة للرسول ﷺ (١) .
وهذه الاحتفالات في ليلة سبع وعشرين من رجب، والتي يزعمون أنها ليلة الإسراء والمعراج باطلة من أساسها، لأنه لم يثبت أنه أسري بالنبي ﷺ في هذه الليلة بالذات.
قال ابن قيم الجوزية: (وأما السؤال الثاني، فقد سئل شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ - عن رجل قال: ليلة الإسراء أفضل من ليلة القدر، وقال آخر: بل ليلة القدر أفضل فأيهما المصيب؟ .
فأجابه: الحمد لله، أما القائل بأن ليلة الإسراء أفضل من ليلة القدر، فإن أراد أن تكون الليلة التي أسري فيها بالنبي ﷺ ونظائرها من كل عام، أفضل لأمة محمد ﷺ من ليلة القدر، بحيث يكون قيامها، والدعاء فيها أفضل منه في ليلة القدر فهذا باطل، لم يقله أحد من المسلمين، وهو معلوم الفساد بالاطراد من دين الإسلام، هذا إذا كانت ليلة الإسراء تعرف عينها، فكيف ولم يقم دليل معلوم لا على شهرها، ولا على
_________________
(١) - يراجع: المدخل لابن الحاج (١/٢٩٥-٢٩٨) .
[ ٢٦٩ ]
عشرها، ولا على عينها، بل النقول في ذلك منقطعة مختلفة، ليس فيها ما يقطع به، ولا شرع للمسلمين تخصيص الليلة التي يظن أنها ليلة الإسراء بقيام ولا غيره، بخلاف ليلة القدر) (١) . ا. هـ.
فقد اختلف العلماء في تحديد الليلة التي أسري فيها بالنبي ﷺ.
قال ابن حجر العسقلاني: (وقد اختلف في وقت المعراج فقيل: كان قبل المبعث، وهو شاذ، إلا إن حمل على أنه وقع حينئذ في المنام) .
وذهب الأكثر إلى أنه كان بعد المبعث، ثم اختلفوا:
فقيل: قبل الهجرة بسنة. قال ابن سعد وغيره. وبه جزم النووي، وبالغ ابن حزم فنقل الإجماع فيه-فيكون في شهر ربيع الأول-.
وهو مردود، فإن في ذلك اختلافًا كثيرًا، يزيد على عشرة أقوال منها ما حكاه ابن الجوزي أنه كان قبلها بثمانية أشهر- فيكون في رجب-، وقيل بستة أشهر- فيكون
_________________
(١) - يراجع: زاد المعاد (١/٥٧) .
[ ٢٧٠ ]
في رمضان- وحكي هذا الثاني أبو الربيع بن سالم، وحكي ابن حزم مقتضى الذي قبله، لأنه قال: كان في رجب سنة اثنتي عشرة من النبوة، وقيل: بأحد عشر شهرًا، جزم به إبراهيم الحربي حيث قال: كان في ربيع الآخر قبل الهجرة بسنة، ورجحة ابن المنير في شرح السيرة لابن عبد البر وقيل: قبل الهجرة بسنة
[ ٢٧١ ]
وشهرين، حكماه ابن عبد البر.
وقيل: بسنة وثلاثة أشهر حكاه ابن فارس.
وقيل: بسنة وخمسة أشهر قاله السدي، وأخرجه من طريقة الطبري والبيهقي، فعلى هذا كان في شوال، أو في رمضان على إلغاء الكسرين منه ومن ربيع الأول، وبه جزم الواقدي، وعلى ظاهره ينطبق ما ذكره ابن قتيبة.
وحكاه ابن عبد البر أنه كان قبلها بثمانية عشر شهرًا.
[ ٢٧٢ ]
وعند ابن سعد عن ابن أبي سبرة أنه كان في رمضان، قبل الهجرة بثمانية عشر شهرًا.
وقيل كان في رجب حكاه ابن عبد البر، وجزم به النووي في الروضة. وقيل قبل الهجرة بثلاث سنين حكاه ابن الأثير.
وحكي عياض وتبعه القرطبي والنووي عن الزهري أنه كان قبل الهجرة بخمس سنين، ورجحه عياض ومن تبعه) (١) . ا. هـ.
فما تقدم من أقوال العلماء، وما ذكروه في ليلة الإسراء والمعراج من الخلاف، مصداق قول شيخ الإسلام ابن تيمية﵀أنه لم يقم دليل معلوم لا على شهرها، ولا على عشرها، ولا على عينها، بل النقول منقطعة مختلفة، ليس فيها ما
_________________
(١) - يراجع فتح الباري (٧/٢٠٣)، ويراجع شرح الزرقاني على المواهب اللدنية (١/٣٠٧، ٣٠٨)، والطبقات لابن سعد (١/٢١٣، ٢١٤)، والوفا لابن الجوزي (١/٣٤٩)، والجامع لأحكام القرآن للقرطبي (١٠/٢١٠)، وشرح النووي على صحيح مسلم (٢/٢٠٩)، وعيون الأثر لابن سيد الناس (١/١٨١، ١٨٢)، والبداية والنهاية (٣/١١٩)، وتفسير ابن كثير (٣/٢٢)، وفتاوى النووي ص (٢٧)، وسبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد للشامي (٣/٩٤-٩٦) .
[ ٢٧٣ ]
يقطع به (١) .
قال ابن رجب: (وقد روي أنه كان في شهر رجب حوادث عظيمة، ولم يصح شيء من ذلك، فروي أن النبي ﷺ ولد في أول ليلة منه، وأنه بعث في السابع والعشرين منه، وقيل: في الخامس والعشرين، ولا يصح شيء من ذلك) (٢) . ا. هـ.
وقال أبو شامة: (وذكر بعض القصاص أن الإسراء كان في رجب، وذلك عند أهل التعديل والجرح عين الكذب) (٣) . ا. هـ.
حكم الاحتفال بليلة الإسراء والمعراج:
أجمع السلف الصلح على أن اتخاذ موسم غير المواسم الشرعية من البدع المحدثة التي نهى عنها ﷺ «إياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة» بقوله ﷺ «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» . بقوله ﷺ: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد» .
فالاحتفال بليلة الإسراء والمعراج بدعة محدثة لم يفعلها الصحابة والتابعون، ومن تبعهم من السلف الصالح، وهم أحرص الناس على الخير والعمل الصالح.
قال ابن قيم الجوزية: «قال شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ -: ولا يعرف عن أحد من المسلمين أن جعل لليلة الإسراء فضيلة على غيرها، لاسيما على ليلة القدر، ولا كان الصحابة والتابعون لهم بإحسان يقصدون تخصيص ليلة الإسراء بأمر من الأمور ولا يذكرونها، ولهذا لا يعرف أي ليلة كانت» .
وإن كان الإسراء من أعظم فضائله ﷺ ومع هذا فلم يشرع تخصيص ذلك الزمان،
_________________
(١) - يراجع: زاد الميعاد (١/٥٧) .
(٢) - يراجع: لطائف المعارف ص (١٦٨) .
(٣) - يراجع: الباعث ص (١٧١) .
[ ٢٧٤ ]
ولا ذلك المكان، بعبادة شرعية، بل غار حراء الذي ابتديء فيه بنزول الوحي، وكان يتحراه قبل النبوة، لم يقصده هو ولا أحد من الصحابة بعد النبوة مدة مقامه بمكة، ولا خصَّ اليوم الذي أنزل فيه الوحي بعبادة ولا غيرها، ولا خص المكان الذي ابتديء فيه بالوحي ولا الزمان بشيء.
ومن خص الأمكنة والأزمنة من عنده بعبادات لأجل هذا وأمثاله، كان من جنس أهل الكتاب الذين جعلوا زمان أحوال المسيح مواسم وعبادات كيوم الميلاد، ويوم التعميد، وغير ذلك من أحواله.
وقد رأى عمر بن الخطاب - ﵁- جماعة يتبادرون مكانًا يصلون فيه فقال: ما هذا؟ قالوا: مكان صلى فيه رسول الله ﷺ فقال: أتريدون أن تتخذوا آثار أنبيائكم مساجد؟! إنما هلك من كان قبلكم بهذا، فمن أدركته فيه الصلاة فليصل وإلا فليمض (١) . ا. هـ (٢) .
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ -: «وأما اتخاذ موسم غير المواسم الشرعية كبعض ليالي شهر ربيع الأول التي يقال أنها ليلة المولد، أو بعض ليالي رجب، أو ثامن عشر ذي الحجة، أو أول جمعة من رجب، أو ثامن شوال الذي يسميه الجهال عيد الأبرار، فإنها من البدع التي لم يستحبها السلف ولم يفعلوها، والله ﷾ أعلم (٣) . ا. هـ.
وقال ابن الحاج: «ومن البدع التي أحدثوها فيه أعني في شهر رجب ليلة السابع والعشرين منه التي هي ليلة المعراج (٤) . ا. هـ.
ثم ذكر كثيرًا من البدع التي أحدثوها في تلك الليلة من الاجتماع في المساجد، والاختلاط بين النساء والرجال، وزيادة وقود القناديل فيه، والخلط بين قراءة القرآن وقراءة الأشعار بألحان مختلفة، وذكر الاحتفال بليلة الإسراء والمعراج ضمن المواسم
_________________
(١) - رواه ابن أبي شيبة في مصنفه (٢/٣٧٦، ٣٧٧) . كتاب الصلوات
(٢) - يراجع: زاد المعاد (١/٥٨، ٥٩) .
(٣) - يراجع: مجموع الفتاوى (٢٥/٢٩٨) .
(٤) - يراجع: المدخل (١/٢٩٤) .
[ ٢٧٥ ]
التي نسبوها إلى الشرع وليست منه (١) .
وقال الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ﵀- «في رده على دعوة وجهت لرابطة العالم الإسلام لحضور أحد الاحتفالات بذكري الإسراء والمعراج، بعد أن سئل عن ذلك: هذا ليس بمشروع، لدلالة الكتاب والسنة والاستصحاب والعقل:
أما الكتاب:
فقد قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِينًا﴾ (٢) . قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ (٣) . والرد إلى الله هو الرد إلى كتابه، والرد إلى الرسول هو الرجوع إليه في حياته، وإلى سنته بعد موته. قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٤) قال تعالى: ﴿لْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (٥)
وأما السنة:
فالأول: ما ثبت في الصحيحين من حديث عائشة﵂- أن رسول الله ﷺ قال: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» . وفي رواية لمسلم: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد» .
الثاني: روى الترمذي وصححه، وابن ماجه وابن حبان في صحيحه
_________________
(١) - يراجع: المدخل (١/٢٩٤-٢٩٨) . وكذلك الإبداع ص (٢٧٢) .
(٢) -سورة المائدة: الآية٣.
(٣) - سورة النساء: الآية٥٩.
(٤) - سورة آل عمران:٣١.
(٥) - سورة النور: الآية٦٣.
[ ٢٧٦ ]
عن العرباض بن سارية قال: قال رسول الله ﷺ: «إياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة» .
الثالث: روى الإمام أحمد والبزار عن غضيف أن النبي ﷺ قال: «ما أحدث قوم بدعة إلا رفع مثلها من السنة» (١) إلا أنه قال: «ما من أمة
_________________
(١) - رواه الإمام أحمد في مسنده (٤/١٠٥) . وذكر السيوطي في الجامع الصغير (٢/٤٨٠)، حديث رقم (٧٧٩٠)، وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (١/١٨٨)، وقال: رواه أحمد والبزار وفيه أبو بكر بن أبي مريم وهو: منكر الحديث ا. هـ.
[ ٢٧٧ ]
ابتدعت بعد نبيها بدعة إلا أضاعت مثلها من السنة» (١) .
الرابع: روى ابن ماجه وابن أبي عاصم عن أنس بن مالك﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «أبي الله أن يقبل عمل صاحب بدعة حتى يدع بدعته» (٢) . ورواه الطبراني إلا أنه قال: «إن الله حجب التوبة عن كل صاحب بدعة حتى يدع بدعته» (٣) .
وأما الاستصحاب:
فهو هنا استصحاب العدم الأصلي.
وتقرير ذلك أن العبادات توقيفية، فلا يقال: هذه العبادة مشروعة إلا بدليل من الكتاب والسنة والإجماع، ولا يقال: إن هذا جائز من باب المصلحة المرسلة، أو الاستحسان، أو القياس، أو الاجتهاد، لأن باب العقائد والعبادات والمقدرات كالمواريث والحدود لا مجال لذلك فيها.
_________________
(١) - قال الهيثمي في مجمع الزوائد (١/١٨٨)، ورواه الطبراني في الكبير وفيه أبو بكر بن أبي مريم وهو: منكر الحديث. وذكره السيوطي في الجامع الصغير (٢/٥٠٨)، حديث رقم (٧٩٩٩)، وأشار إلى أنه ضعيف.
(٢) - رواه ابن ماجه في سننه (١/١٩)، المقدمة. حديث رقم (٥٠) . وقال البوصيري في زوائد ابن ماجه: هذا إسناد رجاله كلهم مجهولون، قاله الذهبي في الكاشف، وقال أبو زرعة: لا أعرف أبا زيد ولا أبا المغيرة. يراجع مصباح الزجاجة (١/١١)، باب اجتناب البدع والجدل. وكذلك الكاشف (٣/٣٨٠)، ترجمة رقم (٤٠٣)، (ترجمة أبي المغيرة)، ورواه ابن أبي عاصم في كتاب السنة (١/٢٢) . حديث رقم (٣٩) . وفيه أبو زيد وأبو المغيرة اللذان قال عنهما الذهبي في الكاشف (٣/٣٨٠)، أبو المغيرة عن ابن عباس وعنه أبو يزيد مجهولون.
(٣) - قال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/١٨٩)، ورواه الطبراني في الأوسط ورجاله رجال الصحيح غير هارون بن موسى الفروي وهو: ثقة. وليس فيما ذكره قوله: «حتى يدع بدعته» .
[ ٢٧٨ ]
وأما المعقول:
فتقريره أن يقال: لو كان هذا مشروعًا لكان أولى الناس بفعله محمد ﷺ.
هذا إذا كان التعظيم من أجل الإسراء والمعراج، وإن كان من أجل الرسول الله ﷺ وإحياء ذكره كما يفعل في مولده ﷺ فأولى الناس به أبو بكر﵁- ثم عمر ثم عثمان ثم علي -﵃- ثم من بعدهم الصحابة على قدر منازلهم عند الله، ثم التابعون ومن بعدهم من أئمة الدين، ولم يعرف عن أحد منهم شيء من ذلك فيسعنا ما وسعهم) (١) ا. هـ.
ثم ساق - ﵀ - كلام ابن النحاس في كتابه تنبيه الغافلين حول بدعة الاحتفال بليلة الإسراء والمعراج، جاء فيه: (أن الاحتفال بهذه الليلة بدعة عظيمة في الدين، ومحدثات أحدثها إخوان الشياطين) (٢) .
وذكر الشيخ محمد بن إبراهيم في فتوى أخرى: (أن الاحتفال بذكرى الإسراء والمعراج أمر باطل، وشيء مبتدع، وهو تشبه باليهود والنصارى في تعظيم أيام لم يعظمها الشرع، وصاحب المقام الأسمى رسول الهدى محمد ﷺ هو الذي شرع الشرائع، وهو الذي وضع ما يحل وما يحرم ثم إن خلفاءه الراشدين، وأئمة الهدى من الصحابة والتابعين لم يعرف عن أحد منهم أنه احتفل بهذه الذكرى، ثم قال: المقصود أن الاحتفال بذكرى الإسراء والمعراج بدعة، فلا يجوز ولا يجوز المشاركة
_________________
(١) - يراجع: فتاوى ورسائل الشيخ محمد بن إبراهيم (٣/٩٧-١٠٠) .
(٢) - يراجع: تنبيه الغافلين ص (٣٧٩، ٣٨٠) .
[ ٢٧٩ ]
فيه) (١) ا. هـ
وأفتى﵀-: (بأن من نذر أن يذبح ذبيحة في اليوم السابع والعشرين من رجب من كل سنة فنذره لا ينعقد لاشتماله على معصية، وهي أن شهر رجب معظم عند أهل الجاهلية، وليلة السابع والعشرين منه يعتقد بعض الناس أنها ليلة الإسراء والمعراج، فجعلوها عيدًا يجتمعون فيه، ويعملون أمورًا بدعية، وقد نهى الرسول الله ﷺ عن الوفاء بالنذر في المكان الذي يفعل فيه أهل الجاهلية أعيادهم، أو يذبح فيه لغير الله فقال ﷺ للذي نذر أن ينحر إبلًا ببوانة (٢): «هل كان فيها وثن من أوثان الجاهلية يعبد؟ قالوا: لا. قال: فهل كان فيها عيد من أعيادهم؟ قالوا: لا. فقال ﷺ: أوف بنذرك، فإنه لا وفاء لنذر في معصية الله، ولا فيما لا يملك ابن آدم (٣») (٤) .
وقال الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز﵀ -: (وهذه الليلة التي
_________________
(١) - يراجع: فتاوى ورسائل الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ (٣/١٠٣) .
(٢) - هضبة وراء ينبع قريبة من ساحل البحر يراجع: معجم البلدان (١/٥٠٥) .
(٣) - رواه أبو داود في سننه (٣/٦٠٧) كتاب الأيمان والنذور، حديث رقم (٣٣١٣) . ورواه البيهقي في سننه (١٠/ ٨٣) كتاب النذور. ورواه الطبراني في المعجم الكبير (٢/٦٨)، حديث رقم (١٣٤١) . وقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب: وإسناده على شرطهما. يراجع: كتاب التوحيد بحاشية الشيخ ابن قاسم ص (١٠٤-١٠٦) ويراجع: النهج السديد حديث رقم (١٣٢) .
(٤) - يراجع: فتاوى ورسائل الشيخ محمد بن إبراهيم (٣/١٠٤) .
[ ٢٨٠ ]
حصل فيها الإسراء والمعراج، لم يأت في الأحاديث الصحيحة تعيينها، وكل ما ورد في تعيينها فهو غير ثابت عن النبي ﷺ عند أهل العلم بالحديث، ولله الحكمة البالغة في إنساء الناس لها، ولو ثبت تعيينها لم يجز للمسلمين أن يخصوها بشيء من العبادات ولم يجز لهم أن يحتفلوا بها لأن النبي ﷺ وأصحابه - ﵃ - لم يحتفلوا بها، ولم يخصوها بشيء، ولو كان الاحتفال بها أمرًا مشروعًا لبينه الرسول ﷺ للأمة إما بالقول أو الفعل، ولو وقع شيء من ذلك لعرف واشتهر، ولنقله الصحابة - ﵃ - إلينا فقد نقلوا عن نبيهم ﷺ كل شيء تحتاجه الأمة، ولم يفرطوا في شيء من الدين، بل هم السابقون إلى كل خير، فلو كان الاحتفال بهذه الليلة مشروعًا لكانوا أسبق الناس إليه، والنبي ﷺ هو أنصح الناس للناس، وقد بلغ الرسالة غاية البلاغ، وأدى الأمانة، فلو كان تعظيم هذه الليلة والاحتفال بها من دين الإسلام لم يغفله النبي ﷺ ولم يكتمه، فلما لم يقع شيء من ذلك علم أن الاحتفال بها وتعظيمها ليسا من الإسلام في شيء، وقد أكمل الله لهذه الأمة دينها، وأتم عليها النعمة، وأنكر على من شرع في الدين ما لم يأذن به الله، قال ﷾ في كتابه المبين من سورة المائدة: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِينًا﴾ (١)،وقال ﷿ في سورة الشورى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ وَلَوْلا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (٢) .
وثبت عن رسول الله ﷺ في الأحاديث الصحيحة التحذير من البدع، والتصريح بأنها ضلالة تنيبها للأمة على عظيم خطرها، وتنفيرًا لهم من اقترافها (٣) . ا. هـ.
ثم أورد - رحمه الله تعالى - بعض الأحاديث الواردة في ذم البدع مثل قوله ﷺ «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» . قوله ﷺ: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا
_________________
(١) -سورة المائدة: الآية٣.
(٢) - سورة الشورى:٢١.
(٣) - يراجع: التحذير من البدع ص (٧-٩) .
[ ٢٨١ ]
فهو رد» . قوله ﷺ: «أما بعد فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة» وقوله ﷺ: «فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي تمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة» (١) .
فما ذكر من كلام العلماء وما استدلوا به من الآيات والأحاديث فيه الكفاية، ومقنع لمن يطلب الحق في إنكار هذه البدعة، هي بدعة الاحتفال بليلة الإسراء والمعراج، وأنها ليست من دين الإسلام في شيء، وإنما هي زيادة في الدين، وشرع لم يأذن به الله، وتشبه بأعداء الله من اليهود والنصارى في زيادتهم في دينهم، وابتداعهم فيه ما لم يأذن به الله، وأن لازمها التنقص للدين الإسلامي، واتهامه بعدم الكمال، ولا يخفى ما في ذلك من الفساد العظيم، والمنكر الشنيع، والمصادمة لقوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾، والمخالفة الصريحة لأحاديث الرسول ﷺ المحذرة من البدع، ومما يؤسف له أن هذه البدعة قد فشت في كثير من الأمصار في العالم الإسلامي، حتى ظنها بعض الناس من الدين، فنسأل الله أن يصلح أحوال المسلمين جميعًا، ويمنحهم الفقه في الدين، ويوفقنا وإياهم للتمسك بالحق، والثبات عليه، وترك ما خالفه، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله وسلم على عبده ورسوله نبينًا محمد وآله وصحبه أجمعين (٢) .
_________________
(١) - رواه الإمام أحمد في مسنده (٤/١٢٦) . ورواه أبو داود في سننه (٥/١٣-١٥) كتاب السنة، حديث رقم (٤٦٠٧) . ورواه الترمذي في سننه (٤/١٤٩، ١٥٠) أبواب العلم، حديث رقم (٢٨١٦)، وقال: حديث حسن صحيح. ورواه ابن ماجه في سننه (١/ ١٦)، المقدمة، حديث رقم (٤٢، ٤٣) .
(٢) - يراجع: التحذير من البدع ص (٩) .
[ ٢٨٢ ]
الفصل الخامس