في اليوم العاشر من شهر محرم، وهو اليوم الذي عرف بـ (عاشوراء) أكرم الله ﷾ الحسين بن علي بن أبي طالب - ﵄ - بالشهادة، وذلك سنة ٦١هـ (٢)، وكانت شهادته مما رفع الله بها منزلته، وأعلى درجته، فإنه هو وأخوه الحسن سيد اشباب أهل الجنة (٣)، والمنازل العالية لا تنال إلا بالبلاء، كما قال ﷺ لما سُئِل: أي الناس أشد بلاءً؟ فقال: «الأنبياء ثم الصالحون ثم الأمثل فالأمثل: يبتلى الرجل على حسب دينه، فإن كان في دينه صلابة زيد في بلائه، وإن كان في دينه رقّة خفف عنه، ولا
_________________
(١) - الرافضة: فرقة من فرق الضلال تقول إن النبي ﷺ نص على خلافة علي نصًا قاطعًا للعذر، وأنه إمام معصوم، ومن خالفه كفر وأن المهاجرين والأنصار كتموا النص، واتبعوا أهواءهم، وبدلوا الدين وغيروا الشريعة، وكفروا الصحابة، وقالوا: إن أبا بكر وعمر - ﵄ - ما زالا منافقين، أو آمنوا ثم كفروا - والعياذ بالله-. والرافضة توالي النصارى واليهود والمشركين على جمهور المسلمين، ومنهم ظهرت أمهات الزندقة والنفاق كزندقة بعض القرامطة والباطنية وأمثالهم، ولا ريب أنهم شر من الخوارج. وهم فرق عدة. يراجع: مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (٣/٣٥٦، ٣٥٧)، والفرق بين الفِرَق ص (١٥- ١٧) .
(٢) - يراجع: تاريخ الطبري (٥/٤٠٠)، والبداية والنهاية (٨/٢١٥) .
(٣) - هذا حديث رواه الترمذي في سننه (٥/٣٢١) أبواب المناقب، حديث رقم (٣٨٥٦، ٣٨٥٧)، وقال: هذا حديث صحيح حسن.
[ ١٠٠ ]
يزال البلاء بالمؤمن حتى يمشي على الأرض، وليس عليه خطيئة» (١) .
فكان الحسن والحسين﵄- قد سبق لهما من الله ﷾ ما سبق من المنزلة العالية، ولم يكن قد حصل لهما من البلاء ما حصل لسلفهما الطيب، فإنهما ولدا في عز الإسلام، وتربيا في عز وكرامة، والمسلمون يعظمونهما ويكرمونهما، ومات النبي ﷺ ولم يستكملا سن التمييز، فكانت نعمة الله عليهما أن ابتلاهما بما يلحقها بأهل بيتهما، كما ابتلي من كان أفضل منهما، فإن علي بن أبي طالب -﵁- أفضل منهما وقد قُتِلَ شهيدًا، وكان مقتل الحسين مما ثارت به الفتن بين الناس، كما كان مقتل عثمان بن عفان﵁- من أعظم الأسباب التي أوجبت الفتن، وبسببه تفرقت الأمة إلى اليوم.
فلما قتل عبد الرحمن بن ملجم أمير المؤمنين على بن أبي طالب﵁- وبايع الصحابة للحسن ابنه الذي قال فيه ﷺ: «إن ابني هذا سيد وسيصلح الله به بين
_________________
(١) - رواه الإمام أحمد في مسنده (١/١٧٢)، واللفظ له. رواه الترمذي في سننه (٤/٢٨) أبواب الزهد، حديث رقم (٢٥٠٩)، وقال: هذا حديث حسن صحيح. ورواه الدارمي في سننه (٢/٣٢٠) كتاب الرقاق. ورواه ابن ماجه في سننه (٢/١٣٣٤) كتاب الفتن، حديث (٤٠٢٣) .
[ ١٠١ ]
فئتين عظيمتين من المسلمين» (١) . فنزل عن الولاية، وأصلح الله به بين الطائفتين، ثم إنه مات﵁ -، وقامت طوائف كاتبوا الحسين ووعدوه بالنصر والمعاونة إذا قام بالأمر، ولم يكونوا من أهل ذلك، بل لما أرسل إليهم ابن عمه (٢) أخلفوا وعده، ونقضوا عهده، وأعانوا عليه من عدوه أن يدفعوه عنه، ويقاتلوه معه.
وكان أهل الرأي والمحبة للحسين كابن عباس وابن عمر وغيرهما، قد أشاروا عليه بأن لا يذهب إليهم، ولا يقبل منهم، ورأوا أن خروجه إليهم ليس بمصلحة، ولا يترتب عليه ما يسر، وكان الأمر كما قالوا، وكان أمر الله قدرًا مقدورًا.
فلما خرج الحسين﵁ورأى أن الأمور قد تغيرت، طلب منهم أن يدعوه يراجع، أو يلحق ببعض الثغور، أو يلحق بابن عمه يزيد، فمنعوه هذا وهذا، حتى يستأسر، وقاتلوه، فقاتلهم فقتلوه، وطائفة ممن معه، مظلومًا شهيدًا شهادة أكرمه الله بها، وألحقه بأهل بيته الطيبين الطاهرين، وأهان بها من ظلمه، واعتدى عليه.
فأوجب ذلك شرًا بين الناس، فصارت طائفة جاهلة ظالمة: إمَّا ملحدة منافقة، وإما ضالَّة غاوية، تظهر موالاته وموالاة أهل بيته، تتخذ يوم عاشوراء يوم مأتم وحزن
_________________
(١) - رواه البخاري في صحيحه المطبوع مع فتح الباري (٥/٣٠٦، ٣٠٧) كتاب الصلح، حديث رقم (٢٧٠٤) . ورواه أحمد في مسنده (٥/ ٤٩) . رواه أبو داود في سننه (٥/٤٨، ٤٩» كتاب السنة، حديث رقم (٤٦٦٢) . رواه الترمذي في سننه (٥/٣٢٣) أبواب المناقب، حديث رقم (٣٨٦٢)، وقال حديث حسن صحيح. ورواه النسائي في سننه (٣/١٠٧) كتاب الجمعة باب (٢٧) .
(٢) - وهو: مسلم بن عقيل بن أبي طالب. يراجع: البداية والنهاية (٨/١٦٤) .
[ ١٠٢ ]
ونياحة، وتظهر فيه شعار الجاهلية، من لطم الخدود، وشق الجيوب، والتعزي بعزاء الجاهلية (١) .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (وصار الشيطان بسبب قتل الحسين - ﵁- يحدث للناس بدعتين: بدعة الحزن والنوح يوم عاشوراء، من اللطم والصراخ، والبكاء، والعطش، وإنشاء المراثي، وما يفضي إلى ذلك من سبّ السلف ولعنهم، وإدخال من لا ذنب له مع ذوي الذنوب، حتى يسب السابقون الأولون، وتقرأ أخبار مصرعه التي كثير منها كذب، وكان قصد من سن ذلك، فتح باب الفتنة والفرقة بين الأمة، فإن هذا ليس واجبًا ولا مستحبًا باتفاق المسلمين، بل إحداث الجزع والنياحة للمصائب القديمة، من أعظم ما حرمه الله ورسوله) . ا. هـ (٢) .
وهذا مخالف لشرع الله؛ فالذي أمر به الله ورسوله في المصيبة- إن كانت جديدة-إنَّما هو الصبر، والاسترجاع والاحتساب، كما قال تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ *الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ* أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ (٣) .
وفي الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: «ليس منا من لطم الخدود، وشق الجيوب، ودعا بدعوى الجاهلية» (٤) .
وقال ﷺ: «أنا برئ من الصالقة والحالقة والشاقة (٥») (٦) . وقال ﷺ: «النائحة إذا لم
_________________
(١) - يراجع: مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (٢٥/٣٠٢، ٣٠٧) .
(٢) - يراجع: منهاج السنة النبوية (٢/٣٢٢، ٣٢٣) .
(٣) - سورة البقرة: الآيات ١٥٥- ٣٢٣.
(٤) - صحيح البخاري المطبوع مع فتح الباري (٣/١٦٣) كتاب الجنائز، حديث رقم (١٢٩٤) .
(٥) - الصالقة: هي التي ترفع صوتها عند المصيبة. والحالقة: التي تحلق شعرها عند المصيبة. والشاقة: التي تشق ثوبها عند المصيبة. هذا هو المشهور الظاهر المعروف. يراجع: شرح النووي على صحيح مسلم (٢/١١٠) .
(٦) - رواه مسلم في صحيحه (١/١٠٠) كتاب الإيمان، حديث رقم (١٠٤) .
[ ١٠٣ ]
تتب قبل موتها تقام يوم القيامة، وعليها سربال (١) من قطران (٢) ودرع من جرب (٣») (٤) .
وفي الصحيح عن النبي ﷺ: «ما من مسلم يصاب بمصيبة فيقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم أجرني في مصيبتي، واخلف له خيرًا منها» (٥) . إلا آجره الله في مصيبته وأخلفه خيرًا منها.
وقال ﷺ: «أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن: الفخر بالأحساب، والطعن في الأنساب، والاستسقاء بالنجوم (٦)، والنياحة على الميت» (٧) .
فكيف إذا انظم إلى ذلك ظلم المؤمنين، ولعنهم وسبهم، وإعانة أهل الشقاق والإلحاد على ما يقصدونه في الدين من الفساد، وغير ذلك مما لا يحصيه إلا الله تعالى.
فكان ما زينه الشيطان لأهل الضلال والغي، من اتخاذ يوم عاشوراء مأتمًا، وما يصنعون فيه من الندب والنياحة، وإنشاء قصائد الحزن، ورواية الأخبار التي فيها كذب كثير، والصدق فيها ليس فيه إلا تجديد الحزن والتعصب، وإثارة الشحناء والحرب، وإلقاء الفتن بين أهل الإسلام والتوسل بذلك إلى سب السابقين الأولين، وكثرة الكذب والفتن في الدين.
ولم يعرف المسلمين أكثر كذبًا وفتنًا، ومعاونة للكفار على أهل الإسلام من هذه
_________________
(١) - السربال: هو القميص. يراجع: النهاية لابن الأثير (٢/ ٣٥٧) .
(٢) - القطران: هو النحاس المذاب شديد الحرارة. تفسير ابن كثير (٢/٥٤٥)، ولسان العرب (٥/١٠٥) مادة (قطر) .
(٣) - الجرب: داء معروف وهو بثر يعلو أبدان الناس والإبل. يراجع: لسان العرب (١/٢٥٩) مادة (جرب)
(٤) - رواه الإمام أحمد في مسنده (٥/٣٤٢، ٣٤٣) . ورواه مسلم في صحيحه (٢/٦٤٤) كتاب الجنائز، حديث رقم (٩٣٤) .
(٥) - رواه مالك في الموطأ (١/٢٣٦) كتاب الجنائز، حديث رقم (٤٣) . ورواه أحمد في مسنده (٦/٣٠٩) . ورواه مسلم في صحيحه (٢/٦٣٢، ٦٣٣) كتاب الجنائز، حديث (٩١٨) . ورواه أبو داود في سننه (٢/٤٨٨) كتاب الجنائز، حديث (٣١١٩) .
(٦) - الاستسقاء بالنجوم: أي نسبة إلى السقيا ومجئ المطر إلى النجوم والأنوار. يراجع: تيسير العزيز الحميد في شرح كتاب التوحيد ص (٣٩٨) .
(٧) - رواه الإمام أحمد في مسنده (٥/٣٤٢، ٣٤٣) . ورواه مسلم في صحيحه (٢/٦٤٤) كتاب الجنائز، حديث رقم (٩٣٤) .
[ ١٠٤ ]
الطائفة الضالة الغاوية، فإنهم شر من الخوارج المارقين وأولئك قال فيهم النبي ﷺ: «يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان» (١) . وهؤلاء يعانون اليهود والنصارى والمشركين على أهل بيت النبي ﷺ، وأمته المؤمنين كما أعانوا المشركين من أعداء الإسلام (٢)
على ما فعلوه (٣) ببغداد (٤) وغيرها، بأهل بيت النبوة، ومعدن الرسالة، ولد العباس بن عبد المطلب، وغيرهم من أهل البيت والمؤمنين، من القتل والسبي وخراب الديار، وشر هؤلاء وضررهم على أهل الإسلام لا يحصيه الرجل الفصيح في الكلام (٥) .
_________________
(١) - رواه البخاري في صحيحه المطبوع مع فتح الباري (١٣/٤١٥، ٤١٦) كتاب التوحيد، حديث (٧٤٣٢) . ورواه مسلم في صحيحه (٢/٧٤١، ٧٤٢) كتاب الزكاة، حديث (١٠٦٤)
(٢) -وهم: التتار الذين دخلوا الشام في المرة الأولى سنة ٩٩هـ، وأعطوا الناس الأمان، ثم سبوا من ذراري المسلمين ما يقارب مائة ألف أو يزيدون وبالغوا في القتل والسبي، وفجروا بنساء المسلمين في المساجد وغيرها كالمسجد الأقصى والأموي. وهدموا المساجد، وكانوا لا يقيمون الصلاة، وتبعهم الزنادقة والمنافقون وشر أهل البدع من الرافضة والجهمية والاتحادية، وكانوا يعظمون ملكهم جنكيز خان ويسوونه برسول الله ﷺ - والعياذ بالله - وهو كافر مشرك من أعظم المشركين، بل يعتقدون أنه ابن الله، وأن الشمس حبلت أمه، ويشكرونه على أكلهم وشربهم، ويستحلون قتل من عادى ما سنَّه لهم هذا الكافر وأكثر وزرائه فلاسفة يهود انتسبوا للإسلام، وضموا إلى ذلك الرفض، وبالجملة فما من نفاق وزندقة وإلحاد إلا وهي داخلة في اتباع التتار. والرافضة تحب التتار ودولتهم؛ لأنه يحصل لهم بها من العز ما لا يحصل بدولة المسلمين، وهم أعظم الناس معاونة لهم على أخذ بلاد الإسلام، وقتل المسلمين، وسبي حريمهم، فقد كان منهم وزراء للتتار كالطوسي وابن العلقمي والرشيد وغيرهم. يراجع: مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (٢٨/٥٠٩، ٥٣٠)، والمنتقى ص (٣٢٥، ٣٢٦) .
(٣) - يراجع البداية والنهاية (١٣/١٩٠- ١٩٤)، حوادث سنة ٦٥٦هـ.
(٤) - هي عاصمة العراق قديمًا وحديثًا. وتقع على نهر دجلة. أول من جعلها مدينة الخليفة المنصور العباسي سنة ١٤٩هـ وأنفق عليها ثمانية عشر ألف ألف دينا، فبناها مدورة وسورها وجعل داره وجامعها في وسطها، وجعل لها أربعة أبواب. وقد صنَّف في بغداد وسعتها وعظمها وسعة بقعتها وما ورد فيها وما حدث بها الخطيب أبو بكر البغدادي في كتابه تاريخ بغداد (أربعة عشر مجلدًا) ما فيه الكفاية. يُراجع: معجم البلدان (١/٤٥٦- ٤٦٧)، وتاريخ بغداد للخطيب البغدادي.
(٥) - يراجع: مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (٢٥/٣٠٢، ٣٠٩) .
[ ١٠٥ ]
وهذه الطائفة هم الرافضة: الذين اشتهروا دون غيرهم من الطوائف بسبِّ الخليفتين الراشدين أبي بكر وعمر - ﵄ولعنهما وبغضهما وتكفيرهما-والعياذ بالله، ولهذا قيل للإمام أحمد: من الرافضي؟ قال: (الذي يسبّ أبا بكر وعمر) (١) .
وبهذا سميت الرافضة، فإنهم رفضوا زيد بن علي لما تولى الخليفتين أبا بكر وعمر - ﵄ - لبغضهم لهما، فالمبغض لهما هو الرافضي، وقيل: إنما سموا رافضة لرفضهم أبا بكر وعمر﵄ -.
وأصل الرفض من المنافقين الزنادقة، فإنه ابتدعه عبد الله بن سبأ الزنديق، وأظهر الغلو في علي﵁-؛ بدعوى الإمام بالنص، وادَّعى العصمة له.
_________________
(١) - يراجع: مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (٤/ ٤٣٥) .
[ ١٠٦ ]
ولهذا لما كان مبدأه من النفاق قال بعض السلف: حب أبي بكر وعمر إيمان، وبغضهما نفاق، وحب بني هاشم إيمان، وبغضهم نفاق (١) .
وهذه الفرقة هي التي وصفها شيخ الإسلام ابن تيمية بقوله: (إن الرافضة أمة ليس لها عقل صريح، ولا نقل صحيح، ولا دين مقبول، ولا دنيا منصورة، بل هم من أعظم الطوائف كذبًا وجهلًا، ودينهم يدخل على المسلمين كل زنديق ومرتد، كما دخل فيهم النصيرية (٢)، والإسماعيلية (٣)
وغيرهم، فإنهم يعمدون إلى خيار الأمة
_________________
(١) - يراجع: مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (٤/ ٤٣٥) .
(٢) - هي فرقة من فرق الباطنية، وينسبون إلى محمد بن نصر النميري، وكان من الغلاة الذين يقولون بألوهية على - ﵁ - وهم أكفر من اليهود والنصارى والمشركين، فهم يتظاهرون بالإسلام والتشيع لآل البيت، وهم في الحقيقة لا يؤمنون بالله، ولا برسوله، ولا بكتابه، ولا بأمر ولا نهي، ولا ثواب ولا عقاب، ولا جنة ولا نار، ولا بأحد من المرسلين فقصدهم إنكار الإيمان وشرائع الإسلام بكل طريق، فالصلوات الخمس: معرفة أسرارهم، والصيام: كتمان أسرارهم، والحج: زيارة شيوخهم، وهم يعينون أعداء الإسلام عليه، فظاهر مذهبهم الرفض، وباطنه الكفر المحض. تراجع ترجمتهم في: فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (٣٥/ ١٤٥-١٦١)، والشيعة والتشيع ص (٢٥٥-٢٥٨) .
(٣) - نسبة إلى محمد بن إسماعيل بن جعفر، ويزعمون أن دور الإمامة انتهى إليه لأنه سابع، واحتجُّوا بأن السموات سبع والأرضين سبه وأيام الأسبوع سبعة. وقالوا: بأن محمد بن إسماعيل نسخ شريعة محمد بن عبد الله ﷺ، وهم أعظم كفرًا من الغالية. يقولون بقدم العالم، وإنكار المعاد، وإنكار واجبات الإسلام ومحرماته، وهم من القرامطة الباطنية الذين هم أكفر من اليهود والنصارى ومشركي العرب، وقولهم مركب من قول الفلاسفة والمجوس، ويظهرون التشيع نفاقًا، ومن أشهرهم: العبيديون الذين حكموا مصر والشام فترة طويلة. تراجع ترجمتهم في: فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (٣٥/ ١٣١-١٦٢)، وتلبيس إبليس ص (١٠٢) .
[ ١٠٧ ]
يعادونهم، وإلى أعداء الله من اليهود والنصارى والمشركين يوالونهم، ويعمدون إلى الصدق الظاهر المتواتر يدفعونه، وإلى الكذب المختلق الذي يعلم فساده يقيمونه، فهم كما قال فيهم الشُّعبي﵀وكان من أعلم الناس بهم-: لو كانوا من البهائم لكانوا حمرًا، ولو كانوا من الطير لكانوا رخمًا (١) ا. هـ. (٢) .
وأما في الوقت الحاضر: فيستقبل بعض المنتسبين إلى الإسلام في بعض البلدان شهر محرم بالحزن والهم والخرافات والأباطيل؛ فيصنعون ضريحًا (٣) من الخشب، مزينًا بالأوراق الملونة ويسمونه ضريح الحسين، أو كربلاء (٤)، ويجعلون فيه قبرين، ويطلقون عليه اسم (التعزية)، ويجتمع أطفال بملابس وردية أو خضر، ويسمونهم فقراء الحسين.
وفي اليوم الأول من شهر تكنس البيوت وتغسل وتنظف، ثم يوضع الطعام، وتقرأ عليه فاتحة الكتاب، وأوائل البقرة، وسورة الكافرون، والإخلاص، والفلق، والناس. ثم يصلى على النبي ﷺ ويوهب ثواب الطعام للموتى.
_________________
(١) - الرخمة: طائر أبقع على شكل النسر خلقة، إلا أنه مبقع بسواد وبياض، يقال له: الأنوق. والجمع: رخَم ورخم، وهو موصوف بالغدر والموق، وقيل: بالقذر، ومنه قولهم: رخم السقاء إذا أنتن. يراجع: لسان العرب (١٢/٢٣٥) مادة (رخم) .
(٢) - تراجع: مجموعة فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (٤/ ٤٧١-٤٧٢)، ويراجع: منهاج السنة النبوية لابن تيمية (١/٣-٢٠)، ويراجع: الفِصَل لابن حزم (٤/١٧٩-١٨٨) .
(٣) - الضريح: الشق في وسط القبر، واللحد في الجانب، أو القبر كله. وقيل: قبر بلا لحد، سمي بذلك؛ لأنه يشق في الأرض شقًا. يراجع: لسان العرب (٢/٥٢٦) مادة (ضرح) .
(٤) - موضع بالعراق من ناحية الكوفة، وفيه قتل الحسين بن على بن أبي طالب وقبره بمكان من الطف عند نهر كربلاء. يراجع: معجم ما استعجم (٤/١١٢٣)، واستشهاد الحسين ص (١٣٤) .
[ ١٠٨ ]
وفي خلال هذا الشهر تمنع الزينة، فتضع النساء زينتهن، ولا يأكل الناس اللحوم، ولا يقيمون ولائم الأفراح، بل ولا يتم فيه عقود الزواج، وتمنع الزوجة من زوجها إن كان لم يمض على زواجهما أكثر من شهرين، ويكثر ضرب الوجوه والصدور، وشق الجيوب والنياحة، ويبدأ اللعن على معاوية وأصحابه ويزيد وسائر الصحابة.
وفي العشر الأول من الشهر: تشعل النيران، ويتواثب الناس عليها، والأطفال يطوفون الطرقات، ويصيحون: يا حسين يا حسين. وكل من يولد في هذا الشهر يعتبر شؤمًا سيئ الطالع، وفي بعض المناطق تدق الطبول والدفوف، وتصدح الموسيقى وتنشر الرايات، وينصب الضريح ويمر الرجال والنساء والصبيان من تحته، يتمسحون بالرايات ويتبركون، معتقدين أنهم بذلك لا يصيبهم مرض وتطوع أعمارهم.
وفي بعض البلدان يخرج الناس في ليلة عاشوراء معصبين عيني الرجل يطوفون الطرقات، فإذا ما قاربت الشمس على البزوغ عادوا إلى بيوتهم.
وفي يوم عاشوراء تطهى أطعمة خاصة، ويخرج أهل القرى والمدائن إلى مكان خاص يسمونه (كربلاء) فيطوفون حول الضريح الذي يقيمونه ويتبركون بالرايات وتدق الطبول وتضرع الدفوف، فإذا غربت الشمس دفن هذا الضريح، أو ألقي في الماء، وعاد الناس إلى بيوتهم، ويجلس بعض الناس على الطرقات بمشروبات يسمونها (السلسبيل)، ويسقونها للناس بدون مقابل، ويجلس بعض الوعاظ في الأيام العشر الأول فيذكرون محاسن الحسين، ومساوئ ينسبونها لمعاوية، ويزيد، ويصبون عليها وعلى أصحابها اللعنات.
ويروون في فضل عاشوراء وشهر المحرم أحاديث موضوعة وضعيفة وروايات مكذوبة.
وبعد أربعين يومًا من عاشوراء، يحتفلون يومًا واحدًا يسمونه الأربعين: يجمعون
[ ١٠٩ ]
فيه الأموال، ويشترون بها أطعمة خاصة يدعون الناس إليها.
وهذه البدع تعمل في الهند والباكستان، وفي البلدان التي يقطنها الشيعة ولاسيما إيران والعراق والبحرين (١) .
وإقامتهم لحفلات العزاء والنياحة والجزع، وتصوير الصور، وضرب الصدور، وما أشبه ذلك مما يصدر منهم في يوم عاشوراء وما قبله من شهر محرم، إنما يعتقدون بذلك القربة إلى الله وتكفير السيئات والذنوب التي صدرت منهم في السنة كلها، ولم يعلموا أن فعلهم هذا مما يوجب الطرد والإبعاد عن رحمة الله تعالى.
وصدق الله تعالى القائل في محكم كتابه: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ﴾ (٢) .
وقال ﷿ من قائل: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا *الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ (٣) .
_________________
(١) - يراجع: تحذير المسلمين عن الابتداع والبدع في الدين ص (٢٨٠، ٢٨١) .
(٢) -سورة فاطر: الآية٨.
(٣) - سورة الكهف:١٠٣-١٠٤
[ ١١٠ ]
المبحث الثالث