تقدم في المبحث السابق، ذكر بدعة الحزن في يوم عاشوراء عند الرافضة، وفي هذا المبحث سنتكلم - إن شاء الله - عن الذين عارضوا الرافضة، فجعلوا يوم عاشوراء موسم فرح، وهم النواصب المتعصبين على الحسين وأهل بيت النبي ﷺ ومن الجهَّال الذين قابلوا الفاسد بالفاسد، والكذب بالكذب، والشر بالشر، والبدعة بالبدعة، فوضعوا الآثار في شعائر الفرح والسرور يوم عاشوراء؛ كالاكتحال، والاختضاب، وتوسيع النفقات على العيال، وطبخ الأطعمة الخارجة عن العادة، ونحو ذلك مما يُفعل في الأعياد والمواسم، فصار هؤلاء يتخذون يوم عاشوراء موسمًا كمواسم الأعياد والأفراح (٢) .
وكان أول ظهورهم على زمن النبي ﷺ، وذلك لما أبو سعيد الخدري - ﵁ - قال: بعث علي -﵁- إلى النبي ﷺ بذهيبة (٣)، فقسمها بين الأربعة:
_________________
(١) - النواصب: أغلبهم من الخوارج الذين هم أول من فارق جماعة المسلمين من أهل البدع. وهم الذين يكفِّرُون عثمان وعلى وسائر أهل الجماعة، ويكفِّرون أصحاب الكبائر ويرون الخروج على الإمام إذا خالف السنة حقًا واجبًا. يراجع: مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (٣/٣٤٩)، والْمِلل والنِّحل للشهرستاني ص (١١٤-١٣٨) .
(٢) - يراجع: مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (٢٥/٣٠٩، ٣١٠)
(٣) - ذهبية: تصغير ذهبة. وكانت تبرًا - لم تخلص من تراب المعدن - لم يسبك. يراجع: فتح الباري (٨/٦٨) كتاب المغازي، حديث (٤٣٥١) . وفي رواية مسلم: ذهبة - بدون تصغير -. يراجع: صحيح مسلم (٢/٧٤١) حديث رقم (١٠٦٤) .
[ ١١١ ]
الأقرع بن حابس الحنظلي ثم المجاشعي، وعيينة بن بدر الفزاري، وزيد الطائي، ثم أحد بني نبهان، وعلقمة بن علاثة العامري، أحد بني كلاب.
فغضبت قريش والأنصار، قالوا: يعطي صناديد أهل نجد (١) ويدعنا! . قال: «إنَّما
_________________
(١) - النجد من الأرض: ما صلب منها وأشرف. ونجد - بفتح أوله وسمون ثانيه -: ما ارتفع عن بطن وادي الرمَّة، أو هي اسم للأرض العريضة التي أعلاها تهامة واليمن وأسفلها العراق والشام، ويقال: إن نجدًا كلها من عمل اليمامة. وتقع في أواسط جزيرة العرب. يراجع: معجم البلدان (٥/٢٦١-٢٦٤) .
[ ١١٢ ]
أتألفهم»، فأقبل رجل غائر العينين (١)، مشرف الوجنتين (٢)، ناتئ (٣) الجبين، كث اللحية محلوق، فقال: اتق الله يا محمد!، فقال: «من يطع الله إذا عصيت؟ أيأمنني الله على أهل الأرض ولا تأمنوني؟» . فسأله رجل قتله - أحسبه خالد بن الوليد - ﵁- فمنعه، فلما ولَّى قال: «إن من ضئضئ هذا - أو في عقب هذا - قوم يقرأون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون (٤) من الدين مروق السهم من الرمية يقتلون أهل الإسلام، ويدعون أهل الأوثان، لئن أنا أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد» (٥) .
وفي رواية لمسلم: بينما نحن عن رسول الله ﷺ وهو يقسم قسمًا، أتاه ذو
_________________
(١) - أي أن: عينيه داخلتان في محاجرهما. وهو ضد المجحوظ. يراجع: فتح الباري (٨/٦٨) .
(٢) - أي: بارز الوجنتين وهما العظمتان المشرفان على الخدين. المرجع السابق (٨/٦٨) .
(٣) - أي: مرتفع الجبين. والنتوء: أي أنه يرتفع على ما حوله. المرجع السابق (٨/٦٨) .
(٤) - يمرقون من الدين: أي يجوزونه ويخرقونه ويتعدونه، كما يخرق السهم المرمي به ويخرج منه، والمروق: الخروج من شيء من غير مدخله، وكذلك سرعة الخروج من الشيء. يُراجع: لسان العرب (١٠/ ٣٤٠، ٣٤١) مادة (مرق) .
(٥) - رواه البخاري في صحيحه المطبوع مع فتح الباري (٦/٣٧٦) كتاب الأنبياء، حديث رقم (٣٣٤٤) . ورواه مسلم في صحيحه المطبوع مع شرح النووي (٧/١٦١، ١٦٢) كتاب الزكاة.
[ ١١٣ ]
الخويصرة -وهو رجل من بني تميم- فقال: يا رسول الله! اعدل! قال رسول الله ﷺ: «ويلك، ومن يعدل إن لم أعدل، قد خبت وخسرت إن لم أعدل» فقال عمر بن الخطاب﵁ -: يا رسول الله! ائذن لي فيه أضرب عنقه، قال رسول الله ﷺ: «دعه فإن له أصحابًا يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، ويقرأون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية، ينظر إلى نصله (١) فلا يوجد فيه شيء ثم ينظر إلى رصافه (٢) فلا يوجد فيه شيء، ثم ينظر إلى نضيه (٣) فلا يوجد فيه شيء - وهو القدح - ثم ينظر إلى قذذه (٤) فلا يوجد فيه شيء، سبق الفرث والدم. آيتهم رجل أسود إحدى عضديه مثل ثدي المرأة، أو مثل البضعة تدردر (٥)، يخرجون على حين فرقة من الناس» .
قال أبو سعيد: فأشهد أني سمعت هذا من رسول الله ﷺ، وأشهد أن علي بن أبي طالب﵁- قاتلهم وأنا معه، فأمر بذلك الرجل (٦) فالتمس فوجد فأتي به
_________________
(١) - النصل: حديدة السهم. يراجع: شرح النووي على صحيح مسلم (٧/١٦٥) .
(٢) - الرصاف: مدخل النصل من السهم. يراجع السابق (٧/١٦٥) .
(٣) - النضي - بفتح النون وكسر الضاد وتشديد الياء -: وهو القدح، أي: عود السهم. يراجع السابق (٧/١٦٥) .
(٤) - القذذ - بضم القاف -: هو ريش السهم. يراجع السابق (٧/١٦٥) .
(٥) - تدردر: أي تضطرب وتذهب وتجيء. والبضعة: القطعة من اللحم. يراجع السابق (٧/١٦٥) .
(٦) -الرجل المصوف هو: ذو الثدية وهو من عرنة من بجيلة، وكان أسودًا شديد السواد، له ريح منتنة، معروف في العسكر. ويطلق عليه المخدج. يراجع: البداية والنهاية (٧/٣١٦) .
[ ١١٤ ]
حتى نظرت إليه على نعت رسول الله ﷺ الذي نعت (١)
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (وكانت الكوفة (٢) بها قوم من الشيعة المنتصرين للحسي، وكان رأسهم المختار بن عبيد الكذاب. وقوم من الناصبة المبغضين لعلي - ﵁- وأولاده، منهم الحجاج بن يوسف الثقفي، وقد ثبت في
_________________
(١) - رواها مسلم في صحيحه (٢/٧٤٤، ٧٤٥) كتاب الزكاة، حديث رقم (١٠٦٤) (١٤٨) .
(٢) - الكوفة: - الكوفة: المصر المشهور بأرض بابل من سواد العراق، ويسميها قوم خد العذراء. وسُميت بالكوفة لاستدارتها، وقيل لاجتماع الناس بها، وكان تمصيرها في أيام عمر بن الخطاب - ﵁ - سنة ١٧هـ. يُراجع: معجم البلدان (٤٩٠، ٤٩٤) .
[ ١١٥ ]
الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: «سيكون في ثقيف كذاب ومبير» (١) . فكان ذلك هو الكذاب وهذا الناصبي هو المبير (٢)، فأحدث أولئك الحزن، وأحدث هؤلاء السرور وهذه بدعة أصلها من المتعصبين بالباطل على الحسين﵁وتلك بدعة أصلها من المتعصبين بالباطل له، وكل بدعة ضلالة، ولم يستحب أحد من الأئمة الأربعة وغيرهم لا هذا ولا هذا، ولا في شيء من استحباب ذلك حجَّة شرعية (٣) .
ولا شك في أن النواصب، وكذلك الرافضة، مبتدعون في فعلهم هذا مخطئون، خارج عن السنة؛ لأن الرسول ﷺ قال: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، تمسكوا بها، وعضُّو عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة» (٤) .
ولم يسن رسول الله ﷺ ولا خلفاؤه الراشدون في يوم عاشوراء شيئًا من هذه الأمور، لا شعائر الحزن والترح، ولا شعائر السرور والفرح، ولكنه ﷺ لما قدم المدينة، وجد اليهود تصوم عاشوراء، فقال: «ما هذا؟» . فقالوا: هذا يوم نجَّى الله فيه موسى -﵇- من الغرق فنحن نصومه. فقال: «نحن أحق بموسى منكم» . فصامه وأمر بصيامه (٥) .
وكانت قريش أيضًا تعظمه في الجاهلية.
_________________
(١) - رواه مسلم في صحيحه (٤/١٩٧١، ١٩٧٢) كتاب فضائل الصحابة، حديث رقم (٢٥٤٥)، ولفظه: «إن في ثقيف كذابًا ومبيرًا» . وقالت أسماء بنت أبي بكر: فأما الكذاب فرأيناه، وأما المبير فلا إخالك إلا إياه.
(٢) - المبير: المهلك. يراجع: شرح النووي على صحيح مسلم (١٦/ ١٠٠) .
(٣) - يراجع: منهاج السنة النبوية (٣/٣٢٣) .
(٤) - رواه الإمام أحمد في مسنده (٤/١٢٦، ١٢٧) . ورواه أبو داود في سننه المطبوع مع شرحه عون المعبود (١٢/٣٥٨- ٣٦٠) كتاب الفتن، واللفظ له. ورواه الترمذي في سننه المطبوع مع شرحه تحفة الأحوذي (٧/ ٤٣٨-٤٤٢) . وقال هذا حديث حسن صحيح، باب الأخذ بالسنة واجتناب البدعة. ورواه ابن ماجه في سننه (١/ ١٥، ١٦)، المقدمة.
(٥) - رواه البخاري في صحيحه المطبوع مع فتح الباري (٤/٢٤٤) كتاب الصوم، حديث رقم (٢٠٠٤)، واللفظ له. ورواه مسلم في صحيحه (٢/٧٩٥) كتاب الصيام، حديث رقم (١١٣٠) .
[ ١١٦ ]
واليوم الذي أمر الناس بصيامه كان يومًا واحدًا فإنه ﷺ قدم المدينة في شهر ربيع الأول، فلما كان في العام القابل، صام يوم عاشوراء، وأمر بصيامه، ثم فرض شهر رمضان ذلك العام فنسخ صوم عاشوراء - أي وجوبه -.
وقد تنازع العلماء: هل كان صوم ذلك اليوم واجبًا، أو مستحبًا؟ على قولين مشهورين، أصحهما: أنه كان واجبًا، ثم إنه بعد ذلك كان يصومه من يصومه استحبابًا، ولم يأمر النبي ﷺ العامة بصيامه، بل كان يقول: «هذا يوم عاشوراء، وأنا صائم فيه، فمن شاء صام» متفق عليه (١) .
وقال ﵊: «صوم يوم عاشوراء يكفر سنة، وصوم يوم عرفة يكفر سنتين» .
ولما كان آخر عمره ﷺ وبلغه أن اليهود يتخذونه عيدًا قال: «لئن عشت إلى قابل لأصومن التاسع» (٢)؛ ليخالف اليهود ولا يشابههم في اتخاذه عيدًا.
وكان من الصحابة والعلماء من لا يصومه، ولا يستحب صومه، بل يكره إفراده بالصوم، كما نقل ذلك عن طائفة من العلماء، ومن العلماء من يستحب صومه.
والصحيح أنه يستحب لمن صامه، أن يصوم معه التاسع؛ لأن هذا آخر أمر النبي ﷺ لقوله: «لئن عشت إلى قابل لأصومن التاسع» .
فهذا الذي سنَّهُ رسول الله ﷺ، وأما سائر الأمور: مثل اتخاذ طعام خارج عن العادة إما حبوب وإما غير حبوب، أو تجديد لباس، أو توسيع نفقة، أو اشتراء حوائج العام ذلك اليوم، أو فعل عبادة مختصة كصلاة مختصة به. أو قصد الذبح، أو ادخار لحوم الأضاحي ليطبخ بها الحبوب، أو الاكتحال، أو الاختضاب، أو الاغتسال، أو التصافح، أو التزاور، أو زيارة المساجد والمشاهد، ونحو ذلك. فهذه من البدع المنكرة التي لم يسنها رسول الله ﷺ ولا خلفاؤه الراشدون، ولا استحبها أحد من أئمة المسلمين المشهورين (٣) .
_________________
(١) - رواه البخاري في صحيحه المطبوع مع فتح الباري (٤/٢٤٤) كتاب الصوم، حديث رقم (٢٠٠٣)، ورواه مسلم في صحيحه (٢/٧٩٥) كتاب الصيام، حديث رقم (١١٢٩) .
(٢) - رواه الإمام أحمد في مسنده (١/ ٢٣٦) . ورواه مسلم في صحيحه (٢/٧٩٧، ٧٩٨) كتاب الصيام، حديث رقم (١١٣٤) . ورواه أبو داود في سننه (٢/٨١٨، ٨١٩) كتاب الصوم، حديث رقم (٢٤٤٥) . ورواه ابن ماجه في سننه (١/٥٥٢) كتاب الصيام، حديث (١٧٣٦) .
(٣) - أمثال: أبي حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد، والثوري، والليث بن سعد، والأوزاعي، وإسحاق بن راهويه من أئمة المسلمين وعلمائهم. يراجع: مجموعة فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (٢٥/٣١٢) .
[ ١١٧ ]
فيجب على الإنسان، طاعة الله ورسوله ﷺ، واتباع دينه وسبيله، واقتفاء هداه ودليله. وعليه أن يشكر الله على ما عظمت به النعمة.
قال تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ (١) .
وقال ﷺ: «إن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة» (٢) . (٣) .
_________________
(١) - سورة آل عمران:١٦٤.
(٢) - رواه مسلم في صحيحه (٢/٥٩٢) كتاب الجمعة، حديث (٨٦٧)، ولفظه: «خير الحديث كتاب الله» ورواه ابن ماجه (١/١٧) المقدمة، حديث رقم (٤٥)، ولفظه: «خير الأمور كتاب الله»
(٣) - يراجع: مجموعة فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (٢٥/٣١٠-٣١٤)، ويراجع: زاد المعاد (٢/٦٦-٧٧) .
[ ١١٨ ]
الفصل الثاني