وحكم العمرة فيه والزيارة الرجبية
من الأمور المبتدعة في شهر رجب: تخصيصه بالصيام أو القيام، والمخصصين له استندوا إلى أحاديث بعضها ضعيف، وكثير منها موضوع والتي سبق وذكرنا بعضًا منها.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (أما تخصيص رجب وشعبان جميعًا بالصوم، أو الاعتكاف، فلم يرد فيه عن النبي ﷺ شيء ولا عن أصحابه، ولا أئمة المسلمين، بل قد ثبت في الصحيح أن رسول الله ﷺ كان يصوم شعبان، ولم يكن يصوم من السنة أكثر مما يصوم من شعبان، من أجل شهر رمضان) (١) .
وأما صوم رجب بخصوصه فأحاديثه كلها ضعيفة، بل موضوعة، لا يعتمد أهل العلم على شيء منها، وليست من الضعيف الذي يروى في الفضائل، بل عامتها من الموضوعات المكذوبات، وأكثر ما روي في ذلك أن النبي ﷺ كان إذا دخل رجب يقول: «اللهم بارك لنا في رجب وشعبان وبلغنا رمضان» (٢) .
وقد روى ابن ماجه في سننه عن ابن عباس عن النبي ﷺ «نهى عن صيام
_________________
(١) - رواه البخاري في صحيحه المطبوع مع فتح الباري (٤/٢١٣) كتاب الصوم، حديث رقم (١٩٧٠) . ورواه مسلم في صحيحه (٢/٨١١) كتاب الصيام، حديث رقم (١١٥٦) . وليس فيهما زيادة (من أجل شهر رمضان) .
(٢) - رواه الإمام أحمد في مسنده (١/٢٥٩)، وفيه زائدة بن أبي الرقاد عن زيادة النميري. قال ابن حجر: وزائدة بن أبي الرقادة روى عنه جماعة. وقال فيه أبو حاتم: يحدث عن زيادة النميري عن أنس أحاديث مرفوعة منكرة، فلا يدري منه أو من زيادة، ولا أعلم روى عنه غير زيادة، فكنا نعتبر حديثه. وقال البخاري: منكر الحديث، وقال النسائي: بعد أن أخرج له حديثًا في السنن: لا أدري من هو، وقال في الضعفاء: منكر الحديث، وقال في الكنى: ليس بثقة. وقال ابن حبان: لا يحتج بخيره. يراجع: تبيين العجب بما ورد في فضل رجب ص (١٢)، والضعفاء الكبير (٢/٨١)، ترجمة رقم (٥٣١)، وتهذيب التهذيب (٣/٣٠٥) ترجمة رقم (٥٧٠) .
[ ٢٢٦ ]
رجب» (١) . وفي إسناده نظر.
لكن صح أن عمر بن الخطاب كان يضرب أيدي الناس ليضعوا أيديهم في الطعام في رجب، ويقول: لا تشبهوه برمضان.
ودخل أبو بكر فرأى أهله قد اشتروا كيزانا للماء واستعدوا للصوم فقال: ما هذا؟ فقالوا: رجب. فقال: أتريدون أن تشبهوه برمضان؟ وكسر تلك الكيزان (٢) .
فمتى أفطر بعضًا لم يكره صوم البعض.
وفي المسند وغيره حديث عن النبي ﷺ «أنه أمر بصوم الأشهر الحرم» . وهي رجب وذو القعدة وذو الحجة والمحرم، فهذا في صوم الأربعة جميعًا، لا من تخصص رجب (٣) . ا. هـ.
وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية﵀- (أن تعظيم شهر رجب من الأمور المحدثة التي ينبغي اجتنابها، وأن اتخاذ شهر رجب موسمًا بحيث يفرد بالصوم مكروه عن الأمام أحمد - ﵀ - وغيره) (٤) .
_________________
(١) - رواه ابن ماجه في سننه (١/٥٥٤)، كتاب الصيام. حديث رقم (١٧٤٣)، وفيه داود بن عطاء المدني وهو متفق على تضعيفه. قال ابن الجوزي: هذا حديث لا يصح عن الرسول الله ﷺ قال أحمد بن حنبل: لا يحدث عن داود بن عطاء. وقال البخاري: منكر الحديث. يراجع: مصباح الزجاجة في زوائد ابن ماجه (٢/٧٧، ٧٨)، والعلل المتناهية (٢/ ٦٥)، حديث رقم (٩١٣)، والضعفاء الكبير (٢/٣٤، ٣٥) ترجمة رقم (٤٥٧)، وتهذيب التهذيب (٣/١٩٣-١٩٤) ترجمة رقم (٣٧٠) .
(٢) - قال ابن قدامة: وروى الإمام أحمد بإسناده عن أبي بكرة - ثم ذكر هذا الآثر -. يراجع:: المغني (٣/١٦٧) . والشرح الكبير (٢/٥٢) . قلت: ولكني لم أجده في مسند الإمام أحمد. وقد ذكره شيخ الإسلام في مجموع الفتاوى (٢٥/٢٩١) . عن أبي بكرة. وذكره أيضًا في اقتضاء الصراط المستقيم (٢/٢٦٥) . عن أبي بكرة. وذكر ابن حجر في تبيين العجب أن سعيد بن منصور رواه في سننه عن أبي بكرة. يراجع: تبيين العجب ص (٣٥) .
(٣) - يراجع: مجموع فتاوى الشيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ - (٢٥/٢٩٠و٢٩١) .
(٤) - يراجع: اقتضاء الصراط المستقيم (٢/٦٢٤، ٦٢٥) .
[ ٢٢٧ ]
وقال ابن رجب: (وأما الصيام فلم يصح في فضل صوم رجب بخصوصه شيء عن النبي ﷺ، ولا عن أصحابه، ولكن روي عن أبي قلابة قال: «في الجنة قصر لصوام رجب» قال البيهقي: أبو قلابة من كبار التابعين، لا يقول مثله إلا عن بلاغ) (١) .
وإنما ورد في صيام الأشهر الحرم كلها حديث مجيبة الباهلية عن أبيها أو عمها أن النبي ﷺ قال له: «صم من الحرم واترك» (٢)، قالها ثلاثًا: خرجه أبو داود وغيره، وخرجه ابن ماجه وعنده «صم أشهر الحرم» .
وقد كان بعض السلف يصوم الأشهر الحرم كلها منهم: ابن عمر والحسن البصري، وأبو إسحاق السبيعي.
_________________
(١) - يمكن الجواب عن هذا بأنه قد اتفق العلماء مثل أبي إسماعيل الهروي، وشيخ الإسلام ابن تيمية، وابن حجر العسقلاني - كما سبق وذكرت - على أنه لم يصح حديث في صوم رجب على وجه الخصوص، وأن ما ورد في ذلك فإما ضعيف وهذا قليل، وإما موضوع وهو الأكثر، والله أعلم.
(٢) -- رواه الإمام أحمد في مسنده (٥/٢٨) . ورواه أبو داود في سننه (٢/٨٠٩-٨١٠) كتاب الصوم. حديث رقم (٢٤٢٨)، ورواه ابن ماجه في سننه (١/٥٥٤) كتاب الصيام. حديث رقم (١٧٤١) . ورواه البهقي في سننه (٤/٢٩١، ٢٩٢) كتاب الصيام، وقال المنذري-: بعد أن ذكر الاختلاف في مجيبة الباهلية أو أبي مجيبة الباهلية، أو مجيبة الباهلي -: وأشار بعض شيوخنا إلى تضعيفه لذلك، وهو متوجه. يراجع: مختصر سنن أبي داود (٣/٣٠٦)، حديث رقم (٢٣١٨) .
[ ٢٢٨ ]
وقال الثوري: الأشهر الحرم أحب إلى أن أصوم فيها. وجاء في حديث خرجه ابن ماجه أن أسامة بن زيد كان يصوم الأشهر الحرم، فقال له رسول الله ﷺ -: «صم شوالًا»، فترك أشهر الحرم وصام شوالًا حتى مات (١) . وفي إسناده انقطاع. وخرج ابن ماجه أيضًا بإسناد فيه ضعف عن ابن عباس - ﵄ - أن النبي ﷺ نهى عن صيام رجب. والصحيح وقفه على ابن عباس. ورواه عطاء عن النبي ﷺ - مرسلًا.
وروى عبد الرازق في كتابه عن داود بن قيس عن زيد بن أسلم ذكر
_________________
(١) - رواه ابن ماجه في سننه (١/٥٥٥) كتاب الصيام. حديث رقم (١٧٤٤) . وقال البوصيري في زوائد ابن ماجه: (هذا إسناد رجاله ثقات وفيه مقال الحديث الذي في سنن ابن ماجه من رواية التيمي عن أسامة لم يسنده إليه فليس بمتصل. ا. هـ. يراجع: مصباح الزجاجة في زوائد ابن ماجه (٢/٧٨) .
[ ٢٢٩ ]
لرسول الله ﷺ قوم يصومون رجبًا فقال: «أين هم من شعبان» (١) . ا. هـ (٢) .
وقال ابن رجب أيضًا: وعن ابن عمر وابن عباس أنهما كانا يريان أن يفطر منه أيامًا.
وكرهه أنس أيضًا، وسعيد بن جبير.
وكره صيام رجب كله: يحيى بن سعيد الأنصاري، والإمام أحمد - ﵀ - وقال: يفطر منه يومًا أو يومين، وحكاه عن ابن عمر وابن عباس.
وقال الشافعي - ﵀ - في القديم: «أكره أن يتخذ الرجل شهر صوم شهر يكمله كما يكمل رمضان»، واحتج بحديث عائشة - ﵂ -: «ما
_________________
(١) - رواه عبد الرازق في مصنفه (٤/٢٩٢) . حديث رقم (٧٨٥٨) . ورواه ابن أبي شيبة في مصنفه (٣/١٠٢) .
(٢) - يراجع: لطائف المعارف ص (١٢٣-١٢٤) .
[ ٢٣٠ ]
رأيت رسول الله ﷺ استكمل شهرًا قط إلا رمضان» (١) . وقال: كذلك يومًا من الأيام وقال إنما كرهته أن لا يتأسى رجل جاهل، فيظن أن ذلك واجب، وإن فعل فحسن وتزول كراهة إفراد رجب بالصوم، بأن يصوم معه شهرًا آخر تطوعًا عند بعض أصحابنا (٢) (الحنابلة) مثل أن يصوم الأشهر الحرم، أو يصوم رجب وشعبان، وقد تقدم عن ابن عمر - ﵄ - وغيره صيام الأشهر الحرم.
والمنصوص عن أحمد -﵀ -: (أنه لا يصومه بتمامه إلا من صام الدهر) (٣) .
وروي عن ابن عمر﵄- ما يدل عليه: فإنه بلغه أن قومًا أنكروا عليه أنه حرم صوم رجب فقال: كيف بمن يصوم الدهر؟ (٤) .
وهذا يدل على أنه لا يصام رجب إلا مع صوم الدهر.
وروي يوسف بن عطية عن هشام بن حسان
_________________
(١) - رواه البخاري في صحيحه المطبوع مع فتح الباري (٤/٢١٣) كتاب الصوم، حديث رقم (١٩٦٩) . ورواه مسلم في صحيحه (٢/٨١٠) كتاب الصيام، حديث رقم (١١٥٦- «١٧٥») .
(٢) - يراجع: الإنصاف للمردواي (٣/٣٤٧) .
(٣) - يراجع: المغني (٣/١٦٧) .
(٤) - رواه الإمام أحمد في مسنده (١/٢٦) . ورواه مسلم في صحيحه (٣/١٦٤١) كتاب اللباس والزينة. حديث رقم (٢٠٦٩) .
[ ٢٣١ ]
عن ابن سيرين عن عائشة أن النبي ﷺ لم يصم بعد رمضان إلا رجبًا وشعبان (١) . ويوسف ضعيف جدًا (٢) . ا. هـ.
وقال ابن قيم الجوزية في هديه ﷺ في صيام التطوع: لم يصم الثلاثة الأشهر سردًا -رجب وشعبان ورمضان -كما يفعله بعض الناس، ولا صام رجبًا قط، ولا استحب صيامه، بل روي عنه النهي عن صيامه ذكره ابن ماجه. ا. هـ (٣) .
وقال أبو شامة: وذكر الشيخ أبو الخطاب في كتاب أداء ما وجب من وضع
_________________
(١) - ذكره ابن حجر في تبيين العجب ص (١٢) . وقال وهو حديث منكر من أجل يوسف بن عطية فإنه ضعيف جدًا.
(٢) - يراجع: لطائف المعارف ص (١٢٤و١٢٥) .
(٣) - يراجع: زاد المعاد (٢ /٦٤) .
[ ٢٣٢ ]
الوضاعين في رجب عن المؤتمن بن أحمد الساجي الحافظ قال: «كان الإمام عبد الله الأنصاري شيخ خراسان (١) لا يصوم رجب وينهى عن ذلك ويقول: ما صح في فضل رجب ولا صيامه عن رسول الله ﷺ شيء وقد رويت كراهة صومه عن جماعة من الصحابة، منهم أبو بكر وعمر﵄ -، وكان يضرب بالدرة صوامه» .
وروي ذلك الفاكهي في كتاب مكة له، وأسند الإمام المجمع على عدالته، المتفق على إخراج حديثه وروايته، أبو عثمان سعيد بن منصور الخراساني قال:
_________________
(١) - خراسان: بلاد واسعة، أول حدودها مما يلي العراق، وآخر حدودها مما يلي الهند طخارستان وغزنه وسجستان وكرمان وليس ذلك منها إنما هو أطراف حدودها، ومن أمهات البلاد فيها: نيسابور، وهراة، ومرو، وبلخ طالقان، ونسا وسرخس، وأبيورد، وما يتخلل ذلك من المدن التي دون نهر جيحون، وقد فتحت أكثر هذه البلاد عنوة وصلحًا وذلك سنة ٣١هـ في خلافة عثمان بن عفان ﵁ -. يراجع: معجم البلدان (٢/٣٥٠-٣٥٤) .
[ ٢٣٣ ]
حدثنا سفيان عن مسعر عن وبرة عن خرشة بن الحر أن عمر ابن الخطاب﵁كان يضرب أيدي الرجال في رجب، إذا رفعوها عن طعامه حتى يضعوها فيه، ويقول: إنما هو شهر كان أهل الجاهلية يعظمونه (١) . قال وهذا سند مجمع على عدالة رواته.
فالصيام جنة، وفعل خير، وعمل بر، لا لفضل صوم هذا الشهر قال: فإن قيل: أليس هذا هو استعمال خير؟ . قيل الخير ينبغي أن يكون مشروعًا من النبي ﷺ، فإذا علمنا أنه كذب خرج أنه من المشروعية، وإنما كانت تعظيمه مضر في الجاهلية، كما قال أمير المؤمنين عمر - ﵁-، وضرب أيدي الذين كانوا يصومونه وكان ابن عباس حبر القرآن يكره صيامه.
_________________
(١) - يراجع: المصنف (٣/١٠٢) . قال الألباني بعد ذكره سنده: وهذا سند صحيح. يُراجع: إرواء الغليل (٤/١١٣)، وحديث رقم (٩٥٧) .
[ ٢٣٤ ]
وقال فقيه القيروان، وعالم أهل زمانه بالفروع: أبو محمد بن زيد: وكره ابن عباس صيام رجب كله، خيفة أن يرى الجاهل أنه مفترض (١) . ا. هـ.
وقال الطرطوشي: يكره صيام رجب على أحد ثلاثة أوجه:
أحدها: إذا خصه المسلمون بالصوم في كل عام، حسب العوام ومن لا معرفة له بالشريعة مع ظهور صيامه أنه فرض كرمضان.
الثاني: أو أنه سنة ثابتة خصه رسول الله ﷺ كالسنن الراتبة.
الثالث: أو أن الصوم فيه مخصوص بفضل ثواب على سائر الشهور، جار مجري صوم عاشوراء، وفضل آخر الليل على أوله في الصلاة، فيكون من باب الفضائل لا من باب السنن والفرائض، ولو كان من باب الفضائل لسنه ﷺ، أو فعله ولو مرة في العمر كما فعل في صوم عاشوراء، وفي الثلث الغابر من الليل.
ولما لم يفعل بطل كونه مخصوصًا بالفضيلة، ولا هو فرض ولا سنة باتفاق، فلم
_________________
(١) - يراجع: الباعث ص (٤٨، ٤٩) .
[ ٢٣٥ ]
يبق لتخصيصه بالصيام وجه، فكره صيامه والدوام عليه، وحذرًا من أن يلحق بالفرائض والسنن الراتبة عند العوام.
فإن أحب امرؤ أن يصومه على وجه تؤمن فيه الذريعة، وانتشار الأمر-حتى لا يعد فرضًا أو سنة-فلا بأس بذلك (١) . ا. هـ.
فمما تقدم من كلام هؤلاء العلماء من السلف الصالح يتبين لنا أن شهر رجب لا يخصص ولم يخصص بصيام دون غيره من الأشهر، وكذلك تخصيصه بالصيام تعظيم له، وتعظيم شهر رجب فيه تشبه بأهل الجاهلية، ومن تشبه بقوم فهو منهم.
وتخصيصه بالصيام بدعة لأنه لم يأمر به ﷺ ولم يفعله، ولا خلفاؤه الراشدون، ولا التابعون، ولا السلف الصالح، وكل ما ورد في صيامه من النصوص فقد اتفق جمهور على أنها موضوعة إلا القليل منها ضعيف جدًا لا يصلح الاحتجاج به.
وقد صح عن ابن عباس أنه كان ينهى عن صيام رجب كله لئلا يتخذ عيدًا (٢) . وصح عنه أيضًا قال: ما رأيت رسول الله ﷺ يتحرى صيام يوم فضله على غيره إلا هذا اليوم يوم عاشوراء، وهذا الشهر يعني شهر رمضان. فإذا ليس لتخصيص شهر رجب بالصوم أصل - والله أعلم -.
وأما تخصيصه بالعمرة فيه فقد روى ابن عمر - ﵄ - أن النبي ﷺ اعتمر في رجب، فأنكرت ذلك عائشة - ﵂ - وهو يسمع فسكت (٣) .
واستحب الاعتمار في رجب عمر بن الخطاب وغيره، وكانت عائشة تفعله
_________________
(١) - يراجع: الحوادث والبدع ص (١٣٠، ١٣١) .
(٢) - رواه عبد الرزاق في مصنفه (٤/٢٩٢) . رقم (٧٨٥٤) . وقال ابن حجر: وهذا إسناد صحيح. يراجع تبيين العجب: ص (٣٥) .
(٣) - رواه صحيح البخاري (٢/١٩٩) كتاب العمرة، باب (٣) . صحيح مسلم (٢/٩١٦، ٩١٧) كتاب الحج حديث رقم (١٢٥٥) . (٢١٩، ٢٢٠) .
[ ٢٣٦ ]
وابن عمر أيضًا.
ونقل ابن سيرين عن السلف أنهم كانوا يفعلونه، فإن أفضل الأنساك أن يؤتى بالحج في سفرة، والعمرة في سفرة أخرى في غيره أشهر الحج، وذلك من إتمام الحج والعمرة المأمور به.
وهذا (١) رأي جمهور الصحابة كعمر وعثمان وعلى وغيرهم (٢) . ا. هـ.
فكلام ابن رجب﵀ - يدل على أن العمرة في رجب مستحبة واستدل على ذلك باستحباب عمر بن الخطاب﵁العمرة في رجب. وفعل عائشة﵂- لها، وابن عمر أيضًا، وهذا هو القول الأول.
وروى البيهقي في سننه عن سعيد بن المسيب أن عائشة - ﵂ - كانت تعتمر في آخر ذي الحجة من الجحفة (٣)، وتعتمر في رجب من المدينة، وتهل من ذي الحليفة (٤) . (٥)
القول الثاني: أن تخصيص شهر رجب بالعمرة لا أصل له، قال ابن العطار:
_________________
(١) - أن الإتيان بالحج في سفرة والعمرة في سفرة أخرى - والله أعلم - وليس المراد استحباب العمرة في رجب.
(٢) - يراجع: لطائف المعارف ص (١٢٥-١٢٦) .
(٣) - كانت قرية كبيرة ذات منبر، على طريق المدينة من مكة على أربع مراحل، وهي ميقات أهل مصر والشام إن لم يمروا على المدينة، وكان اسمها مهيعة وإنما سميت الجحفة لأن السيل اجتحفها، وحمل أهلها في بعض الأعوام فصارت خرابًا. يراجع: معجم البلدان (٢/١١١) .
(٤) - قرية بينها وبين المدينة ستة أميال أو سبعة، ومنها ميقات أهل المدينة، وهي من مياه جشم بينهم وبين بني خفاجة من عقيل. يراجع: معجم البلدان (٢/٢٩٥، ٢٩٦) .
(٥) - رواه البيهقي في سننه (٤/٣٤٤) كتاب الحج. بإسناد حسن، لأن فيه يحيى بن أيوب الغافقي قال فيه ابن حجر: صدوق ربما أخطأ. يراجع: تقريب التهذيب (٢/٣٤٣) .
[ ٢٣٧ ]
ومما بلغني عن أهل مكة زادها الله شرفًا اعتياد كثيرة في رجب، وهذا مما لا أعلم له أصلًا، بل ثبت في حديث أن النبي ﷺ قال: «عمرة في رمضان تعدل حجة» (١) . ا. هـ (٢) .
وذكر الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ أن العلماء أنكروا تخصيص شهر رجب بكثرة الاعتمار (٣) .
والذي يترجح عندي- والله أعلم- أن تخصيص شهر رجب بالعمرة ليس له أصل، لأنه ليس هناك دليل شرعي على تخصيصه بالعمرة فيه، مع ثبوت أن النبي ﷺ لم يعتمر في رجب قط كما تقدم.
ولو كان لتخصيصه بالعمرة فضل لدل أمته عليه- وهو الحريص عليهم-كما دلهم على فضل العمرة في رمضان ونحو ذلك.
وأما ما ورد أن عمر بن الخطاب استحب العمرة في رجب فلم أقف على سنده.
وأما ما نقله ابن سيرين عن السلف، أنهم كانوا يفعلونه فليس في ذلك دليل على تخصيصه بالعمرة، لأنه ليس قصدهم-والله أعلم - تخصيص شهر رجب
_________________
(١) - رواه البخاري في صحيحه المطبوع مع فتح الباري (٣/٦٠٣) كتاب العمرة، حديث رقم (١٧٨٢) . ورواه مسلم في صحيحه (٢/٩١٧، ٩١٨) كتاب الحج، حديث رقم (١٢٥٦) .
(٢) -يراجع: مساجلة العز بن عبد السلام وابن الصلاح حول صلاة الرغائب ص (٥٦) . وقد نقلها المحقق من نسخة مخطوطة لرسالة: حكم صوم رجب وشعبان للعطار.
(٣) - يراجع: مجموع فتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ (٦/١٣١) .
[ ٢٣٨ ]
بالعمرة، وإنما القصد - والله أعلم - هو الإتيان بالحج في سفرة والعمرة في سفرة أخرى، رغبة في إتمام الحج والعمرة المأمور به، كما وضح ذلك ابن رجب في معرض كلامه عما نقله ابن سيرين عن السلف.
وإما ما رواه البيهقي عن عائشة - ﵂ - من أنها كانت تعتمر في ذي الحجة وفي رجب، فيمكن الجواب عنه: بأنه موقوف على عائشة، وكذلك يحتمل أن فعلها هذا جمع بين السنة في الاعتمار في أشهر الحج كما فعل النبي ﷺ وبين فضل الإتيان بالحج في سفرة والعمرة في سفرة أخرى. ولو كان لتخصيص شهر رجب بالعمرة فضل أو مزية لذكرته - عائشة - ﵂ - عندما أنكرت على ابن عمر قوله: أن النبي ﷺ - اعتمر في رجب - والفضل كله في الاقتداء بالنبي ﷺ والنبي ﷺ لم يعتمر في رجب قط. والله أعلم.
قال أبو شامة: «ولا ينبغي تخصيص العبادات بأوقات لم يخصصها بها الشرع، بل يكون جميع أفعال البر مرسلة في جميع الأزمان ليس لبعضها على بعض فضل، إلا ما فضله الشرع وخصه بنوع من العبادة، فإن كان ذلك، اختص بتلك الفضيلة تلك العبادة دون غيرها، كصوم يوم عرفة وعاشوراء، والصلاة في جوف الليل، والعمرة في رمضان، ومن الأزمان ما جعله الشرع مفضلًا فيه جميع أعمال البر كعشر ذي الحجة، وليلة القدر التي هي خير من ألف شهر، أي العمل فيها أفضل من العمل في ألف شهر، ليس فيها ليلة القدر، فمثل ذلك يكون أي عمل من أعمال البر حصل فيها، كان له الفضل على نظيره في زمن آخر» .
فالحاصل: أن المكلف ليس له منصب التخصيص، بل ذلك إلى الشارع ا. هـ (١) . - والله أعلم -.
_________________
(١) - يراجع: الباعث ص (٤٨) .
[ ٢٣٩ ]
المبحث الرابع