أن عمر بن الخطاب - ﵁-، ثم عامة الأئمة بعده، وسائر الفقهاء، جعلوا في الشروط المشروطة على أهل الذمَّة من النصارى وغيرهم، فيما شرطوه على أنفسهم:
أن نوقر المسلمين، ونقوم لهم من مجالسنا إذا أرادوا الجلوس ولا نتشبه بهم في شيء من لباسهم: قلنسوة (٣) أو عمامة أو نعلين، أو فرق شعر، ولا نتكلم بكلامهم، ولا نكتني بكناهم، ولا نركب السروج، ولا نتقلد السيوف، ولا نتخذ شيئًا من السلاح، ولا نحمله، ولا ننقش خواتيمنا بالعربية، ولا نبيع الخمور، وأن نجز مقادم رؤوسنا، وأن نلزم زيِّنا حيثما كنَّا، وأن نشد الزنانير (٤) على أوساطنا، وأن لا نظهر الصليب على كنائسنا، ولا نظهر صليبًا ولا كتبًا في شيء من طرق المسلمين، ولا أسواقهم، ولا نضرب بنواقيسنا في كنائسنا إلا ضربًا خفيًا، ولا نرفع أصواتنا مع موتانا، ولا نظهر النيران معهم في شيء من طرق المسلمين (٥)
_________________
(١) - يُراجع: اقتضاء الصراط المستقيم (١/٢٣٨) .
(٢) - يُراجع: اقتضاء الصراط المستقيم (١/٢٣٧) .
(٣) - القلنسوة: من ملابس الرؤوس معروف. يُراجع: لسان العرب (٦/١٨١) مادة (قلس) .
(٤) - الزنانير: جمع زنارة وزنارة: ما يلبسه المجوسي والنصراني على وسطه يشده به. يُراجع: لسان العرب (٤/٣٣٠) مادة (زنر) .
(٥) - رواه البيهقي في سننه (٩/٢٠٢) كتاب الجزية، باب الإمام يكتب كتاب الصالح على الجزية. ويراجع: أحكام أهل الذمة لابن القيم (٢/٦٥٧-٦٦٣) . ويُراجع: اقتضاء الصراط المستقيم (١/٣٢٠- ٣٢١) . وقال شيخ الإسلام - ﵀ -: (رواه حرب - الكرماني - بإسناد جيد) .
[ ٤١٤ ]
فهذه الشروط أشهر شيء في كتب الفقه والعلم، وهي مُجْمَعٌ عليها في الجملة بين العلماء من الأئمة المتبوعين، وأصحابهم وسائر الأئمة.
والقصد من هذه الشروط: ليتميز المسلم عن الكافر، ولا يتشبه أحدهما بالآخر في الظاهر، ولم يرض عمر -﵁- والمسلمون بأصل التمييز، ل بالتميز في عامة الهدي، وذلك يقتضي إجماع المسلمين على التمييز عن الكفار ظاهرًا، وترك التشبه بهم. والمقصود من هذا التييز ليُعرفوا (١) .
ما رواه قيس بن أبي حازم قال: دخل أبو بكر الصديق -﵁- على امرأة من أحمس (٢)، يقال لها: زينب، فرآها لا تكلم، فقال: ما لها لا تكلم؟ . قالوا: حجَّت مصمته. فقال لها: تكلمي، فإن هذا لا يحل، هذا من عمل الجاهلية، فتكلمت، فقالت: من أنت؟ . قال: امرؤ من المهاجرين، قالت: أي المهاجرين؟ . قال: من قريش. قالت: من أي قريش أنت؟ قال: إنك لسؤول، أنا أبو بكر. قالت: ما بقاؤنا على هذا الأمر الصالح الذي جاء الله به بعد الجاهلية؟ . قال: بقاؤكم عليه ما استقامت بكم أئمتكم. قالت: وما الأئمة؟ قال: أما كان لقومك رؤوس وأشراف يأمرونهم فيطيعونهم؟ قالت: بلى. قال: فهم أولئك الناس (٣) .
_________________
(١) - ويُراجع: اقتضاء الصراط المستقيم (١/٣٢١- ٣٢٢) .
(٢) - أحمس: بطن من أنمار بن أراش من القحطانية، وينسبون إلى أمهم بجيلة. يراجع: معجم ما استعجم (١/٥٧- ٦٣) . ومعجم قبائل العرب (١/١٠و٦٣- ٦٥)
(٣) - رواه البخاري في صحيحه المطبوع مع فتح الباري (٧/١٤٧، ١٤٨) كتاب مناقب الأنصار، حديث رقم (٣٨٣٤) .
[ ٤١٥ ]