قوله ﷺ: «إنَّ اليهود والنصارى لا يصبغون فخالفوهم» (٦)
وجه الدلالة من الحديث:
أن الرسول ﷺ أمر بمخالفتهم، وذلك يقتضي أن يكون جنس مخالفتهم أمرًا مقصودًا للشارع؛ لأنَّه إن كان الأمر بجنس المخالفة حصل المقصود، وإن كان الأمر بالمخالفة في تغيير الشعر فقط، فهو لأجل ما فيه من المخالفة.
فالمخالفة إما علّة مفردة - أي أن المخالفة هي وحدها تكون علَّة للنهي- أو علة
_________________
(١) - يُراجع: اقتضاء الصراط المستقيم (١/٨٩) .
(٢) - المثلاث: المثلة - بفتح الميم، وضم الثاء -: العقوبة، والجمع: المثلاث. يُراجع: لسان العرب (١١/٦١٥)، مادة (مثل) .
(٣) -سورة الحشر: الآية٢.
(٤) -سورة يوسف: الآية١١١.
(٥) - يُراجع: اقتضاء الصراط المستقيم (١/٨٩) .
(٦) -رواه البخاري في صحيحه المطبوع مع الفتح الباري (٦/٤٩٦)، كتاب أحاديث الأنبياء، حديث رقم (٣٤٦٢) . ورواه مسلم في صحيحه (٣/١٦٦٣) كتاب اللباس والزينة، حديث رقم (٢١٠٣) .
[ ٤١١ ]
أخرى، أو بعض علة، وعلى هذه التقديرات تكون مأمورًا بها مطلوبة من الشارع (١) .
قوله ﷺ: «خالفوا المشركين أحفوا الشوارب وأوفوا اللحى» (٢)
وجه الدلالة من الحديث:
أن الرسول ﷺ أمر بمخالفة المشركين مطلقًا، ثم قال «أحفوا الشوارب وأوفوا اللحى» . وهذه الجملة بدلًا من الأولى، فإن الإبدال يقع في الجمل، كما يقع في المفردات، كقوله تعالى: ﴿َسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ﴾ (٣) . فهذا الذبح والاستحياء هو سوم العذاب، فكذلك هنا: هذا هو المخالفة للمشركين المأمور بها هنا، لكن الأمر بها أولًا بلفظ مخالفة المشركين دليل على أن جنس المخالفة أمر مقصود للشارع وإن عنيت هنا في هذا الفعل فإن تقديم المخالفة علة تقديم العام على الخاص، وفي رواية لمسلم: «جزوا الشوارب، وأرخوا اللحى، وخالفوا المجوس» (٤) . (٥) .
قوله ﷺ: «خالفوا اليهود فإنهم لا يصلون في نعالهم ولا خفافهم» (٦)
وجه الدلالة من الحديث:
(كالحديث السابق) .
قوله ﷺ: «فصل ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب أكلة السحر» (٧) .
_________________
(١) - يُراجع: اقتضاء الصراط المستقيم (١/١٦٠، ١٧٦) .
(٢) - رواه البخاري في صحيحه المطبوع مع الفتح الباري (١٠/٣٥١) كتاب اللباس، حديث رقم (٥٨٩٣) . بلفظ «انهكوا الشوارب واعفوا اللحى» . ورواه مسلم في صحيحه (١/٢٢٢) كتاب الطهارة، حديث رقم (٢٥٩) (٥٤) واللفظ له.
(٣) - سورة البقرة، الآية:٤٩.
(٤) - ورواه مسلم في صحيحه (١/٢٢٢) كتاب الطهارة، حديث رقم (٢٦٠) .
(٥) - يُراجع: اقتضاء الصراط المستقيم (١/١٧٦، ١٨١) .
(٦) - رواه أبو داود في سنن (١/٤٢٧) كتاب الصلاة، حديث رقم (٦٥٢) . ورواه الحاكم في المستدرك (١/٢٦٠) كتاب الصلاة، وقال: حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وقال الذهبي في تلخيصه: صحيح. وذكره السيوطي في الجامع الصغير (١/٥٩٨) رقم (٣٨٧٩) وصححه.
(٧) - رواه أحمد في مسنده (٤/١٩٧) . ورواه مسلم في صحيحه (٢/٧٧٠) كتاب الصيام، حديث رقم (١٠٩٦) . ورواه الدارمي في سننه (٢/٦) كتاب الصوم، باب في فصل السحور. ورواه النسائي في سننه (٤/١٤٦) كتاب الصيام، باب رقم (٢٧) .
[ ٤١٢ ]
وجه الدلالة من الحديث:
أن الفصل بين عبادة المسلمين وعبادة أهل الكتاب: أمر مقصود للشارع، وقد صرح بذلك فيما رواه أبو داود عن أبي هريرة -رضي الله عن- أنَّ النبي ﷺ: «لا يزال الدين ظاهرًا ما عجل الناس الفطر؛ لأن اليهود والنصارى يؤخرون» (١) .
وهذا نص في ظهور الدين الحاصل بتعجيل الفطر لأجل مخالفة اليهود والنصارى.
وإذا كانت مخالفتهم سببًا لظهور الدين، فإنَّما المقصود بإرسال الرسل أن يظهر دين الله على الدين كله، فيكون نفس مخالفتهم من أكبر مقاصد البعثة (٢) .
قوله ﷺ: «من تشبه بقوم فهو منهم» (٣) .
وجه الدلالة من الحديث:
أنه قد يحمل هذا على التشبه المطلق، فإنه يوجب الكفر، ويقتضي تحريم أبعاض ذلك، وقد يحمل على أنه منهم في القدر المشترك الذي شابههم فيه، فإن كان كفرًا، أو
_________________
(١) - رواه أحمد في مسنده (٢/٤٥٠) . ورواه أبو داود في سننه (٢/٧٦٣) كتاب الصوم، حديث رقم (٢٣٥٣) . ورواه ابن ماجه في سننه (١/٥٤٢) كتاب الصيام، حديث رقم (١٦٩٨) . ورواه ابن حبان في صحيحه، يُراجع: موارد الظمآن ص (٢٢٤) كتاب الصيام، حديث رقم (٨٨٩) . ورواه الحاكم في المستدرك (١/٤٣١) كتاب الصوم، وقال: حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي في تلخيصه.
(٢) - يُراجع: اقتضاء الصراط المستقيم (١/١٨١، ١٨٧) .
(٣) - رواه أحمد في مسنده (٢/٥٠) . ورواه أبو داود في سننه (٤/٣١٤) كتاب اللباس، حديث رقم (٤٠٣١) . قال المنذري في تهذيب سنن أبي داود (٦/٢٥): (في إسناده عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان وهو ضعيف) . وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في اقتضاء الصراط المستقيم (١/٢٣٦): (وهذا إسناد جيد) . وذكره السيوطي في الجامع الصغير (٢/ ٥٩٠) رقم (٨٥٩٣) . وأشار إلى أنه حسن. من رواية أبي داود، والطبراني في الأوسط. وقال الحافظ العراقي: سنده صحيح، وصححه ابن حبان، وله شاهد عند البزار. وعند أبي نعيم في تاريخ أصبهان. يُراجع: كشف الخفاء (٢/٣١٤)، حديث رقم (٢٤٣٦) . وقال الألباني - ﵀ -: صحيح. يُراجع: إرواء الغليل (٨/٤٩)، وحديث رقم (٢٣٨٤) .
[ ٤١٣ ]
معصية، أو شعارًا لها، كان حكمه كذلك. وبكل حال يقتضي تحريم التشبه، بعلة كونه تشبهًا، والتشبه يعم من فعل الشيء لأجل أنهم فعلوه، وهو نادر ومن تبع غيره في فعل لغرض له في ذلك، إذا كان أصل الفعل مأخوذًا عن ذلك الغير، فأما من فعل الشيء واتفق أن الغير قد فعله أيضًا، ولم يأخذ أحدهما عن صاحبه، ففي كون هذا تشبه نظر، لكن قد ينهى عن هذا لئلا يكون ذريعة إلى التشبه، ولما فيه من المخالفة (١) .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ -: (وهذا الحديث أقل أحوال أن يقتضي تحريم التشبه بهم، وإن كان ظاهره يقتضي كفر المتشبه بهم) ا. هـ (٢) .