ما رواه أنس بن مالك - ﵁ - قال: قدم رسول الله ﷺ المدينة ولهم يومان يلعبون فيهما، فقال: «ما هذان اليومان؟» قالوا: كنا نلعب فيهما في الجاهلية،
_________________
(١) - رواه البخاري في صحيحه المطبوع مع فتح الباري (٢/٤٥٣) كتاب العيدين، حديث رقم (٩٦٢) . ورواه مسلم (٢/٦٠٢) كتاب صلاة العيدين، حديث رقم (٨٨٤) .
(٢) - رواه البخاري في صحيحه المطبوع مع فتح الباري (٩/٣١٧) كتاب النكاح، حديث رقم (٥٢١٩) . ورواه مسلم في صحيحه (٣/١٦٨١) كتاب اللباس والزينة، حديث رقم (٢١٢٩) .
(٣) - ويُراجع: اقتضاء الصراط المستقيم (١/٤٢٨- ٤٣٠) .
[ ٤١٨ ]
فقال ﷺ: «إن الله قد أبدلكم بهما خيرًا منهما: يوم الأضحى، ويوم الفطر» (١) .
وجه الدلالة من الحديث:
أن العيدين الجاهلين لم يقرهما رسول الله ﷺ، ولا تركهم يلعبون فيهما على العادة، بل قال: «إن الله قد أبدلكم بهما يومين آخرين»، والإبدال من الشيء يقتضي ترك المبدل منه؛ إذ لا يجمع بين البدل والمبدل منه، ولهذا لا تستعمل هذه العبارة إلا فيما ترك اجتماعهما، كقوله ﷾: ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا﴾ (٢) . وقوله تعالى: ﴿وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ﴾ (٣) . وقوله تعالى: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾ (٤) . وقوله تعالى: ﴿وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ﴾ (٥) .
ومنه الحديث في المقبور: «فيقال له: انظر إلى مقعدك من النار قد أبدلك الله به خيرًا منه مقعدًا في الجنة» (٦) .
فقوله ﷺ: «إن الله قد أبدلكم بهما خيرًا منهما» يقتضي ترك الجمع بينهما لاسيما وقوله «خيرًا منهما» يقتضي الاعتياض بما شرع لنا، عما كان في الجاهلية.
وأيضًا فقوله لهم: «إن الله قد أبدلكم» لما سألهم عن اليومين فأجابوا: بأنهما يومان كانوا يلعبون فيهما في الجاهلية، دليلٌ على أنه نهاهم عنهما اعتياضًا بيومي الإسلام؛ إذ لو لم يقصد النهي لم يكن ذكر هذا الإبدال مناسبًا؛ إذ أصل شرع اليومين الإسلاميين كانوا يعلمونه، ولم يكونوا ليتركوه لأجل يومي الجاهلية.
وفي قول أنس - ﵁ -: «ولهم يومان يلعبون فيهما»، وقول النبي ﷺ: «إن الله قد أبدلكم بهما خيرًا منها: يوم الأضحى ويوم الفطر» دليل على أن أنسًا -﵁- فهم من
_________________
(١) - رواه أحمد في مسنده (٣/١٠٣) . ورواه أبو داود في سننه (١/٦٧٥) كتاب الصلاة، حديث رقم (١١٣٤) . ورواه النسائي في سننه (٣/١٧٩، ١٨٠) كتاب العيدين. ورواه الحاكم في المستدرك (١/٢٩٤) كتاب العيدين، وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي في تلخيصه.
(٢) -سورة الكهف: الآية٥٠.
(٣) -سورة النساء: الآية٢.
(٤) -سورة البقرة: الآية٥٩.
(٥) -سورة سبأ، الآية: ١٦.
(٦) - رواه البخاري في صحيحه المطبوع مع فتح الباري (٣/ ٢٣٢) كتاب الجنائز، حديث رقم (١٣٧٤) . ورواه مسلم في صحيحه (٤/ ٢٢٠٠، ٢٢٠١) كتاب الجنة، وحديث رقم (٢٨٧٠) .
[ ٤١٩ ]
قول النبي ﷺ: «أبدلكم بهما» تعويضًا باليومين المبدلين.
وأيضًا فإن ذينك اليومين الجاهليين قد ماتا في الإسلام، فلم يبق لهما أثر على عهد رسول الله ﷺ، ولا عهد خلفائه، ولو لم يكن قد نهى الناس عن اللعب فيهما، ونحوه مما كانوا يفعلونه لكانوا بقوا على العادة؛ إذ العادات لا تتغير إلا بمغير يزيلها ولاسيما طباع النساء والصبيان، ونفوس كثير من الناس متشوقة إلى اليوم الذي يتخذونه عيدًا للبطالة واللعب، ولهذا قد يعجز كثير من الملوك والرؤساء عن نقل الناس من عاداتهم في أعيادهم، لقوة مقتضيها من نفوسهم، وتوفر همم الجماهير على اتخاذها، فلولا قوة المانع من رسول الله ﷺ لكانت باقية، ولو على وجه ضعيف، فعلم أن المانع القوي منه كان ثابتًا، وكل ما منع منه النبي ﷺ منعًا قويًا كان محرمًا؛ إذا لا يعنى بالمحرم إلا هذا.
وهذا أمر بيِّن لا شُبهة فيه، فإن مثل ذينك العيدين، لو عاد الناس إليهما بنوع مما كان يفعل فيهما - إن رخص فيه - كان مراغمة بينه وبين ما نهى عنه، فهو المطلوب.
والمحذور في أعياد أهل الكتابين التي نقرهم عليها، أشد من المحذور في أعياد الجاهلية التي لا نقرهم عليها، فإنَّ الأئمة قد حذَّروا مشابهة اليهود والنصارى، وأخبروا أن سيفعل قوم منهم هذا المحذور بخلاف دين الجاهلية، فإنه لا يعود إلا في آخر الدهر، عند اخترام (١) أنفس المؤمنين عمومًا، ولو لم يكن أشد منه، فإنه مثله على ما لا يخفى؛ إذا الشر الذي له فاعل موجود، يخاف على الناس منه أكثر من شر لا مقتضى له قوي (٢) .
ما رواه ثابت بن الضحاك قال: نذر رجل على عهد رسول الله ﷺ أن ينحر إبلًا ببوانة، فأتي النبي ﷺ فقال: إني نذرت أن أنحر إبلًا ببوانة، فقال النبي ﷺ:
_________________
(١) - اخترم فلان عنا: مات وذهب، واخترمته المنية: أخذته، واخترمهم الدهر: استأصلهم. يُراجع: لسان العرب (١٢/ ١٧٢) مادة (خرم) .
(٢) - ويُراجع: اقتضاء الصراط المستقيم (١/٤٣٢- ٤٣٥) .
[ ٤٢٠ ]
«هل كان فيه وثن (١) من أوثان الجاهلية يعبد؟» قالوا: لا، قال: هل كان فيها عيد من أعياده؟ قال: لا، قال رسول ﷺ: «أوف بنذرك، فإنه لا وفاء لنذر في معصية الله، ولا فيما لا يملك ابن آدم» (٢) .
وجه الدلالة من الحديث:
أن هذا الناذر كان قد نذر أن يذبح نعمًا: إما إبلًا وإما غنمًا - على رواية أخرى (٣) - بمكان سماه - بوانة- فسأله النبي ﷺ: «هل كان فيها وثن من أوثان الجاهلية يُعبد؟» قال: «فهل كان فيها عيد من أعيادهم؟» . قال: لا. قال: «أوفِ بنذرك»، ثم قال: «لا وفاء لنذر في معصية الله» . وهذا يدلُّ على أن الذبح بمكان عيدهم، ومحل أوثانهم معصية لله، من وجوهٍ:
أحدها: أن قوله: «فأوف بنذرك» (٤) تعقيب للوصف بالحكم بحرف الفاء، وذلك يدلُّ على أن الوصف هو سبب الحكم، فيكون سبب الأمر بالوفاء: وجود النذر خاليًا من هذين الوصفين، فيكون الوصفان ما نعين من الوفاء، ولو لم يكن معصية لجاز الوفاء به.
الثاني: أنه عقّب ذلك بقوله: «لا وفاء لنذر في معصية الله» . ولولا اندراج الصورة المسئول عنها في اللفظ العام، لم يكن في الكلام ارتباط، والمنذور في نفسه -وإن لم يكن معصية- لكن لما سأله النبي ﷺ عن الصورتين قال له:
«فأوف بنذرك» . يعني: حيث ليس هناك ما يوجب تحريم الذبح هناك فكان جوابه ﷺ فيه أمر بالوفاء عند الخلو من هذا، ونهي عن وجود هذا، وأصل الوفاء بالنذر معلوم، فبيَّن ما لا وفاء فيه. واللفظ العام إذا ورد على سبب، فلا بدَّ أن يكون السبب مندرجًا فيه.
الثالث: أنه لو كان الذبح في مواضع العيد جائز لسوغ النبي ﷺ للناذر الوفاء، كما سوغ لمن نذرت الضرب بالدف أن تضرب به (٥) . بل لأوجب الوفاء به، إذا كان الذبح بالمكان المنذور واجبًا، وإذا كان الذبح بمكان عيدهم منهيًا عنه، فكيف بالموافقة
_________________
(١) - الوثن: هو كل ما له جثة معلولة من جواهر الأرض، أو من الخشب والحجارة، كصورة الآدمي، تعمل وتنصب فتعبد، ومن العلماء من قال: الوثن هو الصنم، وقيل: الصنم: هو الصورة بلا جثة. يُراجع: النهاية في غريب الحديث والأثر (٥/١٥١)، باب الواو مع الثاء.
(٢) - رواه أبو داود في سننه (٣/٦٠٧) كتاب الأيمان والنذور، حديث رقم (٣٣١٣) . ورواه البيهقي في سننه (١٠/ ٨٣) كتاب النذور. ورواه الطبراني في المعجم الكبير (٢/٦٨)، حديث رقم (١٣٤١) . وقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب: وإسناده على شرطهما. يراجه: كتاب التوحيد بحاشية الشيخ ابن قاسم ص (١٠٤-١٠٦) ويراجع: النهج السديد حديث رقم (١٣٢) .
(٣) - رواها أبو داود في سننه (٣/٦٠٧، ٦٠٨) كتاب الأيمان والنذور، حديث رقم (٣٣١٤) .
(٤) - رواه أبو داود في سننه (٣/٦٠٧، ٦٠٨) كتاب الأيمان والنذور، حديث رقم (٣٣١٤)، بلفظ: «فأوف بما نذرت به لله» .
(٥) - رواه أبو داود في سننه (٣/٦٠٧، ٦٠٨) كتاب الأيمان والنذور، حديث رقم (٣٣١٢)، ورواه ابن حبان في صحيحه، يراجع موارد الظمآن ص (٢٨٩)، حديث رقم (١١٩٣) .
[ ٤٢١ ]
في نفس العيد، بفعل بعض الأعمال التي تعمل بسبب عيدهم؟
فإذا كان النبي ﷺ قد نهى أن يذبح في مكان، كان الكفار يعملون فيه عيدًا، وإن كان أولئك الكفار قد أسلموا وتركوا ذلك العيد، والسائل لا يتخذ المكان عيدًا، بل يذبح فيه فقط، فقد ظهر أن ذلك سدًا للذريعة إلى بقاء شيء من أعيادهم، خشية أن يكون الذبح هناك سببًا لإحياء أمر تلك البقعة، وذريعة إلى اتخاذها عيدًا، مع أن ذلك العيد إنما كان- والله أعلم - سوقًا يتبايعون فيها، ويلعبون كما قالت الأنصار: يومان كنا نلعب فيهما في الجاهلية. لم تكن أعياد الجاهلية عبادة لهم، ولهذا فرق ﷺ بين كونها مكان وثن، وكونها مكان عيد، وهذا نهي شديد عن أن يفعل شيء من أعياد الجاهلية على أي وجه كان.
وفعل أعياد الكتابيين وغيرهم التي تتخذ دينًا وعبادة أعظم تحريمًا من عيد يتخذ لهوًا ولعبًا؛ لأن التعبد بما يسخطه الله ويكرهه أعظم من اقتضاء الشهوات بما حرَّمه. ولهذا كان الشرك أعظم إثمًا من الزنا، ولهذا كان جهاد أهل الكتاب أفضل من جهاد الوثنيين.
وإذا كان الشارع قد حسم مادة أعياد أهل الأوثان، خشية أن يتدنس المسلم بشيء من أمر الكفار - الذين قد يئس الشيطان أن يقيم أمرهم في جزيرة العرب -، فالخشية من تدنسه بأوضار (١) الكتابيين الباقين أشد، والنهي عنه أوكد، كيف وقد تقدم الخبر الصادق بسلوك طائفة من هذه الأمة سبيلهم. ويضاف إلى ما تقدم أيضًا: أن هذا الحديث وغيره، قد دلَّ على أنه كان للناس في الجاهلية أعياد يجتمعون فيها، ومعلوم أنه بمبعث رسول الله ﷺ محى الله ذلك عنه فلم يبق شيء من ذلك، ومعلوم أنه لولا نهيه ومنعه لما ترك الناس تلك الأعياد؛ لأن المقتضى لها قائم من جهة الطبيعة التي تحب ما يُصنع في الأعياد، وخصوصًا أعياد الباطل، من اللعب واللذات، ومن جهة العادة التي ألفت ما يعود من العيد، فإن العادة طبيعة ثانية وإذا كان المقتضي قائمًا قويًا، فلولا المانع القوي لما درست تلك الأعياد.
وهذا يوجب العلم اليقيني، بأن إمام المتقين ﷺ كان يمنع أمته منعًا قويًا عن أعياد الكفار، ويسعى في دروسها وطمسها بكل سبيل، وليس في إقرار أهل الكتاب على
_________________
(١) - الأوضار: جمع وضر، وهو الدرن والدسم، أو وسخ الدسم، واللبن وغسالة السقاء، والقصعة ونحوهما. يراجع: لسان العرب (٥/٢٨٤) مادة (وضر) .
[ ٤٢٢ ]
دينهم، إبقاء لشيء من أعيادهم في حق أمته، كما أنه ليس في ذلك إبقاء في حق أمته، لما هم عليه في سائر أعمالهم، من سائر كفرهم ومعاصيهم، بل قد بالغ ﷺ في أمر أمته بمخالفتهم في كثير من المباحات، وصفات الطاعات؛ لئلا يكون ذلك ذريعة إلى موافقتهم في غير ذلك من أمورهم، ولتكون المخالفة في ذلك حاجزًا ومانعًا عن سائر أمورهم، فإنه كلما كثرت المخالفة بينك وبين أصحاب الجحيم، كان أبعد عن أعمال أهل الجحيم (١) .
ما روته عائشة - ﵂ - قالت: دخل أبو بكر -﵁- وعندي جاريتان من جواري الأنصار تغنيان بما تقاولت الأنصار يوم بُعاث (٢)، قال: وليستا بمغنيتين. فقال أبو بكر -﵁-: أمزامير الشيطان في بيت رسول الله ﷺ؟ وذلك في يوم عيد، فقال رسول الله ﷺ: «يا أبا بكر إن لكل قوم عيدًا، وهذا عيدنا» (٣)
وفي رواية: «يا أبا بكر! إن لكل قوم عيدًا وإن عيدنا هذا اليوم» (٤) . وفي رواية: «دعهما يا أبي بكر، فإنها أيام عيد» . وتلك الأيام أيام منى (٥) .
_________________
(١) - ويُراجع: اقتضاء الصراط المستقيم (١/٤٣٦- ٤٤٥) .
(٢) - بُعاث: موضع في نواحي المدينة، على ليلتين منها، كانت فيه وقعة عظيمة بين الأوس والخزرج في الجاهلية، قُتل فيها خلق من أشراف الأوس والخزرج وكبرائهم، ولم يبق من شيوخهم إلا القليل. روى البخاري في صحيحه عن عائشة - ﵂ - قالت: «كان يوم بعاث يومًا قدمه الله لرسول ﷺ فقدم رسول الله ﷺ وقد افترق ملأهم، وقتلت سرواتهم وجرحوا. فقدمه الله لرسول ﷺ في دخولهم في الإسلام» . رواه البخاري في صحيحه المطبوع مع الباري (٧/١١٠) كتاب مناقب الأنصار، حديث رقم (٣٧٧٧) . يُراجع: البداية والنهاية (٣/١٦٢) . ويُراجع: معجم البلدان (١/٤٥١) .
(٣) - رواه البخاري في صحيحه المطبوع مع فتح الباري (٢/٤٤٥) كتاب العيدين، حديث رقم (٩٥٢) . ورواه مسلم في صحيحه (٢/٦٠٧، ٦٠٨) كتاب صلاة العيدين رقم (٨٩٢)
(٤) - رواه البخاري في صحيحه المطبوع مع فتح الباري (٧/٢٦٤) كتاب مناقب الأنصار، حديث رقم (٣٩٣١)، بلفظ: «دعهما يا أبي بكر » الحديث
(٥) - رواه البخاري في صحيحه المطبوع مع فتح الباري (٢/٤٧٤) كتاب العيدين، حديث رقم (٩٨٧) . ورواه مسلم في صحيحه (٢/٦٠٨) كتاب صلاة العيدين رقم (٨٩٢) (١٧) .
[ ٤٢٣ ]
وجه الدلالة من الحديث:
أحدها: قوله: «إن لكل قوم عيدًا، وهذا عيدنا» . فإن هذا يوجب اختصاص كل قوم بعيدهم، كما أن الله ﷾ لما قال: ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا﴾ (١) . وقال تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ (٢)، أوجب ذلك اختصاص كل قوم بوجهتهم وبشرعتهم، وذلك أن اللام تورث الاختصاص، فإذا كان لليهود عيد، وللنصارى عيد، كانوا مختصين به فلا نشركهم فيه، كما لا نشركهم في قبلتهم وشرعتهم، وكذلك لا ندعهم يشركوننا في عيدنا.
الثاني: قوله: «وهذا عيدنا» فإنه يقتضي حصر عيدنا في هذا فليس لنا عيد سواه، وكذلك قوله: «وإن عيدنا هذا اليوم» فإن التعريف باللام والإضافة يقتضي الاستغراق، فيقتضي أن يكون جنس عيدنا منحصرًا في جنس ذلك، كما في قوله: «تحريمها التكبير وتحليلها التسليم» (٣) .
وليس غرض ﷺ الحصر في عين ذلك العيد، أو عين ذلك اليوم، بل الإشارة إلى جنس المشروع، كما تقول الفقهاء: باب صلاة العيد، ويندرج فيه صلاة العيدين، كما يُقال: لا يجوز صوم يوم العيد.
وكذا قوله: «وإن هذا اليوم»، أي: جنس هذا اليوم، كما يقول القائل لما يعاينه من الصلاة: هذه صلاة المسلمين، ويقول لمخرج الناس إلى الصحراء، وما يفعلونه من التكبير والصلاة ونحو ذلك: هذا عيد المسلمين ونحو ذلك.
ومن هذا الباب: قوله: «يوم عرفة، ويوم النحر، وأيام منى عيدنا أهل الإسلام، وهي أيام أكل وشرب» (٤) .
_________________
(١) - سورة البقرة: الآية١٤٨
(٢) -سورة المائدة: الآية٤٨
(٣) - رواه أحمد في مسنده (١/١٢٣) . رواه أبو داود في سنن (١/٤١١) كتاب الصلاة، حديث رقم (٦١٨) . ورواه الترمذي في سننه (١/٥) أبواب الطهارة، حديث رقم (٣) ورواه ابن ماجه في سننه (١/١٠١) كتاب الطهارة، حديث رقم (٢٧٥) ورواه الحاكم في المستدرك (١/١٣٢) كتاب الطهارة، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد على شرط مسلم ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي في تلخيصه.
(٤) - رواه أحمد في مسنده (٤/١٥٢) . ورواه مسلم في صحيحه (٢/٨٠٠) كتاب الصيام، حديث رقم (١١٤١) عن نبيشة الهذلي، وحديث رقم (١١٤٢) عن كعب بن مالك الأنصارى. ورواه أبو داود في سننه (٢/٨٠٤) كتاب الصوم، حديث رقم (٢٤١٩) . ورواه الترمذي في سننه (٢/١٣٥) أبواب الصوم، حديث رقم (٧٧٠)، وقال: حديث حسن صحيح. ورواه النسائي في سننه (٥/٢٥٢) كتاب مناسك الحج، باب النهي عن صوم يوم عرفة. ورواه ابن حبان في صحيحه. يُراجع: موارد الظمآن ص (٢٣٨) كتاب الصيام رقم (٩٥٨) . ورواه الحاكم في المستدرك (١/٤٣٤)، وقال: حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي في تلخيصه.
[ ٤٢٤ ]
فإنه دليل مفارقتنا لغيرنا في العيد، والتخصيص بهذه الأيام الخمسة؛ لأنَّه يجتمع فيها العيدان: المكاني والزماني، ويطول زمنه، وبهذا يسمى العيد الكبير، فلما كملت فيه صفات التعبيد: حصر الحكم فيه لكماله، أو لأنه عدّ أيامًا، وليس لنا عيد هو أيام، إلا هذه الخمسة.
الثالث: أنه رخص في لعب الجواري بالدف، وتغنيهن، معللًا بأن لكل قوم عيدًا، وأن هذا عيدنا، وذلك يقتضي أن الرخصة معللة بكونه عيد مسلمين، وأنها لا تتعدى إلى أعياد الكفار، وأنه لا يرخص في اللعب في أعياد الكفار، كما يرخص فيه في أعياد المسلمين؛ إذ لو ما فعل في عيدنا من ذلك اللعب يسوغ مثله في أعياد الكفار أيضًا لما قال: «فإن لكل قوم عيدًا، وإن هذا عيدنا»؛ لأن تعقيب الحكم بالوصف بحرف الفاء دليل على أنه علة، فيكون علة الرخصة: أن كل أمة مختصة بعيد، وهذا عيدنا، وهذه العلة مختصة بالمسلمين، فلا يجوز لنا أن نفعل في كل عيد للناس من اللعب ما نفعل في عيد المسلمين، وهذا فيه دلالة على النهي عن التشبه بهم في اللعب ونحوه (١) .
أن أرض العرب ما زال فيها يهود ونصارى، حتى أجلاهم عمر بن الخطاب -﵁- في خلافته، وكان اليهود بالمدينة (٢) كثيرًا في حياة رسول الله ﷺ، وكان قد هادنهم حتى نقضوا العهد، طائفة بعد طائفة، وما زال بالمدينة يهود، وإن لم يكونوا كثيرًا، فإنه مات ﷺ ودرعه مرهونة عند يهودي، وكان في اليمن يهود كثير، والنصارى بنجران (٣)
وغيرها، والفرس بالبحرين (٤) .
ومن المعلوم أن هؤلاء كانت لهم أعياد يتخذونها، ومن المعلوم أيضًا أن المقتضي لما يفعل في العيد: من الأكل والشرب، واللباس والزينة، واللعب والراحة ونحو ذلك، قائم في النفوس كلها، إذا لم يوجد مانع، خصوصًا في نفوس الصبيان والنساء، وأكثر الفارغين من الناس.
_________________
(١) - ويُراجع: اقتضاء الصراط المستقيم (١/٤٤٥- ٤٤٩) .
(٢) - المدينة: وكانت تسمى في الجاهلية: يثرب. وهي مدينة رسول الله ﷺ ومهاجره، ورد في فضلها وأنها بلد حرام، أحاديث كثيرة، عقد لها البخاري كتابًا في صحيحه وسماه كتاب: فضائل المدينة، وفيها مسجد الرسول ﷺ وقبره ومنبره اللذين ورد في أن ما بينهما روضة من رياض الجنة، وبها استقر خير أمة محمد عليه والسلام من الخلفاء الراشدين والصحابة وبها ماتوا ودُفنوا. وفي شمالها يقع جبل أحد الذي وقعت عنده الغزوة المشهورة غزوة أحد، وهي في حرة سبخة الأرض، وبها نخيل كثيرة ومياه ومزارع. وتقع شمال مكة على نحو عشر مراحل (حوالي ٤٥٠كم) . يراجع: معجم البلدان (٥/٨٢، ٨٨)، وصحيح البخاري (٢/٢٢٠- ٢٥٥) كتاب فضائل المدينة.
(٣) - نجران من مخاليف اليمن من ناحية مكة، وسمي بذلك نسبة إلى نجران بن يعرب بن قحطان؛ لأنه أول من عمرها، وبها واد عظيم، وكان بها على زمن النبي ﷺ كعبة وبها أساقفة وهم الذين دعاهم ﷺ للمباهلة. وبها خُد الأخدود ولا زالت آثاره باقية. وهي الآن تابعة للمملكة العربية السعودية، وبها إمارة خاصة بمنطقة نجران وتبعد عن الرياض حوالي تسعمائة كيلوا متر عن طريق وادي الدواسر، وتشتهر بالزراعة. يراجع: معجم البلدان (٥/٢٦٦ - ٢٧٠) .
(٤) - البحرين: اسم جامع لبلاد على ساحل البحر بين البصرة وعُمان. وفيها عيون ومياه وبلاد واسعة. يراجع: معجم البلدان (١/٣٤٦ - ٣٤٩) .
[ ٤٢٥ ]
ثم من كانت له خبرة بالسيرة، علم يقينًا أن المسلمين على عهده ﷺ ما كانوا يشركونهم في شيء من أمرهم، ولا يغيرون لهم عادة في أعياد الكافرين، بل ذلك اليوم عند رسول الله ﷺ وسائر المسلمين يوم من الأيام، لا يخصونه بشيء أصلًا، إلا ما قد اختلف فيه من مخالفتهم فيه كصومه ونحو ذلك.
فلولا أن المسلمين كان دينهم الذي تلقوه عن نبيهم ﷺ منع من ذلك وكف عنه، لوجب أن يوجد من بعضهم فعل بعض ذلك؛ لأن المقتضى إلى ذلك قائم، كما تدلُّ عليه الطبيعة والعادة، فلولا المانع الشرعي لوجد مقتضاه، ثم على هذا جرى عمل المسلمين على عهد الخلفاء الراشدين، فلا شك أن المسلمين تلقُّوا عن نبيهم ﷺ المنع عن مشاركتهم في أعيادهم (١) .
ما رواه أبو هريرة -﵁- أنه سمع النبي ﷺ يقول: «نحن الآخرون السابقون يوم القيامة، بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا، وأوتينا من بعدهم، ثم هذا يومهم الذي فرض الله عليهم، فاختلفوا فيه فهدانا الله له، فالناس لنا فيه تبع: اليهود غدًا، والنصارى بعد غدًا» (٢) . وفي لفظ: «بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا، وأوتيناه من بعدهم، فهذا يومهم الذي اختلفوا فيه، فهدانا الله له» (٣)
وعن أبي هريرة وحذيفة - ﵄ - قالا: قال رسول الله ﷺ:
_________________
(١) - ويُراجع: اقتضاء الصراط المستقيم (١/٤٤٩- ٤٥٠) .
(٢) - رواه البخاري في صحيحه المطبوع مع فتح الباري (٢/٣٥٤) كتاب الجمعة، حديث رقم (٨٧٦) عدا قوله: «وأوتينا من بعدهم» فقد ورد في حديث بنفس المعنى برقم (٨٩٦) كتاب الجمعة. ورواه مسلم في صحيحه (٢/٥٨٥) كتاب الجمعة، حديث رقم (٨٥٥) .
(٣) - ورواه مسلم في صحيحه (٢/٥٨٥) كتاب الجمعة، حديث رقم (٨٥٥) (٢١) .
[ ٤٢٦ ]
«أضل الله عن الجمعة من كان قبلنا، فكان لليهود يوم السبت، وكان للنصارى يوم الأحد فجاء الله بنا، فهدانا الله ليوم الجمعة، فجعل الجمعة والسبت والأحد، وكذلك هم تبع لنا يوم القيامة، نحن الآخرون من أهل الدنيا، والأولون يوم القيامة، المقتضي لهم» . وفي رواية: «المقضي بينهم - قبل الخلائق» (١) . وقد سمى النبي ﷺ الجمعة عيدًا في غير موضع ونهى عن إفراد بالصوم لما فيه من معنى العيد.
وجه الاستدلال من الحديث:
أنه ذكر أن الجمعة لنا، كما أن السبت لليهود، والأحد للنصارى، واللام تقتضي الاختصاص، وهذا الكلام يقتضي الاقتسام، فإذا قيل: هذه ثلاثة أبواب: هذا لي، وهذا لزيد وهذا لعمرو. أوجب ذلك أن يكون كل واحد مختصًا بما جعل له، ولا يشركه فيه غيره. فإذا نحن شاركناهم في عيدهم يوم السبت، أو عيد يوم الأحد، خالفنا هذا الحديث، وإذا كان هذا في العيد الأسبوعي، فكذلك في العيد الحولي، إذا لا فرق، بل إذا كان هذا في عيد يُعرف بالحساب العربي، فكيف بأعياد الكافرين العجمية التي لا تُعرف إلا بالحساب الرومي أو القبطي أو الفارسي أو العبري ونحو ذلك (٢) .