اختلف الناس في تفسير محبة الله ومحبة النبي ﷺ وكثرت عباراتهم في ذلك وليست تراجع في الحقيقة إلى اختلاف مقال، ولكنها اختلاف أحوال:
فقال سفيان: (المحبة اتباع الرسول ﷺ كأنه التفت إلى قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (١) .
وقال بعضهم: محبة الرسول ﷺ اعتقاد نصرته، والذب عن سنته، والانقياد لها، وهيبة مخالفته.
وقال بعضهم: المحبة دوام الذكر للمحبوب.
وقال آخر: إيثار المحبوب.
وقال بعضهم: المحبة: مواطأة القلب لمراد الرب، يحب ما أحب ويكره ما كره.
وقال آخر: المحبة: ميل القلب إلى موافق له (٢) .
وأكثر العبارات المتقدمة إشارة إلى ثمرات المحبة دون حقيقتها.
وحقيقة المحبة: الميل إلى ما يوافق الإنسان، وتكون موافقته له إما لاستلذاذه بإدراكه، كحب الصور الجميلة، والأصوات الحسنة، والأطعمة والأشربة اللذيذة وأشباهها، مما كل طبع مائل إليها لموافقتها له، أو لاستلذاذه بإدراكه بحاسة عقله وقلبه معاني باطنة شريفة، كمحبة الصالحين والعلماء وأهل المعروف، والمأثور عنهم السير الجميلة والأفعال الحسنة، فإن طبع الإنسان مائل إلى الشغف بأمثال هؤلاء حتى يبلغ
_________________
(١) - سورة آل عمران:٣١.
(٢) - يراجع: شرح الشفا (٢/٥٧٨، ٥٧٩) .
[ ١٨٩ ]
التعصب بقوم، والتشيع من أمة في آخرين، ما يؤدي إلى الجلاء عن الأوطان، وهتك الحرم، واخترام (١) النفوس.
أو يكون حبه إياه لموافقته له من جهة إحسانه له، وإنعامه عليه، وقد جبلت النفوس على حب من أحسن إليها.
فإذا تقرر هذا: نظرت هذه الأسباب كلها في حقه ﷺ فعلمت أنه ﷺ جامع لهذه المعاني الثلاثة الموجبة للمحبة: أما جمال الصورة، والظاهر، وكمال الأخلاق، والباطن فهو أعلى الناس فيها قدرًا، وأكملهم محاسن وفضلًا (٢) .
وأما إحسانه وإنعامه على أمته، فقد ذكره الله في كتابه العزيز في مواطن عدَّة، والتي وصفه الله﷾- بأمور، منها:
رأفته بأمته، ورحمته لهم، وهدايته إياهم، وشفقته عليهم، واستنقاذهم به من النار، وأنه بالمؤمنين رؤوف رحيم، ورحمة للعالمين، ومبشرًا ونذيرًا، وداعيًا إلى الله بإذنه، وسراجًا منيرًا ويتلوا عليهم آياته، ويزكيهم، ويعلمهم الكتاب والحكمة، ويهديهم إلى صراط مستقيم.
فأي إحسان أجل قدرًا، وأعظم خطرًا، من إحسانه إلى جميع المؤمنين؟
وأي إفضال أعم منفعة، وأكثر فائدة من إنعامه - بعد الله - ﷾ - على كافة المسلمين؛ إذ كان ذريعتهم (٣) إلى الهداية، ومنقذهم من العماية (٤)، وداعيهم إلى الفلاح، ووسيلتهم إلى ربهم، وشفيعهم والمتكلم عنهم والشاهد لهم، فقد استبان لك أنه ﷺ مستوجب للمحبة الحقيقية شرعًا؛ لما ورد في ذلك من النصوص، كقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ (٥) .
_________________
(١) - اخرمته المنية: أي أخذته، واخترم فلان: مات وذهب. وخرمته الخوارم: إذا مات. يراجع: لسان العرب (١٢/١٧٢) مادة (خرم) .
(٢) - يراجع: الشفا (٢/ ٧٩-١٠٩) .
(٣) - الذريعة: الوسيلة، والجمع: الذرائع. يراجع: لسان العرب (٨/٩٦) مادة (ذرع) .
(٤) - العماية: الضلال، وهي فعالة من العمى، وعماية الجاهلية: جهالتها. يراجع: لسان العرب (١٥/٩٧، ٩٨) مادة (عمي) .
(٥) - سورة التوبة:٢٤.
[ ١٩٠ ]
وقوله ﷺ: «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين» (١) .
وقوله ﷺ: «ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما » الحديث (٢)
وقوله ﷺ لعمر بن الخطاب - ﵁- لما قال له عمر: يا رسول الله!، لأنت أحبّ إليَّ من كل شيء إلا من نفسي، فقال ﷺ: «لا، والذي نفسي بيده، حتى أكون أحب إليك من نفسك» . فقال عمر: فإنه الآن والله لأنت أحبّ إليَّ من نفسي. فقال النبي ﷺ: «الآن يا عمر» (٣) .
وكذلك هو مستوجب للمحبة الحقيقية عادة وجبلة بما ذكرناه آنفًا لإفاضته الإحسان، وعمومه الإجمال، فإذا كان الإنسان يحب من منحه في دنياه مرة أو مرتين معروفًا، أو استنقذه من هلكة أو مضرة- مدة التأذي قليل منقطع - فمن كان سببًا لمنحه ما لا يبيد من النعيم، وسببًا لوقايته مما لا يفنى من عذاب الجحيم أولى بالحب (٤) .
وقال ابن بطال والقاضي عياض وغيرهما - ﵀ عليهم -: (المحبة
_________________
(١) - رواه البخاري في صحيحه المطبوع مع فتح الباري (١/ ٥٨) كتاب الإيمان، حديث رقم (١٥) . ورواه مسلم في صحيحه المطبوع مع شرح النووي (١/ ٦٧) كتاب الإيمان، حديث رقم (٤٤) .
(٢) - رواه البخاري في صحيحه المطبوع مع فتح الباري (١/ ٦٠) كتاب الإيمان، حديث رقم (١٦) . ورواه مسلم في صحيحه المطبوع مع شرح النووي (١/ ٦٦) كتاب الإيمان، حديث رقم (٤٣) .
(٣) - رواه البخاري في صحيحه المطبوع مع فتح الباري (١١/ ٥٢٣) كتاب الإيمانوالنذور، حديث رقم (٦٦٣٢) .
(٤) - يراجع: الشفا للقاضي عياض (٢/٥٧٨-٥٨١) .
[ ١٩١ ]
ثلاثة أقسام: محبة إجلال وإعظام كمحبة الوالد ومحبة شفقة ورحمة كمحبة الولد، ومحبة مشاكلة (١) واستحسان كمحبة سائر الناس، فجمع ﷺ أصناف المحبة في محبته، قال ابن بطال - ﵀ -: ومعنى الحديث (٢) أن من استكمل الإيمان علم أن حق النبي ﷺ آكد عليه من حق أبيه وابنه والناس أجمعين؛ لأن به ﷺ استنقذنا من النار، وهدينا من الضلال (٣) .
فالصادق في حب النبي ﷺ من تظهر علامة ذلك عليه، ومن علامات حبه ﷺ:
الاقتداء به ﷺ، واستعمال سنته، واتباع أقواله وأفعاله، وامتثال أوامره، واجتناب نواهيه، والتأدب بآدابه، في عسره ويسره، ومنشطه ومكرهه، وشاهد هذا قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٤) .
إيثار ما شرعه ﵊، وحض عليه، على هوى نفسه، وموافقة شهواته، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّأُوا الدَّارَ وَالْأِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ﴾ (٥) .
كثرة الذكر له ﷺ فمن أحب شيئًا أكثر من ذكره، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (٦) .
ومن علامات محبته ﷺ: محبة من أحب النبي- عليه والسلام- من آل بيته وصحابته من المهاجرين والأنصار، وعداوة من عاداهم، وبغض من أبغضهم، فمن أحب شيئًا
_________________
(١) - المشاكلة: الموافقة، والشاكلة: الطريقة والمذهب. يراجع: لسان العرب (١١/٣٥٧) .
(٢) - وقوله ﷺ: «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين»
(٣) -يراجع: شرح النووي على صحيح مسلم (٢/١٦، ١٧) .
(٤) - سورة آل عمران:٣١.
(٥) - سورة الحشر: الآية٩.
(٦) - سورة الأحزاب:٥٦.
[ ١٩٢ ]
أحب من يحبه. قال ﷺ: «الله الله في أصحابي، لا تتخذوهم غرضًا (١)
بعدي، فمن أحبهم فبحبي أحبهم، ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم، ومن آذاهم فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله، ومن آذى الله يوشك أن يأخذه» (٢) .
وقال ﷺ: «آية الإيمان حب الأنصار، وآية النفاق بُغض الأنصار» (٣) .
وقال - ﵊ -: «الأنصار لا يحبهم إلا مؤمن، ولا يبغضهم إلا منافق، فمن أحبهم أحبه الله، ومن أبغضهم أبغضه الله» (٤) .
ومن علامات محبته ﷺ: بُغض من أبغض الله ورسوله ومعاداة من عاداه، ومجانبة من خالف سنته، وابتداع في دينه، واستثقاله كل أمر يخالف شريعته، قال تعالى: ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ (٥) .
ومنها: أن يحب القرآن الذي أُنزل عليه ﷺ ويحب سنته ويقف عند خدودها، قال سهل بن عبد الله: (علامة حب الله حب القرآن، وعلامة حب القرآن حب النبي ﷺ، وعلامة حب النبي ﷺ حب السنة، وعلامة حب السنة حب الآخرة،
_________________
(١) - الغرض: شدة النزاع نحو الشيء، أو الهدف: أي لا تتخذوا أصحابي هدفًا ترموهم بقبيح الكلام كما يرمى الهدف بالسهم. يراجع: النهاية (٣/٣٦٠) مادة (غرض) . وتحفة الأحوذي (١٠/٣٦٥) أبواب المناقب.
(٢) - رواه الإمام أحمد في مسنده (٥/٥٤، ٥٥)، ورواه الترمذي في سننه (٥/٣٥٨) أبواب المناقب، حديث رقم (٣٩٥٤)، وقال: هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه.
(٣) - رواه البخاري في صحيحه المطبوع مع فتح الباري (٧/ ١١٣) كتاب مناقب الأنصار، حديث رقم (٣٧٨٤) . ورواه مسلم في صحيحه (١/ ٨٥) كتاب الإيمان، حديث رقم (٧٤) .
(٤) - رواه البخاري في صحيحه المطبوع مع فتح الباري (٧/ ١١٣) كتاب مناقب الأنصار، حديث رقم (٣٧٨٣) . ورواه مسلم في صحيحه (١/ ٨٥) كتاب الإيمان، حديث رقم (٧٥) .
(٥) -سورة المجادلة: الآية٢٢.
[ ١٩٣ ]
وعلامة حب الآخرة بُغض الدنيا، وعلامة بُغض الدنيا ألاَّ يدَّخر منها إلا زادًا وبلغة إلى الآخرة) (١) .
وإذا استعرضنا هذه العلامات، وجدنا أن الذين ابتدعوا الاحتفال بالمولد النبوي، لم تظهر عليهم أي علامة من هذه العلامات، ولم يتَّصفوا بإحداها، بل كانوا يتصفون بضدها. فلم يقتدوا به ﷺ في القول والفعل، ولم يمتثلوا أمره بلزوم السنة، ونهيه عن الإحداث في الدين، بل اطرحوا سنته جانبًا، وقدموا ما تهوى أنفسهم وما يشتهونه على ما أمر الله ﷾ رسوله ﷺ، واشتغلوا بالمعاصي والملذات عن ذكره ﷺ، وسبُّوا صحابته وأنصاره- بل كفَّرُوهم -، وجاهروا بذلك، وقرَّبُوا أعداء الله ورسوله، وأظهروا لهم المودة، وولوهم أمور المسلمين (٢)، فهل يبقى أدنى شك في كذبهم فيما يزعمون من أن إقامتهم للمولد النبوي لأجل محبتهم له ﷺ، وتعظيم ذكراه؟؟!!؛لأن المحبة الصادقة لرسول الله ﷺ إنما تكون بطاعته فيما أمر، والابتعاد عمَّا نهى عنه والانقياد للشرع الذي جاء به، فلا يعبد الله إلا بما شرع، وكذلك الإكثار من الصلاة والسلام عليه، والتمسك بسنته، والعمل بها، والاقتداء به ﷺ في أقواله وأفعاله، وتقديم قوله على كل قول، فإنَّهُ لا أحد من الأمة معصوم من الخطأ إلا رسول الله ﷺ. فيجب أن يؤخذ قوله كله ولا يُردّ منه شيء، وأمور الدين إنَّما العمدة فيها كتاب الله وسنة رسوله ﷺ، ولا مكان للاعتماد على الهوى والاستحسان من غير دليل شرعي.
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ (٣)، والله أعلم
_________________
(١) -يراجع: الشفا (٢/٥٧١-٥٧٧) .
(٢) - يراجع: المبحث الأول والثاني من هذا الفصل في هذا الكتاب
(٣) - سورة النساء:٥٩.
[ ١٩٤ ]
المبحث السادس