ومما أحدث في هذا الشهر العظيم: رفع الصوت بالدعاء بعد ختم القرآن، ويكون هذا الدعاء جماعيًا، أو كل يدعو لنفسه، ولكن بصوت عال، مخالفين بذلك قوله تعالى ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ (٢) . وهذا الشهر العظيم موضع خشوع وتضرع وابتهال، ورجوع إلى ﷾ بالتوبة النصوح الصادقة مما قارفه من الذنوب، والسهو والغفلات والتقصير في الطاعة فينبغي أن يبذل الإنسان جهده، كل على قدر حاله، ويدعو الله بالأدعية الصحيحة المأثورة عن النبي ﷺ وأصحابه والتابعين والسلف الصالح، والتي تخلو تمامًا من دعاء غير الله أو التوسل به.
وسرية الدعاء أحرى للإخلاص فيه، بعيدًا عن الرياء والسمعة، فعندما رفع الصحابة أصواتهم بالدعاء قال لهم النبي ﷺ: «يا أيها الناس أربعوا على أنفسكم. فإنكم لا تدعون أصمَّ ولا غائبًا، إنه معكم، إنه سميع قريب، تبارك اسمه، وتعالى جده» (٣) . وفي رواية لمسلم: «والذي تدعونه أقرب إلى أحدكم من عنق راحلة أحدكم» (٤) .
ومن البدع التي أحدثت في ليلة ختم القرآن:
اجتماع المؤذنين تلك الليلة فيكبرون جماعة في حال كونهم في الصلاة، لغير ضرورة داعية إلى السمع الواحد، فضلًا عن جماعة، بل بعضهم يسمعون ولا يصلون، وهذا فيه ما فيه من القبح والمخالفة لسنة السلف الصالح -﵀ عليهم-.
أنه إذا خرج القارئ من الموضع الذي صلى فيه، أتوه ببغلة أو فرس ليركبها، ثم تختلف أحوالهم في صفة ذهابه إلى بيته، فمنهم من يقرأ القرآن بين يديه، كما يفعلونه أمام جنائزهم من عاداتهم الذميمة، والمؤذنون يكبرون بين يديه كتكبير العيد.
_________________
(١) - يراجع: المدخل لابن الحاج (٢/٢٩٣، ٢٩٤) .
(٢) - سورة لأعراف: الآية٥٥.
(٣) - رواه البخاري في صحيحه المطبوع مع فتح الباري (٦/١٣٥) كتاب الجهاد، حديث رقم (٢٢٩٢)، واللفظ له. ورواه مسلم في صحيحه (٤/٢٠٧٦) كتاب الذكر والدعاء حديث رقم (٢٧٠٤) .
(٤) - رواها في صحيحه (٤/٢٠٧٧) كتاب الذكر والدعاء، حديث رقم (٢٧٠٤)، (٤٦) .
[ ٣٣١ ]
قال ابن الحاج: (قال القاضي أبو الوليد بن رشد -رحمه الله تعالى-: كره مالك قراءة القرآن في الأسواق والطرق لوجوه ثلاثة:
أحدها: تنزيه القرآن وتعظيمه من أن يقرأه وهو ماش في الطرق والأسواق، لما قد يكون فيها من الأقذار والنجاسات.
الثاني: أنه إذا قرأ القرآن على هذه الأحوال لم يتدبره حق التدبر.
الثالث: لما يخشي أن يدخله ذلك فيما يفسد نيته) ا. هـ (١) .
سير الفقراء الذاكرين بين يدي القارئ، إلى أن يصل إلى بيته، ومنهم من يعوض ذلك بالأغاني، وهو أشدُّ هذه الأمور وإن كانت كلها ممنوعة.
ضرب الطبل والأبواق والدف أو الطار أمام القارئ أثنا سيره إلى بيته.
وربما جمع بعضهم الأمور السابقة كلها أو أكثرها، ويكون في ذلك من اللهو واللعب ما هو ضد المطلوب في هذه الليلة، من الاعتكاف على الخير، وترك الشر والمباهاة والفخر ونحو ذلك.
عمل بعض أنواع الأطعمة والحلاوات لهذه المناسبة.
زيادة وقود القناديل الكثيرة الخارجة عن الحد المشروع، ولما في ذلك من إضاعة المال، والسرف والخيلاء.
استعمال الشمع للوقود في أوان من ذهب أو فضة، ولا يخفى تحريم استعمالهما لعدم الضرورة إليهما
_________________
(١) - يراجع: المدخل (٢/٣٠١) .
[ ٣٣٢ ]
تعليق ختمه عند الموضع الذي يختمون فيه، فمنهم من يتخذها من الشقق (١) الحرير الملونة، ومنهم من يتخذها من غيرها، لكنها ملونة أيضًا، ويعلقون فيها القناديل، وما في ذلك من السرف والخيلاء وإضاعة المال والرياء والسمعة واستعمال الحرير.
ومنم من يستعير القناديل من مسجد آخر وهي وقف عليه، فلا يجوز إخراجها منه، ولا استعمالها في غيره.
أن هذا الاجتماع يفضي إلى اجتماع أهل الريب والشك والفسوق، وممن لا يرضى حاله، حتى جرّ ذلك إلى اختلاط النساء بالرجال في موضع واحد ولا يخفى ما في ذلك من الضرر العظيم.
كثرة اللغط في المسجد ورفع الأصوات فيه والقيل والقال، إذ أنه يكون الإمام في الصلاة، وكثير من الناس يتحدثون ويخوضون في أشياء ينزه المسجد عن بعضها.
اعتقاد بعض العلماء أن هذا الاجتماع بما فيه من البدع، إظهار لشعائر الإسلام، ولا يخفى ما يجلب هذا الأمر من الضرر العظيم، وتكثير سواد أهل البدع، ويكون حضور هؤلاء العلماء حجة إن كانوا قدوة للقوم، بأن ذلك جائز غير مكروه، فيقولون: لو كان بدعة لم يحضره العالم فلان، ولم يرض به. فإنا لله وإنا إليه راجعون. والإثم في هذا من فعله أو أمر به أو استحسنه أو رضي به أو أعان عليه بشيء أو قدر على تغييره فلم يفعل.
إحضار الكيزان وغيرها من أواني الماء في المسجد حين الختم، فإذا ختم القارئ شربوا ذلك الماء، ويرجعون به إلى بيوتهم فيسقونه لأهليهم ومن شاءوا على سبيل التبرك، وهذه بدعة لم تنقل عن أحد من السلف-رحمة الله عليهم-.
تواعدهم للختم، فيقولون: فلان يختم في ليلة كذا وفلان يختم في ليلة كذا، ويعرض ذلك بعضهم على بعض، ويكون ذلك بينهم بالنوبة - أي بالتناوب-، حتى صار ذلك كأنه ولائم تعمل، وشعائر تظهر، فلا يزالون كذلك غالبًا من انتصاف شهر رمضان إلى آخر الشهر، وهذا أمر محدث لم يؤثر على السلف الصالح -رحمة الله عليهم - (٢) .
فهذه بعض المنكرات والبدع التي أحدثت في ليلة الختم، ولما كانت مخالفة لسنة
_________________
(١) - الشُّقَّة بالضم: معروفة من الثياب السببية المستطيلة، والجمع شقاق وشقق، فالشقة جنس من الثياب. يراجع: لسان العرب (١٠/ ١٨٤)، مادة (شقق) .
(٢) - يراجع: المدخل لابن الحاج (٢/٢٩٩، ٣٠٥) .
[ ٣٣٣ ]
النبي ﷺ، وخلفائه، وما عليه السلف الصالح زينها الشيطان وأتباعه في نفوسهم، وسول لهم الإصرار على فعلها، وجعل ذلك من شعائر الدين، ولو فرضنا جدلًا أن هذه الأمور المحدثة مطلوبة شرعًا لأدعى هؤلاء المبتدعة المشقة في فعلها، وعجزهم عنها، ولتهاونوا بها، ولكن صدق الله العظيم القائل في محكم كتابه: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ (١) . - والله أعلم -.