للوقاية من البدع وسائل عدة، نذكر منها على سبيل الإيجاز:
١- الاعتصام بالكتاب والسنة، - بالإضافة إلى نشر ذلك وتبليغه للناس على أكبر قدر ممكن -:
وقد جاءت أوامر الاعتصام بالكتاب والسنة صريحة في ذلك، منها:
قوله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا﴾ (٥) . وحبل الله هو القرآن (٦)، وقال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (٧)، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً
_________________
(١) - سورة الكهف:١٠٣، ١٠٤.
(٢) - سورة الغاشية:٢- ٤
(٣) - سورة المدثر: الآية٣١.
(٤) - يراجع: الاعتصام (١/١١٤-١٢٥)، والبدعة والمصالح المرسلة ص (٢٠٩- ٢١٩) .
(٥) - سورة آل عمران: الآية١٠٣.
(٦) - يراجع: تفسير ابن كثير (١/٣٨٨، ٣٨٩) .
(٧) - سورة صّ:٢٩.
[ ٨٠ ]
لَنْ تَبُورَ﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ (٢) . والآيات كثيرة في هذا الباب وحصرها ليس من السهولة بمكان، والقصد التنبيه لا الحصر.
وقال ﷺ: «لا حسد إلا في اثنتين: رجل علَّمه الله القرآن فهو يتلوه آناء الليل وآناء النهار، فسمعه جار له فقال: ليتني أوتيت مثلما أوتي فلان فعملت مثل ما يعمل» الحديث (٣) .
وقال ﷺ: «خيركم من تعلم القرآن وعلمه» (٤) . وفي رواية: «إن أفضلكم من تعلم القرآن وعلمه» (٥) .
وقال ﷺ: «تعاهدوا القرآن، فو الذي نفسي بيده لهو بيده لهو أشد تفصيا (٦) من الإبل في عقولها» (٧) .
وقال ﷺ: «ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب، ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة وذكرهم الله فيمن عنده» (٨) .
_________________
(١) - سورة فاطر:٢٩.
(٢) - سورة فاطر:٣٢.
(٣) - رواه البخاري في صحيحه المطبوع مع فتح الباري (٩/٧٣) كتاب فضائل القرآن، حديث رقم (٥٠٢٦) . ورواه مسلم في صحيحه المطبوع مع شرح النووي (١/٥٥٨) كتاب صلاة المسافرين، حديث رقم (٨١٥) .
(٤) - رواه البخاري في صحيحه المطبوع مع فتح الباري (٩/٧٤) كتاب فضائل القرآن، حديث رقم (٥٠٢٧) . ورواه أبو داود في سننه (٢/١٤٧) كتاب الصلاة، حديث رقم (١٤٥٢) . ورواه الترمذي في سننه (٤/٢٤٦) كتاب فضائل القرآن، حديث رقم (٣٠٧١)، وقال حديث حسن صحيح.
(٥) - رواه البخاري في صحيحه المطبوع مع فتح الباري (٩/٧٤) كتاب فضائل القرآن، حديث رقم (٥٠٢٨) . ورواه الترمذي في سننه (٤/٢٤٦) كتاب فضائل القرآن، حديث رقم (٣٠٧٢)، وقال: حديث حسن صحيح.
(٦) - تفصيًا: أي تفلتًا وتخلصًا. يراجع: فتح الباري (٩/٨١) .
(٧) - رواه البخاري في صحيحه المطبوع مع فتح الباري (٩/٧٩) كتاب فضائل القرآن، حديث رقم (٥٠٣٣) . ورواه مسلم في صحيحه المطبوع مع شرح النووي (١/٥٤٥) كتاب صلاة المسافرين، حديث رقم (٧٩١) بلفظ: «تلفتًا» .
(٨) - رواه مسلم في صحيحه (٤/ ٢٠٧٤) كتاب الذكر والدعاء، حديث رقم (٢٦٩٩) . ورواه أبو داود في سننه (٢/١٤٨، ١٤٩) كتاب الصلاة حديث رقم (١٤٥٥) . ورواه ابن ماجه في سننه (١/٨٢) المقدمة، حديث رقم (٢٢٥) .
[ ٨١ ]
وقال تعالى: ﴿بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ (١) .
والسنة بيان القرآن، فكما تجب المحافظة على الكتاب - كما تقدم من الأدلة السابقة - فكذلك تجب المحافظة على بيانه. فالسنة - وهي بيان الكتاب - لا تقل أهمية عن القرآن.
وقد بين الرسول ﷺ وجوب تبليغ السنة ونشرها على أوسع نطاق ممكن، فقال ﵊:
«بلغوا عني ولو آية، وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج، ومن كذب عليّ متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار» (٢) .
وقال ﷺ: «ليبلغ الشاهد الغائب» (٣) .
وقال ﷺ: «فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة» (٤) .
وقال ﷺ: «نضر الله امرءًا سمع منا حديثًا فحفظه حتى يبلغه غيره» (٥) .
فما تقدَّم من النصوص يدلُّ على وجوب الاعتصام بالكتاب والسنة، ونشر سنته، ونشر سنته ﷺ وتبليغها؛ لأنَّ في ذلك وقاية من إحداث البدع وظهورها.
٢- تطبيق السنة في سلوك الفرد وسلوك المجتمع:
_________________
(١) - سورة النحل: الآية٤٤.
(٢) - رواه الإمام أحمد في مسنده (٢/١٥٩) . ورواه البخاري في صحيحه المطبوع مع فتح الباري (٦/٤٩٦) كتاب الأنبياء، حديث رقم (٣٤٦١) . ورواه الترمذي في سننه (٤/١٤٧) أبواب العلم، حديث رقم (٢٨٠٧) .
(٣) - رواه البخاري في صحيحه المطبوع مع فتح الباري (١/١٥٨) كتاب العلم، حديث رقم (٦٧) . ورواه مسلم في صحيحه (٢/٩٨٨) كتاب الحج، حديث رقم (١٣٥٤) .
(٤) - رواه الإمام أحمد في مسنده (٤/١٢٦) . ورواه أبو داود في سننه (٥/١٣-١٥) كتاب السنة، حديث رقم (٤٦٠٧) . ورواه الترمذي في سننه (٤/١٤٩، ١٥٠) أبواب العلم، حديث رقم (٢٨١٦)، وقال: حديث حسن صحيح. ورواه ابن ماجه في سننه (١/ ١٦)، المقدمة، حديث رقم (٤٢، ٤٣) .
(٥) - رواه الإمام أحمد في مسنده (١/٤٣٧) . ورواه أبو داود في سننه (٤/٦٨، ٦٩) كتاب العلم، حديث رقم (٢٦٦٠) . ورواه الترمذي في سننه (٤/١٤٢) أبواب العلم، حديث رقم (٢٧٩٥)، وقال: حديث حسن ننه (١/صحيح.
[ ٨٢ ]
وذلك بتطبيق ما علمه الإنسان من السنة على سلوكه في جميع مجالات الحياة، فتطبيق السنة يجعل البدعة أمرًا منكرًا في المجتمع، تظهر ملامحها البشعة ومظهرها السيء، وتدل بنفسها على ما تحمله من قبح وتهديد للإسلام والمسلمين، فيجعل الناس ينفرون من البدع، لعدم قبول الناس وموافقتهم لمرتكب البدعة، ولما كان الصحابة - رضوان الله عليهم - يطبقون السنة في جميع تصرفاتهم وأفعالهم لم تظهر فيهم البدع، وإذا ظهرت قُضي عليها مباشرة؛ لأن المبتدع بفعله البدعة قد شذَّ عن المجتمع الذي يعيش فيه، فتكون مقامته سهلة، ولكن في آخر الزمان يختلف الوضع، فيكون المتمسك بدين الله وسنة رسوله ﷺ كالقابض على الجمر، ويكون حيدًا غريبًا في مجتمعه، كما قال ﵊: «بدأ الإسلام غريبًا وسيعود كما بدأ غريبًا، فطوبى للغرباء» (١) .
٣- الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:
البدع في بدايتها تكون صغيرة ثم تكبر، يبدعها فرد وسرعان ما يلتف حوله أهل الأهواء، لموافقة هذه البدعة أهواءهم وشهوة أنفسهم، أو أن هذه البدعة تريحهم من بعض تكاليف الشرع. فما هو الموقف الواجب اتخاذه؟.
الجواب على ذلك هو: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وقد أوجبه الله علينا بقوله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (٢) . فقد أوجب الله علينا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على الكفاية. فلا يجب على كل أحد بعينه، فإذا لم يقم به يقوم بواجبه، أثم كل قادر بحسب قدرته؛ إذ هو واجب على كل إنسان بحسب قدرته، كما قال ﷺ: «من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف
_________________
(١) - رواه الإمام أحمد في مسنده (١/٣٩٨) . ورواه مسلم في صحيحه (١/١٣٠) كتاب الإيمان، حديث رقم (١٤٥) . ورواه الترمذي في سننه (٤/١٢٩) أبواب الإيمان، حديث رقم (٢٧٦٤)، وقال: حديث حسن غريب صحيح. ورواه ابن ماجه في سننه (٢/١٣١٩، ١٣٢٠) كتاب الفتن، حديث رقم (٣٩٨٦) .
(٢) - سورة آل عمران:١٠٤.
[ ٨٣ ]
الإيمان» (١) . (٢)
والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من الصفات التي جعل الله بها أمة محمد ﷺ خير الأمم، قال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ..﴾ (٣) .
قال أبو هريرة - ﵁ -: «﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ تأتون بهم في السلاسل في أعناقهم حتى يدخلون في الإسلام» (٤) .
وفي قول أبو هريرة﵁- ما يدل على أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بمعناهما الشامل، يدخل فيهما الجهاد في سبيل الله والعمل على تبليغ رسالة الإسلام بشتى الوسائل الممكنة.
وقد جعل الله ﷾ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من صفات المؤمنين، ومما يتميزون به على غيرهم، كما جعل الأمر بالمنكر والنهي عن المعروف من صفات المنافقين ومما يميزهم عن غيرهم.
_________________
(١) -رواه الإمام أحمد في مسنده (٣/١٠) . ورواه مسلم في صحيحه (١/٦٩) كتاب الإيمان، حديث رقم (٤٩) . ورواه أبو داود في سننه (١/٦٧٧، ٦٧٨) كتاب الصلاة، حديث رقم (١١٤٠) . ورواه الترمذي في سننه (٣/٣١٧، ٣١٨) أبواب الفتن، حديث رقم (٢٢٦٣)، وقال: حديث حسن صحيح. ورواه النسائي في سننه (٨/١١١، ١١٢) كتاب الإيمان. ورواه ابن ماجه في سننه (١/٤٠٦) كتاب إقامة الصلاة، حديث رقم (١٢٧٥) .
(٢) - يُراجع: مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (٢٨/١٢٥، ١٢٦) .
(٣) - سورة آل عمران: الآية١١٠.
(٤) - رواه البخاري في صحيحه المطبوع مع فتح الباري (٨/٢٢٤) كتاب التفسير، حديث رقم (٤٥٥٧) . ورواه الحاكم في المستدرك (٤/٨٤) كتاب معرفة الصحابة، وقال: حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وقال الذهبي: صحيح.
[ ٨٤ ]
فقال تعالى في وصف المؤمنين ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ (١) .
وقال جل وعلا واصفًا المنافقين: ﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ﴾ (٢) .
ولا شك أن التحذير من البدع والنهي عنها من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأن إحداث البدع ودعوة الناس إليها من الأمر بالمنكر الذي هو من خصائص المنافقين ومن تبعهم.
وقد نص الله ﷾ على أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من خصائص الرسالة المحمدية، وأهدافها البارزة، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْأِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ (٣) .
وقد أرشد الرسول ﷺ في عدة أحاديث إلى عموم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وشموله لكل مسلم، فقال﵇-: «من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان» (٤) .
وجعل﵊- الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من واجب الجالسين على الطريق، وبين أن ذلك من حقوق الطريق، فقال ﵊: «إياكم والجلوس على الطرقات» . فقالوا: مالنا بد، إنَّما هي مجالسنا نتحدث فيها، قال: فإذا أتيتم إلى المجالس فأعطوا الطريق حقها» . فقالوا: وما حق الطريق؟. قال: «غض البصر، وكف الأذى، وردّ السلام، وأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر» (٥) .
وقال ﷺ: «إنكم منصورون ومصيبون ومفتوح لكم، فمن أدرك ذاك منكم فليتق الله وليأمر
_________________
(١) - سورة التوبة: الآية٧١.
(٢) -سورة التوبة: الآية٦٧.
(٣) -سورة لأعراف: الآية١٥٧.
(٤) -رواه الإمام أحمد في مسنده (٣/١٠) . ورواه مسلم في صحيحه (١/٦٩) كتاب الإيمان، حديث رقم (٤٩) . ورواه أبو داود في سننه (١/٦٧٧، ٦٧٨) كتاب الصلاة، حديث رقم (١١٤٠) . ورواه الترمذي في سننه (٣/٣١٧، ٣١٨) أبواب الفتن، حديث رقم (٢٢٦٣)، وقال: حديث حسن صحيح. ورواه النسائي في سننه (٨/١١١، ١١٢) كتاب الإيمان. ورواه ابن ماجه في سننه (١/٤٠٦) كتاب إقامة الصلاة، حديث رقم (١٢٧٥) .
(٥) - رواه البخاري في صحيحه المطبوع مع فتح الباري (٥/١١٢) كتاب المظالم، حديث رقم (٣٤٦٥) . ورواه مسلم في صحيحه المطبوع مع شرح النووي (٣/١٦٧٥) كتاب اللباس، حديث رقم (٢١٢١) .
[ ٨٥ ]
بالمعروف ولينه عن المنكر، ومن يكذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار» (١) .
وقال ﵊: «مثل القائم على حدود الله، والمدهن (٢) فيها، كمثل قوم استهموا على سفينة في البحر، فأصاب بعضهم أعلاها، وأصاب بعضهم أسفلها، فكان الذين في أسفلها يصعدون فيستقون الماء، فيصيبون على الذين في أعلاها، فقال الذين في أعلاها: لا ندعكم تصعدون فتؤذوننا، فقال الذين في أسفلها: فإنا ننقبها في أسفلها فنستقي، فإن أخذوا على أيديهم فمنعوهم نجوا جميعًا، وإن تركوهم غرقوا جميعًا» (٣)
ففي هذا الحديث تحذير منه ﷺ عن عاقبة السكوت عن المنكرات والبدع، وقد مثَّل النبي ﷺ بركاب السفينة - وما أحسن التمثيل - فإن سكوت المسلمين عن أهل المنكر والمبتدعة، يؤدي إلى تفشي هذه المنكرات والبدع في المجتمعات، مما يجعلهم مستحلين للعقوبة، فإذا نزلت العقوبة شملت الفاعل والراضي بالفعل، فالأول لمباشرته المنكر، والثاني لسكوته عن الإنكار.
وقد قال ﵊: «والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر، أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقابًا منه فتدعونه فلا يستجيب لكم» (٤) .
ولكن قد يستدل بعض الناس بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ (٥)، على أن الإنسان ليس مسئولًا إلا عن نفسه وتصرفاته، ولا شأن له بالآخرين وما يفعلونه.
فالجواب على ذلك ما قاله أبو بكر الصديق - ﵁- قال: «يا أيها الناس! إنكم
_________________
(١) - رواه الإمام أحمد في مسنده (١/٣٨٩) . ورواه الترمذي في سننه (٣/٣٥٧) أبواب الفتن، حديث رقم (٢٣٥٨)، وقال: حديث حسن صحيح.
(٢) - المدهن - بضم الميم وسكون الدال وكسر الهاء -: المراد به من يرائي ويضيع الحقوق ولا يغير المنكر، والمدهن والمداهن واحد. يراجع: تحفة الأحوذي (٣٩٤)، ولسان العرب (١٣/١٦٢) مادة (دهن) .
(٣) - رواه الإمام أحمد في مسنده (١/٢٦٨) . ورواه الترمذي في سننه (٣/٣١٨) أبواب الفتن، حديث رقم (٢٢٦٤)، وقال: حديث حسن صحيح.
(٤) - رواه الإمام أحمد في مسنده (١/٣٨٨، ٣٨٩) . ورواه الترمذي في سننه (٣/٣١٦، ٣١٧) أبواب الفتن، حديث رقم (٢٢٥٩)، وقال: حديث حسن.
(٥) -سورة المائدة: الآية١٠٥.
[ ٨٦ ]
تقرأون هذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ (١)، وإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب منه» (٢) .
فما تقدَّم من الآيات والأحاديث يدلُّ على أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب على كل شخص؛ لا بعينه وإنَّما على الكفاية على حسب قدرته وطاقته، وأنه من خصائص أمة محمد ﷺ وأن تركه من خصائص المنافقين، وإذا ترك الناس الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فقد جنوا على أنفسهم، وصاروا مستحقين للعقوبة.
ولا شك أن البدع من أكبر المنكرات التي يجب النهي عنها، وأن التهاون في ذلك يساعد على انتشار البدع، وتمسك الناس بها، واعتقادهم أن هذه البدع لو كانت أمرًا منكرًا لنهى عنه الناس عامة والعلماء خاصة، وأن سكوت العلماء عن الإنكار دليل على موافقة هذا الأمر المبتدع للشرع، إذ لو كان مخالفًا لحصل الإنكار.
فالأمر بالمعروف وهو لزوم الكتاب والسنة، والنهي عن المنكر من البدع والمعاصي؛ من أهم أسباب الوقاية من البدع، وله دور كبير في ذلك. جعلنا الله وإياكم من الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، مخلصين ذلك لله وحده، والله أعلم.
٤- القضاء على أسباب البدع:
وأسباب البدع سبق وتكلمنا عنها، ويكون القضاء عليها بأمور عدة، منها:
أ- منع العامة من القول في الدين، وعدم اعتبار آرائهم مهما كانت مناصبهم فيه.
ب- الرد على ما يوجه إلى الدين من حملات ظاهرة أو خفية، وكشف مظاهر الابتداع، وتسليط الضوء عليها من القرآن والسنة لمنعها من التغلغل والانتشار.
جـ- الاحتراز من كل خروج عن حدود السنة مهما قلّ أثره أو صغر أمره.
د- صدّ تيارات الفكر العقائدي والتي لا حاجة للمسلم فيها، بل وردّ النصّ بالتحذير
_________________
(١) -سورة المائدة: الآية١٠٥.
(٢) - رواه الإمام أحمد في مسنده (١/٧) . ورواه الترمذي في سننه (٤/٣٢٢) أبواب تفسير القرآن، حديث رقم (٥٠٥٠)، وقال: حديث حسن صحيح. وقد رواه غير واحد، عن إسماعيل بن أبي خالد نحو هذا الحديث مرفوعًا، وروى بعضهم عن إسماعيل عن قيس عن أبي بكر قوله ولم يرفعوه. ورواه أبو داود في سننه (٤/٥٠٩، ٥١٠) كتاب الملاحم، حديث رقم (٤٣٣٨) .
[ ٨٧ ]
منها، كآراء غير المسلمين فيها يتصل بالعقيدة، أو الأمور الغيبة ونحوها.
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ﴾ (١)
قال تعالى: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ.﴾ (٢)
وقال ﷺ: «لتتبعن سنن من كان قبلكم شبرًا شبرًا وذراعًا ذراعًا حتى لو دخلوا جحر ضبِّ (٣) تبعتموهم» قلنا: يا رسول! اليهود والنصارى؟. قال: «فمن؟» (٤) . فحذر النبي ﷺ من اتباع سننهم والوقوع فيما وقعوا فيه، وتقليدهم من غير تبصر، وهذا علم من أعلام نبوته. فواقع الحال يشهد بأنا أصبحنا نقلدهم في كثير من الأشياء، حتى صار المسلمون يقيمون الاحتفالات بأعياد النصارى، ونحو ذلك من التقليد الأعمى في كثير من الأمور، وقد ألف بعض العلماء المعاصرين كتابًا ذكر فيه جملة من الأمور التي وقع فيها المسلمون من مشابهة المشركين (٥) . فكثير من البدع إنما أحدثت تقليدًا لليهود والنصارى وغيرهم (٦) .
هـ- الاعتماد على الكتاب والسنة فقط في أمور العقيدة التي لا مجال للاجتهاد والاستحسان والقياس فيها. وعدم الاعتماد على ما يعده بعض أهل الضلال مستندًا كالعقل ونحوه. وما هو أوهى من ذلك كالمنامات ونحوها.
وترك الخوض في المتشابه؛ لأن الخوض فيه علامة على أهل الزيغ والبدع. وسبب كل بلاء ومصيبة دخلت على المسلمين.
فما ذكرناه هو بعض الأمور التي في اتباعها أثر كبير في القضاء على أسباب
_________________
(١) - سورة آل عمران:١٠٠.
(٢) - سورة البقرة: الآية١٠٩.
(٣) - الضب: دويبة أحرش الذنب، خشنُهُ، مُفقره، ذو عقد، ولونه إلى الصُّحْمة، وهي غُبرة مشربة سوادًا، وإذا سمن اصفر صدره. يُراجع: لسان العرب (١/٥٣٩) مادة (ضبب)
(٤) - رواه البخاري في صحيحه المطبوع مع فتح الباري (١٣/٣٠٠) كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، حديث رقم (٧٣٢٠) . ورواه مسلم في صحيحه (٤/٢٠٥٤) كتاب العلم، حديث رقم (٢٦٦٩) .
(٥) - الكتاب هو: الإيضاح والتبين لما وقع فيه الأكثرون من مشابهة المشركين. ومؤلفه هو: فضيلة الشيخ حمود بن عبد الله التويجري - أثابه الله -. وطبع الطبعة الأولى سنة ١٣٨٤هـ، ثم طبع طبعة ثانية مصححة ومنقحة سنة ١٤٠٥هـ.
(٦) - يراجع: البدعة ص (٤٢٤، ٤٢٥) .
[ ٨٨ ]
البدع، وهذه الأمور لا تحقيق الهدف لوحدها، وإنما لا من احتساب العلماء وطلاب العلم وبذل وسعهم، في تطبيقها والدعوة إليها، وحثّ على الالتزام بها. لكي تؤدي الغرض المطلوب، والهدف المقصود، والله الهادي إلى سواء السبيل.