لاشك أن للبدع آثار تظهر في المجتمعات التي تُقر تلك البدع ولا تنكرها، وليست هذه الآثار تشمل المجتمع كله، بل تخص من يقرّ بالبدعة أو يعمل بها، أو يدعو إليها ويرغِّب الناس فيها، ومن يقبل ذلك منه من الناس، وتظهر هذه الآثار جليَّة على أفراد المبتدعين ومتبعيهم، الذين هم جزء من المجتمع، وعدم الإنكار عليهم ومحاربة بدعهم يجعل هذه الآثار تشمل المجتمع كله.
وهذه الآثار والظواهر منها ما يخص أفراد المبتدعين، ومنها ما يعم مجتمعهم. وهذه الآثار على سبيل الإيجاز هي:
١- اتباع المتشابه:
لأن المبتدع تفسد طبيعته، ويترك طريق الصواب إلى طريق الضلال، ويعرف ذلك
_________________
(١) - يراجع: البدعة ص (٢٥٤، ٢٥٥)، وتحذير المسلمين ص (٢١) .
[ ٧٥ ]
من سيرتهم ومن منطقهم، قال تعالى: ﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ (١) . فأول أثر لذلك: اتباع المتشابه، وقد نَّبه الله ﷾ على ذلك بقوله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ﴾ (٢)
ومن أمثلة ذلك: استشهاد الخوارج على إبطال التحكيم بقوله تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ (٣) .
وقد قال ﷺ: «فإذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم» (٤) .
٢- إماتة السنَّة:
ومن الآثار الضارة للبدعة: إماتة السنَّة؛ لأنَّه ما ظهرت بدعة إلا وماتت سنة من السنن، لأن البدعة لا تظهر وتشيع إلا بعد تخلي الناس عن السنة الصحيحة، فظهور البدع علامة دالَّة على ترك السنة.
قال ابن عباس ﵄ «ما أتى على الناس عام إلا أحدثوا فيه بدعة وأماتوا فيه سنة، حتى تحيا البدع وتموت السنن» (٥)
٣- الجدل:
من الآثار المترتبة على الوقوع في البدع: الجدل بغير حق، والخصومات في الدين، وقد حذَّر الله ﷾ من ذلك بقوله ﷿: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ (٦) . فقد نهى ﷾ عن الفرقة
_________________
(١) - سورة محمد: الآية٣٠.
(٢) - سورة آل عمران: الآية٧.
(٣) - سورة الأنعام: الآية٥٧.
(٤) - البخاري في صحيحه المطبوع مع فتح الباري (٨/٢٠٩) كتاب التفسير، حديث (٤٥٤٧) . بلفظ: «فإذا رأيت» . ورواه مسلم في صحيحه المطبوع مع شرح النووي (١٦/٢١٧) كتاب العلم، بلفظ: إذا رأيتم» .
(٥) - رواه الطبراني في الكبير ورجاله موثقون. قاله الهيثمي في مجمع الزوائد (١/١٨٨)، باب في البدع والأهواء.
(٦) - سورة آل عمران: الآية١٠٥.
[ ٧٦ ]
والاختلاف، بعد مجيء البينات، الكتاب والسنة؛ حتى لا نكون كالأمم السابقة التي تفرقت واختلفت بسبب بدعهم وأهواءهم. وقال ﷺ: «إن الله يرضى لكم ثلاثًا ويكره لكم ثلاثًا، فيرضى لكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئًا، وأن تعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا، ويكره لكم: قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال» (١) .
وقال ﷺ: «أبغض الرجال إلى الله الألد الخصِم» (٢) والألد الخصم: أي شديد الخصومة، واللدد: الخصومة الشديدة (٣)
٤- اتباع الهوى:
ومن آثار البدع: اتباع أهلها لأهوائهم وعدم التقيد بما شرع الله. ولاشك أن هذا عين الضلال، قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ﴾ (٤)، وقال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ (٥) . واتباع الهوى أمر باطن لا يظهر، ولكن يتبين بعرض أعمال صاحبه على الشرع، فعند عرضها على الشرع نرى أنها لا تمثل إلا هوى صاحبها، ولا تصدر إلا من مبتدع جاهل، يقول في الأمور بغير علم، وخاصة أمور الدين.
٥- مفارقة الجماعة:
ومن آثار البدع: مفارقة أهلها الجماعة، وشق عصا الطاعة على جماعة المسلمين؛ لأنهم اعتمدوا على أهوائهم، ومن اتبع هواه خرج عن جادة الصواب، وقد حذَّر الله من ذلك بقوله ﷿: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ (٦) .
_________________
(١) - رواه مالك في الموطأ (٢/٩٩٠) كتاب الكلام، حديث رقم (٢٠) . ورواه مسلم في صحيحه (٣/١٣٤٠) كتاب الأقضية، حديث رقم (١٧١٥) .
(٢) - رواه البخاري في صحيحه المطبوع مع فتح الباري (١٣/١٨٠) كتاب الأحكام، حديث (٧١٨٨) . رواه مسلم في صحيحه المطبوع مع شرح النووي (٤/٢٠٥٤) كتاب العلم حديثرقم (٢٦٦٨) . .
(٣) - يراجع: النهاية في غريب الحديث والأثر (٤/٢٤٤)، باب (لدد) .
(٤) - سورة القصص: الآية٥٠.
(٥) - سورة الجاثية: الآية٢٣.
(٦) - سورة آل عمران: الآية١٠٥.
[ ٧٧ ]
وقال تعالى: ﴿وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿..وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ * مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ (٢)، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ (٣) .
وقال ﷺ: «افترقت اليهود على إحدى أو ثنتين وسبعين فرقة، وتفرقت النصارى على إحدى أو ثنتين وسبعين فرقة وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة» (٤) .
وفي رواية: «كلها في النار، إلا واحدة: وهي الجماعة» (٥)
فالنبي ﷺ قد أخبر عن وقوع الفرقة في أمته، وسبب هذا الافتراق هو مخالفة أهل الأهواء الضالة؛ كالقدرية، والخوارج، والروافض وأمثالهم؛ ما اتفق عليه أهل السنة والجماعة في أبواب العدل والتوحيد، والوعد والوعيد، والقدر والخير والشر، والإدارة والمشيئة، والرؤية والإدراك، وصفات الله ﷿ وأسمائه.. وغير ذلك، فسبب مفارقتهم لجماعة المسلمين هو إحداثهم للبدع التي ما أنزل الله بها من سلطان (٦) .
٦- ضلال الناس:
ومن آثار البدع: أن المبتدعة لا يقتصر ضلالهم على أنفسهم، وإنما يشيعونه بين الناس، ويدعون إليه قولًا وعملًا، بالحجة الباطلة والتأويل الزائغ والهوى المتسلط،
_________________
(١) - سورة الأنعام: الآية١٥٣.
(٢) - سورة الروم: الآية٣١-٣٢.
(٣) - سورة الأنعام: الآية١٥٩.
(٤) - رواه الإمام أحمد في مسنده (٢/٣٣٢) . ورواه أبو داود في سننه (٥/٤) كتاب السنة، حديث رقم (٤٥٩٦) واللفظ له. ورواه الترمذي في سننه (٤/١٣٤، ١٣٥) أبواب الإيمان، حديث (٢٧٧٨)، وقال: حديث حسن صحيح. ورواه ابن ماجه في سننه (٢/١٣٢١) كتاب الفتن حديث رقم (٣٩٩١) مختصرًا
(٥) - رواه ابن ماجه في سننه (٢/١٣٢٢)، كتاب الفتن، حديث رقم (٣٩٩٣)، وقال في الزوائد: إسناده صحيح، رجاله ثقات.
(٦) - يراجع: الفرق بين الفِرق ص (٤-٧) .
[ ٧٨ ]
فيتحملون إثمهم وإثم من عمل بهذه البدعة إلى يوم القيامة، قال تعالى: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ (١) الحديث (٢) .
والمبتدعة قد ألَّفُوا الفرق وجمعوا الجماعات، وساروا بهم في بدعهم بغير فهْم، فأول ما يظهر أهل البدع يكونون أفراد، ثم بعد ذلك يتجمع الناس حولهم مفتونين بهم، مدافعين عن ضلالهم، مشيعين ذلك بين الناس، وليس ثمة دليل لديهم إلا اتباع الظن وما تهوى الأنفس، وتقليد أئمتهم المبتدعة.
٧- الاستمرار في البدع وعدم الرجوع عنها:
ومن آثار البدع: أن صاحب البدعة إذا أصابه مرضها، لا يرجع عن بدعته، بل يستمر فيها، مبعدة إياه عن طريق الحق، حتى يصعب عليه الرجوع والتوبة، إلا من رحم الله، وقال ﷺ: «إن بعدي من أمتي، - أو سيكون بعدي من أمتي - قومًا يقرأون القرآن ولا يجاوز حلوقهم، يمرقون من الدين كما يرق السهم من الرمية، ثم لا يعودون فيه، هم شرار الخلق والخليقة» (٣) .
فصاحب البدعة لا توبة له عن بدعته، وإن خرج عنها فإنه يخرج إلى ما هو شر منها، أو يُظهر الخروج عنها ويصر عليها باطنًا، وعدم توبة صاحب البدعة لها أسباب، منها:
أن الدخول تحت التكاليف في الشريعة صعب على الأنفس؛ لأنه أمر مخالف للهوى، ومحاد للشهوات، فيثقل عليها جدًا، لأن الحق ثقيل، والنفس إنما تنشط بما يوافق هواها، لا بما يخالفه، وكل بدعة للهوى فيها مدخل؛ لأنها راجعة إلى نظر مخترعها وهواه، لا إلى نظر الشارع وحجته.
_________________
(١) - سورة النحل: الآية٢٥.
(٢) - رواه الإمام أحمد في مسند (٤/٣٥٧، ٣٥٩) . ورواه مسلم في صحيحه (٢/٧٠٥) كتاب الزكاة، حديث رقم (١٠١٧) . ورواه النسائي في سننه (٥/٧٦، ٧٧)، كتاب الزكاة، باب التحريض على الصدقة.
(٣) - رواه ابن ماجه في سننه (١/٦٠)، المقدمة، حديث رقم (١٧٠) . وحديث المارقين عن الدين متفق على صحته.
[ ٧٩ ]
أن المبتدع لابد له من تعلق بشبهة دليل، ينسبها إلى الشارع، ويدّعي أن ما ذكره هو مقصود الشارع فصار هواه مقصودًا بدليل شرعي في زعمه، فكيف يمكن الخروج من ذلك، وداعي الهوى مستمسك بأحسن ما يتمسك به؟ وهو الدليل الشرعي في الجملة.
أن المبتدع يزيد في الاجتهاد لينال في الدنيا التعظيم والمال والجاه، وغير ذلك من أصناف الشهوات، قال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا *الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ (١) .
وقال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ * وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ * تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً﴾ (٢)، فسبب ما داخل أنفسهم من الهوى يجد المبتدعة في ذلك الالتزام والاجتهاد، خفة ونشاط، يستسهلون به الصعب، ويرون أعمالهم أفضل من عمل غيرهم ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ (٣) .. (٤)