اتفق العلماء من السلف الصالح﵏- على أن الاحتفال بالمولد النبوي وغيره من المواسم غير الشرعية، أمر محدث مبتدع في الدين، ولم يؤثر ذلك عن النبي ﷺ، ولا عن أصحابة، ولا عن التابعين وتابعيهم، ولا علماء الأمة المشهورين؛ كالأئمة الأربعة ونحوهم.
وسنذكر فيما يلي بعض أقوال السلف الصالح في هذا الشأن، ملحقين بها أقوال بعض المتأخرين من علماء الأمة:
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (وأما اتخاذ موسم غير المواسم الشرعية كبعض ليالي شهر ربيع الأول، التي يقال إنها المولد، أو بعض ليالي رجب، أو ثامن عشر ذي الحجة، أو أول جمعة من رجب، أو ثامن شوال الذي يسميه الجهال عيد الأبرار، فإنها من البدع التي لم يستحبها السلف، ولم يفعلوها، والله ﷾ أعلم) (١) ا. هـ.
وقال - أيضًا - في «اقتضاء الصراط المستقيم»: «فصل. ومن المنكرات في هذا الباب: سائر الأعياد والمواسم المبتدعة، فإنها من المنكرات المكروهات سواء بلغت الكراهة التحريم، أو لم تبلغه؛ وذلك أن أعياد أهل الكتاب والأعاجم نهي عنها؛ لسببين:
أحدهما: أن فيها مشابهة الكفار.
والثاني: أنها من البدع. فما أحدث من المواسم والأعياد هو منكر، وإن لم يكن فيها مشابهة لأهل الكتاب؛ لوجهين:
أحدهما: أن ذلك داخل في مسمى البدع والمحدثات، فيدخل فيما رواه مسلم
_________________
(١) - يراجع: مجموعة الفتاوى (٢٥/٢٩٨) .
[ ١٩٥ ]
في صحيحه عن جابر - ﵄ - قال: كان رسول الله ﷺ إذ خطب احمرت عيناه، وعلا صوته، واشتد غضبه، حتى كأنه منذر جيش يقول صبحكم ومساكم، ويقول: «بُعثت أنا والساعة كهاتين - ويقرن بين أصبعيه: السبابة والوسطى - ويقول: «أما بعد، فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة» (١) وفي رواية للنسائي: «وكل بدعة ضلالة في النار» (٢)
وفيما رواه مسلم - أيضًا - في الصحيح عن عائشة - ﵂ - عن النبي ﷺ أنه قال: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد» (٣) . وفي لفظ في الصحيحين: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» (٤) .
وفي الحديث الصحيح الذي رواه أهل السنن عن العرباض بن سارية عن النبي ﷺ أنه قال: «إنه من يعش منكم فسير اختلافًا كثيرًا فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، تمسكوا بها، وعضُّو عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة» (٥) .
_________________
(١) - رواه مسلم في صحيحه (٢/٥٩٢) كتاب الجمعة، حديث (٨٦٧)، ولفظه: «خير الحديث كتاب الله» ورواه ابن ماجه (١/١٧) المقدمة، حديث رقم (٤٥)، ولفظه: «خير الأمور كتاب الله»
(٢) - رواه النسائي في سننه (٣/١٨٨، ١٨٩) كتاب صلاة العيدين، باب كيف الخطبة.
(٣) - ورواه مسلم في صحيحه (٣/١٣٤٣، ١٣٤٤) كتاب الأقضية، حديث رقم (١٧١٨) .
(٤) - رواه البخاري في صحيحه المطبوع مع فتح الباري (٥/٣٠١) كتاب الصلح، حديث رقم (٢٦٩٧) . ورواه مسلم في صحيحه (٣/١٣٤٣) كتاب الأقضية، حديث رقم (١٧١٨) .
(٥) - رواه الإمام أحمد في مسنده (٤/١٢٧) . ورواه أبو داود في سننه (٥/١٣- ١٥) كتاب السنة والحديث رقم (٤٦٠٧)، ورواه الترمذي في سننه (٤/ ١٤٩-١٥٠) . أبواب العلم، حديث رقم (٢٨١٦) وقال حديث حسن صحيح، ورواه ابن ماجه في سننه (١/ ١٥، ١٦)، المقدمة حديث رقم (٤٢) . ورواه الحاكم في المستدرك (١/٩٥، ٩٦) كتاب العلم، وقال حديث صحيح ليس له علَّة، ووافقه الذهبي.
[ ١٩٦ ]
وهذه قاعدة قد دلت عليها السنة والإجماع، مع ما في كتاب الله من الدلالة عليها أيضًا. قال الله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ ﴾ (١) . فمن ندب إلى شيء يتقرب به إلى الله أو أوجبه بقوله أو بفعله، من غير أن يشرعه الله، فقد شرع من الدين ما لم يأذن به الله، ومن اتبعه في ذلك فقد اتخذ شريكًا لله، شرع من الدين ما لم يأذن به الله (٢)
إلى أن قال-والكلام في ذم البدع لما كان مقررًا في غير هذا الموضوع لم نطل النفس في تقريره، بل نذكر بعض أعيان هذه المواسم:
فصل: قد تقدم أن العيد يكون اسمًا لنفس المكان، ولنفس الزمان، ولنفس الاجتماع، وهذه الثلاثة قد أحدث منها أشيًا:
أما الزمان فثلاثة أنواع، ويدخل فيها بعض أعياد المكان والأفعال:
أحدها: يوم لم تعظمه الشريعة الإسلامية أصلاُ، ولم يكن له ذكر في السلف ولا جرى فيه ما يوجب تعظيمه، مثل: أول خميس من رجب، وليلة تلك الجمعة التي تسمى الرغائب (٣) .
النوع الثاني: ما جرى فيه حادثة كما كان يجري في غيره، من غير أن يوجب ذلك جعله موسمًا، ولا كان السلف يعظمونه: كثامن عشر ذي الحجة (٤) الذي خطب النبي ﷺ فيه بغدير خم (٥) مراجعة من حجة الوداع وكذلك ما يحدثه بعض الناس: إما مضاهاة للنصارى في ميلاد عيسى﵇-، وإما محبة للنبي ﷺ، والله قد يثيبهم على هذه المحبة والاجتهاد (٦)
لا على البدع - من اتخاذ مولد النبي ﷺ عيدًا مع
_________________
(١) - سورة الشورى: الآية٢١.
(٢) - يراجع: اقتضاء الصراط المستقيم (٢/٥٧٨، ٥٧٩) .
(٣) - سيأتي الكلام عن بدعة صلاة الرغائب من هذا الكتاب.
(٤) - سيأتي الكلام عن بدعة عيد غدير خم من هذا الكتاب.
(٥) - غدير خم: يقع بين مكة والمدينة بالجحفة، سيأتي الكلام عنها من هذا الكتاب.
(٦) - قال الشيخ محمد حامد الفقي في تعليقه على اقتضاء الصراط المستقيم لشيخ الإسلام ابن تيمية: (كيف يكون لهم ثواب على هذا؟ وهم مخالفون لهدى رسول الله ﷺ، ولهدي أصحابه، فإن قيل: لأنهم اجتهدوا فأخطأوا، فنقول: أي اجتهاد في هذا؟ وهل تركت نصوص العبادات مجالًا للاجتهاد؟ والأمر فيه واضح كل الوضوح، وما هو إلا غلبة الجاهلية وتحكم الأهواء، حملت الناس على الإعراض عن هدي رسول الله ﷺ إلى دين اليهود والنصارى والوثنيين وهل تكون محبة وتعظيم رسول الله ﷺ بالإعراض عن هديه وكرهه وكراهية ما جاء به من الحق لصلاح الناس من عند ربه، والمسارعة إلى الوثنية واليهودية والنصرانية؟ ومن هم أولئك الذين أحيوا تلك لأعياد الوثنية؟ . هل هم أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد أو غيرهم من أئمة الهدى - ﵃-؟ حتى يعتذر لهم ولأخطائهم. كلا. بل ما أحدث هذه الأعياد الشركية إلا العبيديون الذين أجمعت الأمة على زندقتهم وأنهم كانوا أكفر من اليهود والنصارى، وأنهم كانوا وبالًا على المسلمين، وعلى أيديهم وبدسائسهم، ومانفثوا في الأمة من سموم الصوفية الخبيثة انحرف المسلمون عن الصراط المستقيم، وكلام شيخ الإسلام نفسه يدل على خلاف مل يقول من إثابتهم إلخ. فليراجع. يراجع: تعليق على اقتضاء الصراط المستقيم لشيخ الإسلام ابن تيمية ص (٢٩٤، ٢٩٥) . وكذلك يراجع: الرد القوي للشيخ حمود التويجري ص (١٤٩-١٥٣)، والقول الفصل ص (٣٨، ١٠١، ١٠٤)، ولعل سبق قلم من الشيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ -، لاسيما وأنه لا أحد يستطيع إنكار جهود الشيخ في قمع البدع والتحذير منها ومحاربتها باللسان والقلم والسيف، وأنه من المبرزين في هذا المجال، والله أعلم.
[ ١٩٧ ]
اختلاف الناس في مولده، فإن هذا لم يفعله السلف مع قيام المقتضي له، وعدم المانع فيه لو كان خيرًا، ولو كان خيرًا محضًا أو راجحًا لكان السلف - ﵃- أحق به منا، فإنهم كانوا أشد محبة لرسول الله ﷺ وتعظيمًا له منا، وهم على الخير أحرص، وإنما كمال محبته وتعظيمه في متابعته، وطاعته واتباع أمره، وإحياء سنته باطنًا وظاهرًا، ونشر ما بعث به، والجهاد على ذلك بالقلب واليد واللسان، فإن هذه طريقة السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، والذين اتبعوهم بإحسان، وأكثر هؤلاء الذين تجدهم حرَّاصًا على أمثال هذه البدع-مع ما لهم فيها من حُسن القصد والاجتهاد الذي يرجى لهم بهما المثوبة (١) - تجدهم فاترين في أمر الرسول ﷺ عما أُمروا بالنشاط فيه، وإنما هم بمنزلة من يزخرف المسجد ولا يصلي فيه، أو يصلي فيه قليلًا، وبمنزلة من يتخذ المسابيح والسجادات المزخرفة، وأمثال هذه الزخارف الظاهرة التي لم تُشرع، ويصحبها من الرياء والكِبْر، والاشتغال عن المشروع ما يفسد حال صاحبها» (٢) ا. هـ.
_________________
(١) - يراجع تعليق الشيخ حمود التويجري في الرد القوي ص (١٤٩) .
(٢) - يراجع: اقتضاء الصراط المستقيم (٢/٦١٢، ٦١٦) .
[ ١٩٨ ]
وقال الشاطبي في «الاعتصام» بعد أن عرف البدعة بأنها: طريقة في الدين مخترعة تضاهي الشرعية يقصد بالسلوك عليها المبالغة في التعبد لله سبحانه: (وقوله في الحد: [تضاهي الشرعية]، يعني: أنها: أنها تشابه الطريقة الشرعية، من غير أن تكون في الحقيقة كذلك، بل هي مضادة لها من أوجه متعددة، منها: وضع الحدود كالناذر للصيام قائمًا لا يقعد، ضاحيًا لا يستظلّ والاختصاص في الانقطاع للعبادة، والاقتصاد من المأكل والملبس على صنف من غير علَّة.
ومنها: التزام الكيفيات والهيئات المعينة، كالذكر بهيئة الاجتماع على صوت واحد، واتخاذ يوم ولادة النبي ﷺ عيدًا، وما أشبه ذلك إلخ) (١) ا. هـ.
وقال ابن الحاج في «المدخل»: (فصل في المولد: ومن جملة ما أحدثوه من البدع، مع اعتقادهم أن ذلك من أكبر العبادات، وأظهر الشعائر ما يفعلونه في شهر ربيع الأول من المولد، وقد احتوى على بدع ومحرمات جملة.
فمن ذلك: استعمالهم المغاني، ومعهم آلات الطرب من الطار المصرصر (٢) والشبابة (٣) وغيرهم ذلك، مما جعلوه آلة السماع، فانظر - رحمنا الله وإياك - إلى مخالفة السنة المطهرة ما أشنعها وأقبحها، وكيف تجر إلى المحرمات، ألا ترى أنهم لما خالفوا السنة المطرة، وفعلوا المولد، لم يقتصروا على فعله، بل زادوا عليه ما تقدم ذكره من الأباطيل المتعددة، فالسعيد السعيد من شدَّ يده على امتثال الكتاب والسنة
_________________
(١) - يراجع: الاعتصام (١/٣٩) .
(٢) - الطار المصرصر: أي المشدود. يراجع: لسان العرب (٤/٤٥٠-٤٥٥) .
(٣) - الشبابة - بالتشديد: قصبة الزمر المعروفة. (مولد) . يراجع: شفاء الغليل لما في كلام العرب من الدخيل ص (١٥٦) .
[ ١٩٩ ]
والطريق الموصلة إلى ذلك، وهي اتباع السلف الماضين - رضوان الله عليهم أجمعين -؛ لأنهم أعلم بالسنة منَّا، إذ هم أعرف بالمقال، وأفقه بالحال) ا. هـ (١) .
وقال الشيخ تاج الدين عمر بن علي اللخمي المشهور بالفاكهاني - بعد حمد الله والثناء عليه بما هو أهل له، والصلاة والسلام على نبيا محمد عبد الله ورسوله وآله وصحبه أجمعين: (أما بعد، فإنه تكرر سؤال جماعة من المباركين عن الاجتماع الذي يعمله بعض الناس في شهر ربيع الأول ويسمونه المولد، هل له أصل في الشرع؟ أو هو بدعة وحدث في الدين؟ وقصدوا الجواب عن ذلك مبينًا، والإيضاح عنه معينًا، فقلت وبالله التوفيق:
لا أعلم لهذا المولد أصلًا في الكتاب ولا سنة، ولا ينقل (٢) عمله عن أحد من علماء الأمة، الذين هم القدوة في الدين، المتمسكون بآثار المتقدمين، بل هو بدعة أحدثها البطالون (٣)، وشهوة نفس اعتنى بها الأكَّالُون، بدليل أنا إذا أدرنا عليه الأحكام الخمسة قلنا: إما أن يكون واجبًا، أو مندوبًا، مباحًا، أو مكروهًا، أو محرمًا، وليس بواجب إجماعًا، ولا مندوبًا؛ لأنَّ حقيقة المندوب ما طلبه الشرع من غير ذم على تركه، وهذا لم يأذن فيه الشرع، ولا فعله الصحابة ولا التابعون ولا العلماء المتدينون فيما علمت، وهذا جوابي عنه بين يدي الله تعالى إن عنه سئلت، ولا جائز أن يكون مباحًا؛ لأن الابتداع في الدين ليس مباحًا بإجماع المسلمين، فلم يبق إلا أن يكون مكروهًا أو
_________________
(١) - يراجع: المدخل (٢/٢-١٠) .
(٢) - هكذا وردت في كتاب الحاوي (١/١٩٠) . لعل صحة العبارة - والله أعلم -: (ولم ينقل) .
(٣) - البطالون: جمع بطال، ورجل بطال: ورجل بطال: ذو باطل، وباطل بين البطول. والتبطل: فعل البطالة: وهواتباع اللهو والجهالة. يراجع لسان العرب (١١/٥٦) مادة (بطل) .
[ ٢٠٠ ]
حرامًا وحينئذٍ يكون الكلام فيه في فصلين والتفرقة بين حالين:
* أحدهما: أن يعمله رجل من عين ماله لأهله وأصحابه وعياله، لا يجاوزون في ذلك الاجتماع على أكل الطعام، ولا يقترفون شيئًا من الآثام، وهذا الذي وصنفاه بأنه بدعة مكروهة وشناعة؛ إذا لم يفعله أحد من متقدمي أهل الطاعة، الذي هم فقهاء الإسلام، وعلماء الأنام، سُرُج الأزمنة، وزين الأمكنة.
* والثاني: أن تدخله الجناية، وتقوى به العناية، حتى يعطي أحدهم الشيء ونفسه تتبعه، وقلبه يؤلمه ويوجعه، لما يجد من ألم الحيف، وقد قال العلماء: أخذ المال بالحياء كأخذ بالسيف. لاسيما إذا انضاف إلى ذلك شيء من الغناء، مع البطون الملأى، بآلات الباطل من الدفوف والشبابات، واجتماع الرجال مع الشباب المرد، والنساء الفاتنات، إما مختلطات بهم أو مشرفات، والرقص بالتثني والانعطاف، والاستغراق في اللهو ونسيان يوم المخالف، وكذلك النساء إذا اجتمعن على انفرادهنَّ رافعات أصواتهم بالتهنيك (١) والتطريب في الإنشاد، والخروج في التلاوة والذكر عن المشروع والأمر المعتاد، غافلات عن قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ (٢) .
وهذا الذي لا يختلف في تحريمه اثنان، ولا يستحسنه ذوو المروءة الفتيان، وإنما يحلو ذلك لنفوس موتى القلوب، وغير المستقلين من الآثام والذنوب، وأزيدك أنهم يرونه من العبادات، لا من الأمور المنكرات المحرمات، فإنَّا لله وإنا إليه راجعون. «بدأ الإسلام غريبًا وسيعود كما بدأ » (٣) . هذا مع أن الشهر الذي ولِدَ فيه ﷺ- وهو ربيع الأول- هو بعينه الشهر الذي تُوفي فيه، فليس الفرح فيه بأولى من الحزن فيه، وهذا ما علينا أن نقول ومن الله تعالى نرجو حُسن القبول) ا. هـ (٤) .
_________________
(١) - هكذا وردت في الأصل، وربما في الكلمة تصحيف أو خطأ مطبعي، ولعل المراد: التنهيك من النهك: وهو المبالغة في الشيء. يراجع: لسان العرب (١٠/٥٠٠، ٥٠١) مادة (نهك) - والله أعلم.
(٢) - سورة الفجر:١٤.
(٣) - هذا حديث رواه الإمام أحمد في مسنده (١/٣٩٨) . ورواه مسلم في صحيحه (١/١٣٠) كتاب الإيمان، حديث رقم (١٤٥) . ورواه الترمذي في سننه (٤/١٢٩) أبواب الإيمان، حديث رقم (٢٧٦٤)، وقال: وهذا حديث حسن غريب صحيح. ورواه ابن ماجه في سننه (٢/١٣٢٠) كتاب الفتن، حديث رقم (٣٩٨٨) .
(٤) - يراجع: الحاوي للسيوطي (١/١٩٠-١٩٢) .
[ ٢٠١ ]
وقال محمد عبد السلام خضر الشقيري في كتابه «السنن والمبتدعات»: (في شهر ربيع الأول وبدعة المولد فيه: لا يختص هذا الشهر بصلاة ولا ذكر ولا عبادة ولا نفقة ولا صدقة، ولا هو موسم من مواسم الإسلام كالجمع والأعياد التي رسمها لنا الشارع - صلوات الله وتسليماته عليه، وعلى سائر إخوانه من الأنبياء والمرسلين -، ففي هذا الشهر ولِد ﷺ، وفيه تُوفي، فلماذا يفرحون بميلاده ولا يحزنون لوفاته؟! فاتخاذ مولده موسمًا، والاحتفال به بدعة منكرة، وضلالة لم يرد بها شرع ولا عقل، ولو كان في هذا خير فكيف يغفل عنه أبو بكر وعمر وعثمان وعلي - رضوان الله عليهم -، وسائر الصحابة والتابعين وتابعيهم، والأئمة وأتباعهم؟ لا شك أن ما أحدثه المتصوفون الأكَّالون البطَّالُون أصحاب البدع، وتبع الناس بعضهم بعضًا فيه إلا من عصمه الله، ووفقه لفهم حقائق الإسلام، ثم أي فائدة تعود، وأي ثواب في هذه الأمور الباهظة، التي تعلق بها هذه التعاليق، وتنصب بها هذه السرادقات، وتضرب بها الصواريخ؟ وأي رضا لله في اجتماع الرقاصين والرقاصات والطبالين والزمَّارين، واللصوص والنشالين، والحاوي والقرادتي (١)، وأي خير في اجتماع ذوي العمائم الحمراء والخضراء والصفراء والسوداء، أهل الإلحاد في أسماء الله، والشخير والنخير والصفير بالغابة، والدقّ بالبازات والكاسات، والشهيق والنعيق [بأح أح يا ابن المرة، أم أم، أن أن، سابينها يا رسول الله، يا صاحب الفرح المدا آد يا عم يا عم اللّع اللْع] (٢)
كالقرود، ما فائدة هذا كله؟! فائدته سخرية الإفرنج بنا وبديننا،
_________________
(١) - لأن اجتماع هؤلاء يعتبر من مراسم الاحتفال بالموالد عمومًا، فعلى ماذا يدل اجتماع هؤلاء العصاة وربما الكفرة؟؟. يراجع: تاريخ الحبرتي (١/٣٠٤) ترجمة عبد الوهاب العفيفي المتوفى سنة ١١٧٢هـ. ذكر فيها ما يفعلونه في مولده، وهو مشابه لما ذكره الشقيري في كتابه مما يدل على أن ذلك أمر متفق عليه عند المتخلفين بالموالد منذ دهر طويل.
(٢) - لعل هذه العبارات الغريبة مما يردده هؤلاء الصوفية في موالدهم، وبعض مفرداتها واضح المعنى، وبعضها غريب.
[ ٢٠٢ ]
وأخذ صور هذه الجماعات لأهل أوروبا، فيفهمون أن محمدًا ﷺ - حاشاه حاشاه - كان كذلك هو وأصحابه، فإنا للهِ وإنا إليه راجعون.
ثم هو خراب ودمار، فوق ما فيه الناس من فقر وجوع وجهل وأمراض، فلماذا لا ننفق هذه الأموال الطائلة في تأسيس
مصانع يعمل فيها الألوف من العاطلين؟ أو لماذا لا ننفق هذه النفقات الباهظة في إيجاد آلات حربية نقاوم بها أعداء الإسلام
والأوطان؟ وكيف سكت العلماء على هذا البلاء والشر، بل وأقروه؟ ولماذا سكتت الحكومة الإسلامية على هذه المخازي
وهذه النفقات التي ترفع البلاد إلى أعلى عليين؟ فإما أن يزيلوا هذا المنكر وإما وصمتهم بالجهالة) ا. هـ (١) .
وقال الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ في جواب على سؤال عن حكم الاحتفال بمولد النبي ﷺ، وهل فعله أحد من أصحابه أو التابعين وغيرهم من السلف الصالح:
(لا شك أن الاحتفال بمولد النبي ﷺ من البدع المحدثة في الدين، بعد أن انتشر الجهل في العالم الإسلامي، وصار للتضليل والإضلال، والوهم والإيهام مجال عميت فيه البصائر، وقوي فيه سلطان التقليد الأعمى، وأصبح الناس في الغالب لا يرجعون إلى ما قام الدليل على مشروعيته، وإنما يرجعون إلى ما قاله فلان وارتضاه علان، فلم يكن لهذه البدعة المنكرة أثر يذكر لدى أصحاب رسول الله ﷺ، ولا لدى التابعين، وتابعيهم، وقد قال ﷺ: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، تمسكوا بها، وعضُّو عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة» (٢)
. وقال - ﵇ - أيضًا-: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» (٣) . وفي رواية: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد» (٤) .
وإذا كان مقصدهم من الاحتفال بالمولد النبوي تعظيم رسول الله ﷺ، وإحياء
_________________
(١) -يراجع: السنن والمبتدعات ص (١٤٣) .
(٢) - رواه الإمام أحمد في مسنده (٤/١٢٦، ١٢٧) . ورواه أبو داود في سننه المطبوع مع شرحه عون المعبود (١٢/٣٥٨- ٣٦٠) كتاب الفتن، واللفظ له. ورواه الترمذي في سننه المطبوع مع شرحه تحفة الأحوذي (٧/ ٤٣٨-٤٤٢) . وقال هذا حديث حسن صحيح، باب الأخذ بالسنة واجتناب البدعة. ورواه ابن ماجه في سننه (١/ ١٥، ١٦)، المقدمة.
(٣) - رواه البخاري في صحيحه المطبوع مع فتح الباري (٥/٣٠١) كتاب الصلح، حديث رقم (٢٦٩٧) . ورواه مسلم في صحيحه (٣/١٣٤٣) كتاب الأقضية، حديث رقم (١٧١٨) .
(٤) - ورواه مسلم في صحيحه (٣/١٣٤٣، ١٣٤٤) كتاب الأقضية، حديث رقم (١٧١٨) .
[ ٢٠٣ ]
ذكره، فلا شك أن تعزيره (١) وتوقيره يحصل بغير هذه الموالد المنكرة، وما يصاحبها من مفاسد وفواحش ومنكرات، قال الله تعالى: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ (٢) . فذكره مرفوع في الأذان والإقامة، والخطب والصلوات، وفي التشهد والصلاة عليه في الدعاء وعند ذكره، فلقد صح عنه ﷺ أنه قال: «البخيل من ذُكرت عنده فلم يصل علي» (٣) .
وتعظيمه يحصل بطاعته فيما أمر، وتصديقه فيما أخبر، واجتناب ما نهى عنه وزجر، وألاَّ يُعبد الله إلا بما شرع.
فهو أجل من أن تكون ذكراه سنوية فقط، ولو كان هذه الاحتفالات خيرًا نحضًا، أو راجحًا لكان السلف الصالح - ﵃ - أحق بها منا، فإنهم كانوا أشدّ منا محبة وتعظيمًا لرسول الله ﷺ، وهم على الخير أحرص، ولكن قد لا يتجاوز أمر أصحاب هذه الموالد ما ذكره بعض أهل العلم: من أن الناس إذا اعترتهم عوامل الضعف والتخاذل والوهن، راحوا يعظمون أئمتهم بالاحتفالات الدورية، دون ترسم مسالكهم المستقيمة؛ لأن تعظيمهم هذا لا مشقة على فيه النفس الضعيفة، ولا شك أن التعظيم الحقيقي هو طاعة المعظم، والنصح له، والقيام بالأعمال التي يقوم بها أمره، ويعتز بها دينه، إن كان رسولًا، وملكه إن كان ملكًا.
وقد كان السلف الصالح أشد ممن بعدهم تعظيمًا للنبي ﷺ، ثم للخلفاء الراشدين من بعده، وناهيك ببذل أموالهم وأنفسهم في هذا السبيل، إلا أن تعظيمهم رسول الله ﷺ وخلفاءه الراشدين، لم يكن كتعظيم أهل هذه القرون المتأخرة، ممن ضاعت منهم طريقة السلف الصالح في الاهتداء والاقتداء، وسلكوا طريق الغواية والضلال في مظاهر التعظيم الأجوف، ولا ريب أن الرسول ﷺ أحقّ الخلق بكل تعظيم يناسبهم، إلاَّ أنه ليس من تعظيمه أن نبتدع في دينه بزيادة أو نقص، أو تبديل أو تغيير لأجل تعظيمه به، كما أنه ليس من تعظيمه﵊ - أن نصرف له شيئًا مما لا
_________________
(١) - كلمة التعزير مأخوذة من قوله تعالى: ﴿) لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ (الفتح:٩) . وقوله تعالى: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (لأعراف: من الآية١٥٧)
(٢) - سورة الشرح:٤.
(٣) - رواه الإمام أحمد في مسنده (١/٢٠١) . ورواه الترمذي في سننه (٥/٢١١) أبواب الدعوات، حديث رقم (٣٦١٤)، وقال: هذا حديث حسن غريب صحيح.
[ ٢٠٤ ]
يصلح لغير الله من أنواع التعظيم والعبادة
والخلاصة: أن الاحتفال بالمولد من البدع المنكرة، وقد كتبنا فيها رسالة مستقلَّة فيها مزيد تفصيل والله ولي التوفيق) ا. هـ (١) .
فمن خلال هذه الشواهد من آثار السلف الصالح، ومن على نهجهم، يتبين لنا أنهم اتفقوا على أن الاحتفال بالمولد النبوي بدعة محدثة، لم تؤثر على الرسول ﷺ، ولا عن أحد من أصحابه- رضوان الله عليهم -، ولا عن التابعين وتابعيهم ومن تبعهم من الأئمة الأعلام من سلفنا الصالح- رحمة الله عليهم.
والبدعة مهما عمل الناس بها، ومهما مرَّت عليها الأزمنة والعصور، ومهما عمل بها أو رضي بها من يدَّعي العلم، لا يمكن أن تكون في يوم من الأيام سنَّة يؤجر على فعلها.
والذين يحتفلون بهذه الموالد قد آثروا أقوال علماء الغواية والجهالة على كتاب الله وسنة رسوله ﷺ، وإن استشهدوا بهما فهم يؤولون معانيهما على ما يوافق شهواتهم وهوى أنفسهم، ويدلُّ على ذلك تعصبهم لأقوال مشايخهم الذي ضلُّوا وأضلُّوا، ولو كانوا يبحثون عن الحق، لسألوا أهل العلم واستفسروا منهم، وفحصوا الأدلة والبراهين، وإذا اتضح لهم الطريق المستقيم اتبعوه، ولكن المكابرة سلاح الجاهل يطعن به نفسه.
وصدق الله العظيم القائل في محكم كتابه: ﴿وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ* وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ * وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ* أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ
_________________
(١) - يراجع: فتاوى ورسائل الشيخ محمد بن لإبراهيم (٣/٥٤-٥٦) . وللشيخ - ﵀ - ورسائل كثيرة في إنكار بدعة المولد، بعضها مطول، وبعضها مختصر، فلتراجع في الجزء الثالث من الفتاوى. وممن كتب أيضًا في إنكار بدعة المولد الشيخ عبد الله بن محمد بن حميد - ﵀ - وذلك في رسالة لطيفة، وكذلك الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز - ﵀ - وذلك من خلال الصحف والمجلات، وله رسائل مطبوعة في هذا الموضوع إلى غير هؤلاء من العلماء الذين لا يتسع المجال لذكر كتاباتهم التي جاءت على شكل ردود على القائلين بشرعية الاحتفال بالمولد النبوي.
[ ٢٠٥ ]
يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ * إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ (١) .
والقائل ﷾: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالًا بَعِيدًا *وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا * فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا *أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا * وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا* فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (٢) .
والقائل - أيضًا -في محكم كتابه: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ (٣) .
وهل قام الذين يحتفلون بالموالد بكل تعاليم الإسلام كبيرها وصغيرها من الأركان والفروض والواجبات والسنن، حتى يبحثوا عن بدعة حسنة- كما يزعمون- رغبة في زيادة الأجر والثواب من الله؟! الله أكبر!!!.
نسأل الله للجميع الهداية والتوفيق إلى صراطه المستقيم، وأن يرينا الحق حقًا ويرزقنا اتباعه، والباطل باطلًا ويرزقنا اجتنابه إنه ولي ذلك والقادر عليه، والله أعلم.
_________________
(١) - سورة النور والآيات:٤٧- ٥٢.
(٢) - سورة النساء الآيات:٦٠- ٦٥.
(٣) - سورة النساء:١١٥.
[ ٢٠٦ ]
الفصل الرابع