اختلف العلماء في تحديد معنى البدعة في الاصطلاح، فمنهم من جعلها مقابل السنة، ومنهم من جعلها عامة تشمل كل ما حدث بعد عصر الرسول ﷺ سواء كان محمودًا أو
_________________
(١) -سورة البقرة: الآية١١٧.
(٢) - رواه مسلم في صحيحه (٣/١٥٠٦)، كتاب الإمارة، حديث رقم (١٨٩٣) .
(٣) - يراجع: لسان العرب، لابن منظور: مادة (بدع) (٨/٦- ٨) .
(٤) - يراجع: كتاب البدعة، للدكتور عزة عطية ص (١٥٧) .
[ ١٨ ]
مذمومًا، ونبين ذلك فيما يلي:
القول الأول:
أن كل ما حدث بعد عصر الرسول الله ﷺ فهو بدعة، سواء كان محمودًا أو مذمومًا. وقال به الشافعي، والعز بن عبد السلام، والقرافي، والغزالي في الإحياء، وابن الأثير في النهاية في غريب الحديث والأثر (١)، والنووي في شرح
_________________
(١) - يُراجع النهاية في غريب الحديث والأثر (١/١٠٦، ١٠٧) .
[ ١٩ ]
صحيح مسلم (١) .
قال الإمام الشافعي - ﵀ - فيما روي عن حرملة بن يحي قال: سمعت الإمام الشافعي - ﵀ - يقول: (البدعة بدعتان: بدعة محمود وبدعة مذمومة، فما وافق السنة فهو محمود، وما خالف السنة فهو مذموم) (٢) .
وقال العز بن عبد السلام في تعريف البدعة هي: (فعل ما لم يعهد في عهد رسول الله ﷺ) (٣) .
وقد اعتمدوا في ذلك على ما ورد عن عمر بن الخطاب - ﵁ - حيث قال
_________________
(١) - يُراجع: شرح مسلم للنووي (٦/١٥٤، ١٥٥) .
(٢) - يُراجع: حلية الأولياء، لأبي نعيم (٩/١١٣)، ويراجع - أيضًا -: فتح الباري (١٣/٢٥٣) .
(٣) - يراجع: قواعد الأحكام (٢/١١٣) .
[ ٢٠ ]
في صلاة التراويح: «نعم البدعة هذه» (١) .
القول الثاني:
أن البدعة لا تطلق على ما خالف السنة
وبه قال الشاطبي، وابن حجر العسقلاني، وابن حجر الهيتمي، وابن رجب الحنبلي،
_________________
(١) - رواه البخاري في صحيحه المطبوع مع فتح الباري (٤/٢٥٠) كتاب صلاة التراويح، حديث (٢٠١٠) . ورواه مالك في الموطأ (١/١١٤) بلفظ: نعمت البدعة هذه» .
[ ٢١ ]
وشيخ الإسلام ابن تيمية، والزركشي.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ -: (وقد قررنا في قاعدة السنة والبدعة: أن البدعة في الدين هي ما لم يشرعه الله ورسوله، وهو ما لم يأمر به أمر إيجاب ولا استحباب، فأما ما أمر به أمر إيجاب أو استحباب، وعلم الأمر به بالأدلة الشرعية: فهو من الدين الذي شرعه الله، وإن تنازع أولو الأمر في بعض ذلك. وسواء كان هذا مفعولًا على عهد النبي ﷺ أو لم يكن. فما فعل بعده بأمره؛ من قتال المرتدين، والخوارج (١) المارقين، وفارس، والترك، والروم، وإخراج اليهود والنصارى من
_________________
(١) - الخوارج: هم أول من فارق جماعة المسلمين من أهل البدع المارقين، القائلون بتكفير عثمان وعلي -﵄ -، ويقدمون ذلك على كل طاعة، وكذلك تكفير الحكمين، وكل من رضي بالتحكيم، ويكفّرون أصحاب الكبائر، ويرون الخروج على الإمام إذا خالف السنة حقًا واجبًا، وينقسمون إلى عدة فرق. يُراجع: الفرق بين الفرق للبغدادي ص (٥٥)، والملل والنحل للشهرستاني ص (١١٤- ١٣٧)، ومجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (٣/٣٤٩) .
[ ٢٢ ]
جزيرة العرب، وغير ذلك - هو من سنته (١) .
وقال الشاطبي في تعريف البدعة: (البدعة طريقة في الدين مخترعة تضاهي الشرعية، يقصد بالسلوك عليها المبالغة في التعبد لله سبحانه) .
وهذا على رأي من لا يدخل العادات في معنى البدعة، وإنَّما يخصّها بالعبادات.
وأما على رأي من أدخل الأعمال العادية في معنى البدعة فيقول: (البدعة طريقة في الدين مخترعة تضاهي الشرعية، يقصد بالسلوك عليها ما يقصد بالطريقة الشرعية) (٢) .
أدلة أصحاب القول الثاني:
أ- من السنة:
ما رواه جابر بن عبد الله - ﵄- قال: كان رسول الله ﷺ إذا خطب احمرت عيناه، وعلا وصوته، واشتد غضبه، حتى كأنه منذر جيش يقول «صبحكم ومساكم»، ويقول: «بعثت أنا والساعة كهاتين»، ويقرن بين أصبعيه السبابة والوسطى، ويقول: «أما بعد: فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة»، ثم يقول: «أنا أولى بكل مؤمن من نفسه، من ترك مالًا فلأهله، ومن ترك دينًا أو ضياعًا فإلي وعلي» (٣) .
ما رواه ابن مسعود - ﵁ - مرفوعًا وموقوفًا أنه كان يقول: «إنما هما اثنتان الكلام
_________________
(١) - يُراجع: مجموعة الفتاوى (٤/١٠٧، ١٠٨) .
(٢) - يُراجع: الاعتصام للشاطبي (١/٣٧) .
(٣) - رواه مسلم في صحيحه المطبوع مع شرح النووي (٦/١٥٣-١٥٤)، كتاب الجمعة. ورواه النسائي في سننه (٣/١٨٩)، كتاب صلاة العيدين. ورواه ابن ماجه في سننه (١/١٧)، المقدمة.
[ ٢٣ ]
والهدي، فأحسن الكلام كلام الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ألا وإياكم ومحدثات الأمور، فإن شر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلاله» (١)
ما رواه العرباض بن سارية - رض الله عنه - قال: صلى بنا رسول الله ﷺ ذات يوم، ثم أقبل علينا فوعظنا موعظة بليغة ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب، فقال قائل: يا رسول الله! كأن هذه موعظة مودع فماذا تعهد إلينا؟ فقال: «أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة، وإن عبدًا حبشيًا، فإنه من يعش منكم فسير اختلافًا كثيرًا فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، تمسكوا بها، وعضُّو عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة» (٢)
ب- ومن الآثار:
ما ورد عن ابن العباس - ﵄ - أنه قال: «ما أتى على الناس عام، إلا
_________________
(١) - رواه ابن ماجه في سننه مرفوعًا إلى النبي ﷺ (١/١٨) المقدمة. وفي سنده عبيده بن ميمون الدني، قال ابن حجر: مستور. تقريب التهذيب (١/٥٤٥) .
(٢) - رواه الإمام أحمد في مسنده (٤/١٢٦، ١٢٧) . ورواه أبو داود في سننه المطبوع مع شرحه عون المعبود (١٢/٣٥٨- ٣٦٠) كتاب الفتن، واللفظ له. ورواه الترمذي في سننه المطبوع مع شرحه تحفة الأحوذي (٧/ ٤٣٨-٤٤٢) . وقال هذا حديث حسن صحيح، باب الأخذ بالسنة واجتناب البدعة. ورواه ابن ماجه في سننه (١/ ١٥، ١٦)، المقدمة.
[ ٢٤ ]
أحدثوا فيه بدعة، وأماتوا فيه سنَّة، حتى تحيا البدع وتموت السنن» (١) .
وورد عن ابن مسعود - ﵁ - أنه قال: «اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كُفيتم» (٢) .
فما تقدم من الأحاديث والآثار، يدلُّ على أنَّ البدعة لم ترد في الشرع إلا مذمومة.
فالراجح- والله أعلم - أن البدعة لا تطلق إلا على ما خالف السنة، فليس في البدع محمود.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ -: (واعلم أن هذه القاعدة وهي: الاستدلال بكون الشيء بدعة على كراهته، قاعدة عامة عظيمة، وتمامها بالجواب عما يعارضها، وذلك أن من الناس من يقول: البدع تنقسم إلى قسمين: حسنة، وقبيحة. بدليل قول عمر ﵁ - في صلاة الترويح: «نعمت البدعة هذه» (٣) .
وهؤلاء المعارضون يقولون: ليست كل بدعة ضلالة.
والجواب: أما القول «أن شر الأمور محدثاتها، وأن كل بدعة ضلالة وكل ضلالة في
_________________
(١) - قال الهيثمي في مجمع الزوائد: «رواه الطبراني في الكبير ورجاله موثقون» . مجمع الزوائد (١/١٨٨)، باب في البدع والأهواء. ورواه ابن وضَّاح في كتاب البدع ص (٣٩) .
(٢) - قال الهيثمي في مجمع الزوائد: «رواه الطبراني في الكبير ورجاله رجال الصحيح» . مجمع الزوائد (١/١٨١)، باب الاقتداء بالسلف.
(٣) - رواه البخاري في صحيحه المطبوع مع فتح الباري (٤/٢٥٠) كتاب صلاة التراويح، حديث (٢٠١٠) . ورواه مالك في الموطأ (١/١١٤) بلفظ: نعمت البدعة هذه» .
[ ٢٥ ]
النار»، والتحذير من الأمور المحدثات: فهذا نصُّ رسول الله ﷺ، فلا يحل لأحد أن يدفع دلالته على ذمّ البدع، ومن نازع في دلالته فهو مراغم
(ولا يحلُّ لأحد أن يقابل هذه الكلمة الجامعة من رسول الله ﷺ، وهي قوله: «كل بدعة ضلالة» . بسلب عمومها، وهو أن يقال: ليست كل بدعة ضلالة، فإن هذا إلى مشاقة رسول الله ﷺ أقرب منه إلى التأويل) (١) .
فأمَّا صلاة الترويح فليست بدعة في الشريعة، بل سنة بقول رسول الله ﷺ وفعله في الجماعة. ولا صلاتها في الجماعة بدعة، بل هي سنة في الشريعة، بل قد صلاَّها رسول الله ﷺ في الجماعة، في أول شهر رمضان ثلاث ليال، وقال في الرابعة: «أمَّا بعد: فإنه لم يخف على مكانكم، ولكني خشيت أن تفرض عليكم فتعجزوا عنها» (٢) .
فعلَّل ﷺ عدم الخروج بخشية الافتراض، فعلم بذلك أن المقتضي للخروج قائم، وأنه لولا خوف الافتراض لخرج إليهم، فلما كان في عهد عمر بن الخطاب - ﵁ - جمعهم على قارئ واحد (٣)، وأسرج المسجد، فصارت هذه الهيئة، وهي اجتماعهم في المسجد وعلى إمام واحد مع الإسراج عملًا لم يكونوا يعملونه من قبل، فسُمِّي بدعة؛ لأنَّهُ في اللغة يسمى بذلك، ولم يكن بدعة شرعية؛ لأنَّ السنَّة اقتضت أنه عمل صالح، لولا خوف الافتراض، وخوف الافتراض زال بموته ﷺ، فانتفى المعارض (٤) .
وأما قولُ عمر﵁-: «نعمت البدعة هذه» فأكثر المحتجِّين بهذا لو أردنا أن نثبت حكمًا بقول عمر - ﵁- الذين لم يُخالف فيه، لقالوا: قول الصاحب ليس بحجة، فكيف يكون حجة لهم في خلاف قول رسول الله ﷺ، ومن اعتقد أن قول الصاحب حجَّة، فلا يعتقده إذا خالف الحديث.
_________________
(١) - يُراجع: اقتضاء الصراط المستقيم، لشيخ الإسلام ابن تيمية (٢/٥٨٢-٥٨٨)
(٢) - رواه البخاري في صحيحه المطبوع مع فتح الباري (٤/٢٥١) كتاب صلاة التراويح، حديث (٢٠١٢) وفي مواضع أخرى. ورواه مسلم في صحيحه (١/٥٢٤)، كتاب صلاة المسافرين، حديث رقم (٧٦١) (١٧٨) .
(٣) - وهو: الصحابي الجليل أبي بن كعب. يراجع: الموطأ (١/١١٤) .
(٤) - يُراجع: اقتضاء الصراط المستقيم، لشيخ الإسلام ابن تيمية (٢/٥٨٨-٥٩١)
[ ٢٦ ]
وتسمية عمر - ﵁- صلاة التراويح بدعة، تسمية لغوية، لا تسمية شرعية؛ لأن البدعة في اللغة تعم كل ما فعل ابتداءً من غير مثال سابق.
وأما البدعة الشرعية: فما لم يدل عليه دليل شرعي. فإذا كان نص رسول الله ﷺ قد دلَّ على استحباب فعل، أو إيجابه بعد موته، أو دلَّ عليه مطلقًا، ولم يعمل به إلا بعد موته ككتاب الصدقة الذي أخرجه أبو بكر - ﵁ -، فإذا عمل ذلك العمل بعد موته، صحَّ أن يسمى بدعة في اللغة؛ لأنَّه عمل مبتدأ، وكذلك صلاة التراويح، ومثلها جمع القرآن الكريم، ونفي عمر - ﵁ - ليهود خيبر (١) ونصارى نجران (٢)
، ونحوهما من جزيرة العرب (٣) .