أصل مادة (بدع) معناه الاختراع على غير مثالا سابق.
ومنه قوله تعالى: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ أي مخترعاهما لا عن مثال سابق متقدم. والبِدْع: الشيء الذي يكون أولًا، يقال: فلان بدع في هذا الأمر أي أولٌ لم يسبقه
[ ٩٧ ]
أحد. ومنه قوله تعالى: ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُل﴾ أي ما كنت أول رسول أرسل قد أرسل قبلي كثيرون١.
ومن هذا المعنى سميت البدعة بدعة، فإحداثها واستجراحها للسلوك عليها هو: الابتداع، وكيفيتها وهيئتها هي: البدعة.
وقد يسمى العمل المعمول على هذا الوجه أيضا بدعة.
تعريف البدعة:
البدعة شرعا: هي طريقة مخترعة في الدين تضاهي الطريقة الشرعية يقصد بالسلوك عليها التعبد لله تعالى.
شرح التعريف: (طريقة) الطريقة والطريق والسبيل والصراط والسنة ألفاظٌ معناها واحد وهو: ما رسم للسلوك عليه.
(مخترعة في الدين) محدثة فيه على غير مثال سابق من الشرع. خرج بهذا القيد كل ما يظهر لبادئ الرأي أنه مخترع مما له أصل في الشرع كجمع القرآن وتدوين السنن.
وإنما قيدت بالدين لأن البدعة تحدث في الدين وإليه يضيفها صاحبها وهو المبتدع، فلو كانت مخترعة في الأمور الدنيوية على الخصوص لم تسم بدعة كالمخترعات الحديثة وسائر مالا عهد به فيما تقدم من الزمان.
(تضاهي الطريقة الشرعية) أي تشابهها يقصد بالسلوك عليها ما يقصد بالطريقة الشرعية وهو: التعبد لله تعالى وفي الحقيقة هي مخالفة لظاهر الشريعة من جهة ضرب الحدود وتعيين الكيفيات والتزام الهيئات الخاصة أو الأزمنة المعينة مع الدوام ونحو ذلك كالذكر بهيئة الاجتماع على صوت واحد ورفع الأيدي في الدعاء جماعيا بعد الصلوات الخمس على الدوام واتخاذ يوم ولادة النبي - ﷺ - عيدا مضاهاة للنصارى في عيد ميلاد عيسى ﵇، وقد أحدث عيد الميلاد هذا في الإسلام بعد المائة السادسة من الهجرة لم يفعله السلف مع قيام المقتضى له وعدم المانع منه ولو كان هذا خيرا محضا أو راجحا لسبق إليه السلف من الصحابة والتابعين ﵃ فإنهم كانوا أشد محبة لرسول الله - ﷺ - وتعظيمًا له منا وهم على الخير أحرص وإنما كمال محبته ﷺ وتعظيمه في متابعته وطاعته وهي طريقة السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين تبعوهم بإحسان٢.
وكذلك صوم يوم النصف من
_________________
(١) ١ لسان العرب. ٢ اقتضاء الصراط المستقيم ص٢٩٤.
[ ٩٨ ]
شعبان وقيام ليلته. والحديث الذي رواه ابن ماجه في ذلك ضعيف جدا.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "فضل ليلة النصف من شعبان مختلف فيه بين أهل العلم من السلف والخلف وأما صوم يوم النصف مفردا فلا أصل له وكذلك ما أحدث في ليلة النصف من الاجتماع العام للصلاة الألفية في المساجد الجامعة ومساجد الأحياء مكروه لم يشرع. والحديث الوارد في الصلاة الألفية موضوع باتفاق أهل العلم بالحديث. وسميت بالصلاة الألفية لقراءة سورة الإخلاص فيها ألف مرة.
وكذلك صوم يوم أول خميس من رجب وقيام ليلة تلك الجمعة والصلاة فيها المعروفة عند الجهال بصلاة الرغائب المحدثة في الإسلام بعد المائة الرابعة من الهجرة. والحديث في ذلك أيضا موضوع.
والبدعة لو كانت لا تضاهي الأمور الشرعية ولا تشابهها لم تكن بدعة شرعا بل تصير من باب الأفعال العادية.
(يقصد بالسلوك عليها التعبد لله تعالى) هذا إتمام لمعنى البدعة إذ هو المقصود بابتداعها.
خرج بهذا القيد العادات، فكل ما أحدث مما لم يقصد به التعبد لا يسمى بدعة شرعًا. ومن سمى ذلك بدعة فهو إما ملبس على غيره أو جاهل بمواقع السنة والبدعة فلا يكون قوله معتدا به ولا معتمدا عليه.
والتعريف يشمل البدع التركية فإن من ترك شيئا من المطلوبات الشرعية تدينا فهو مبتدع قطعًا حيث تدين بضد ما شرعه الله تعالى.
وأما الترك إذا كان لغير التدين من كسل أو لتضييع أو نحو ذلك من الدواعي النفسية فلا يكون بدعة بل هو عائد إلى المخالفة للأمر فيكون التارك عاصيًا لمخالفة ما أمر الله تعالى به.
[ ٩٩ ]