وإذا كان القرآن والسنة النبوية، وما جاء عن سلف الأمة على رأسهم الصحابة قد دل على التحذير من البدع، وأن هذه الأمور التي ذكرناها آنفا بما فيها الاحتفال بالموالد دخيلة على الدين، فإن ثمة سؤالا مفاده ما هي الشُّبَه، والأدلة التي تشبث بها المبتلون بحب هذه البدع؟ والجواب على ذلك أن نقول: إن هذه الشُّبه لا تخرج عن أمرين -إما نصوص صحيحة يحرفون فيها الكلم عن مواضعه ويصرفونها عن معانيها الحقيقية، وإما أحاديث واهية أو موضوعة شحنوا بها كتبهم، ونسبوها إلى رسول الله ﷺ كذبا وزورا.
[ 50 - 51 / ١١٤ ]
مثال ذلك حديث ما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن، وحديث اختلاف أمتي رحمة، وحديث توسلوا بجاهي فإن جاهي عند الله عظيم، وغير ذلك من الأحاديث الملفقة، والتي تصدى لها علماء السنة بالبحث والتنقيب وبينوا عللها وخطورتها وما تنطوي عليه تلك الأحاديث المنكرة من المعاني الخطيرة، والدس الرخيص على الإسلام، وإتاحة الفرص لنيل الأعداء من الإسلام، ولكن الله قيض لهذه الأمة من طهر أحاديث النبي ﷺ من الدخيل؛ وذلك بعلم الإسناد الذي لا شك أنه من أعظم ما ميز الله به هذه الأمة. قال عبد الله بن المبارك ﵀ (لولا الإسناد لقال في السنة من شاء ما شاء) .
ولما كانت هذه الأحاديث التي تعلقوا بها كثيرة، فإني لن أتوسع في سردها وإنما أحيل إلى كتب السنة، وما ألف في خدمتها ففيها غنية لمن رزقه الله العقل وحسن البصيرة، ولكن الذي سنلقي عليه الضوء بشيء من الكشف والبيان، هي تلك النصوص التي صرفوها عن ظاهرها، زاعمين أنها تؤيد ما أحدثوه من البدع. منها:
أولا: حديث جرير بن عبد الله البجلي ﵁ الذي رواه مسلم في صحيحه قال: قال رسول الله ﷺ: "من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها من بعده، من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده، من غير أن ينقص من أوزارهم شيء". فقد تمسكوا بلفظه "من سن في الإسلام سنة حسنة" وفرعوا على ذلك الفهم أن البدع قسمان بدعة حسنة وبدعة قبيحة، ففسروا السنة هنا بالبدعة وكأن معنى قوله ﷺ (من سن) أي من أحدث وابتدع وهذا مردود. من أربعة وجوه.
الوجه الأول: سبب وجود الحديث فقد قال جرير ﵁: "كنا في صدر النهار عند رسول الله ﷺ فجاءه قوم عراة مجتابي النمار أو العباء متقلدي السيوف، عامتهم من مضر، بل كلهم من مضر، فتمعر وجه رسول الله ﷺ لما رأى فيهم من الفاقة، فدخل ثم خرج فأمر بلالا فأذن، وأقام فصلى ثم خطب فقال ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ إلى آخر الآية ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ والآية التي في الحشر ﴿وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾ تصدق رجل من ديناره، من درهمه من ثوبه، من صاع بره، من صاع تمره حتى قال: ولو بشق تمرة" قال: فجاء رجل من الأنصار بصرة كادت كفه تعجز عنها بل قد عجزت، ثم تتابع الناس حتى رأيت كومين من طعام وثياب. حتى رأيت وجه رسول الله ﷺ يتهلل كأنه
[ 50 - 51 / ١١٥ ]
مذهبة، فقال رسول الله ﷺ "من سن" وذكر الحديث. فقد ظهر أن سبب ورود الحديث هو حاجة هؤلاء القوم؛ لذا أمرهم النبي ﷺ بالصدقة، فبادر هذا الصحابي بصدقته، وتبعه الناس في ذلك على أمر أمره به النبي ﷺ، فضلا عما ورد في القرآن من الحث على الصدقة، فهذه القصة نفسها تنقض مفهومهم الخاطئ.
الوجه الثاني: ما تقدم من الفرق ببن السنة والبدعة من أن السنة هي: الطريق المتبع، والبدعة هي: الإحداث في الدين. هذا المفهوم هو الذي عليه علماء الأمة خلفا عن سلف، ولم ينقل عن أحد منهم أنه فسر السنة الحسنة بالبدعة التي يحدثها الناس من عند أنفسهم ولم ينزل الله بها من سلطان.
الوجه الثالث: فهم السلف قاطبة من قوله ﷺ: "من سن سنة" أي أحيا سنة من سنن الرسول ﷺ حين يميتها الناس، ويتبعه الناس في هذا الإحياء الذي دعاهم إليه، يوضح ذلك حديثُ أبي هريرة ﵁ الذي رواه مسلم فقال: قال رسول الله ﷺ: "من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص من أجورهم شيء" فإن قوله من دعا إلى هدى تفسير لما أجمل في قوله من سن سنة حسنة وبالمقابل "من دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه، لا ينقص ذلك من آثامهم شيء".
وقد دلت الأحاديث على أن كل بدعة ضلالة، بدون استثناء لأي نوع من البدع، فمن دعا إلى بدعة محدثة في الدين فقد دعا إلى ضلالة، سواء سماها بدعة حسنة أو لم يسمها كذلك.
الوجه الرابع: قالوا بأن البدعة قسمان- حسنة وقبيحة- وهو تقسيم من عند أنفسهم، وبمحض عقولهم الفاسدة، ونحن نوجه إليهم هذا السؤال: كيف نعرف أن هذا العمل حسن أو قبيح؟ وبالطبع سيجيب كل عاقل بأن الحسن ما حسنه الشرع، والقبيح ما قبّحه الشرع، ولا يعرف هذا إلا بالرجوع إلى الكتاب والسنة، فيقال لهم حينئذ إن الكتاب والسنة قد دلا على ذم البدع كما تقدم في الأدلة فما وجه تقسيمكم هذا؟
ثانيا: يستدل كثير من أهل البدع بما يروى عن عمر ﵁ من قوله نعمت البدعة هذه، ردًّا على من أنكر عليه أمرَه الناس بصلاة التراويح جماعة في المسجد، خلف أبى ابن كعب، يستدلون بهذه القصة توهما منهم أن ما فعله عمر بدعة وهذا باطل من وجوه:
[ 50 - 51 / ١١٦ ]
الوجه الأول: أن عمر ﵁ لم يفعل بدعة، وإنما فعل سنة كان النبي ﷺ قد فعلها، ثم تركها خشية أن تفرض على الأمة كما بيَّن ﷺ ذلك ولم ينه الناس عن فعلها مما يؤكد بقاء سنتها.
الوجه الثاني: أنه قال هذه الجملة على سبيل المجاز، فتسميتها بدعة باعتبار أنها لم تفعل في عهد أبي بكر ﵁ تجوزا؛ لأن عمر هو الذي بدأ إحياء هذه السنة، خصوصا وقد زالت علة خشية الفرضية بانتقاله النبي ﷺ إلى الرفيق الأعلى.
الوجه الثالث: ربما قال عمر ذلك تهكما بمن قال له: إنك فعلت بدعة، فلعلم عمر أنها ليست بدعة ردَّ عليه بهذه الجملة على سبيل الإنكار.
هذا وهناك شُبه أخرى قد يتعلقون بها، ولو تأملناها لوجدناها لا تخرج عن هذا الإطار الذي هو تحميل النصوص ما لا تحتمل من المعاني الفاسدة الباطلة.
وهناك تقسيمات للبدع ذكرها القرافي وغيره، لا نجد لها مستندا أو معيارا صحيحا يمكن أن يؤخذ به، كتقسيمهم البدع إلى حقيقية وإضافية، أو حسنة وسيئة، أو كلية وجزئية، أو بسيطة ومركبة، أو فعلية وتركية، أو غير ذلك من التقسيمات المصطنعة المتكلفة التي لا تستند إلى دليل.
وخلاصة القول أن كل ما أحدث في الدين، ولم يقم عليه دليل في الكتاب ولا في السنة لا بعمومه ولا بخصوصه فهو بدعة محدثة.
[ 50 - 51 / ١١٧ ]