فنحن الوهابيون نحمد الله: أن هدانا إلى الحق، فأصل مذهبنا وقواعده كلها في القرآن، ومنه أخذناها، وبه تلقينا سنة نبينا محمد ﷺ بالقبول، وحكمناها على كل قول سواها، فأطعناه واتبعنا أمره، تصديقًا وانقيادًا لقوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر، الآية: ٧] وقوله تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء، الآية: ٧] وقوله تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾ [المائدة، الآية: ٩٢] وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال، الآية: ٢٤] وقوله تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [الأنفال، الآية: ٤٦] وقوله تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [النور، الآية: ٥٦] وقوله تعالى: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ [النور، الآية: ٥٤] وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَنْ يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [الفتح، الآية: ١٧] وقوله تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد، الآية: ٣٣] وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب، الآية: ٧١] وقوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور، الآية: ٦٣] وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [النور، الآية: ٥٢] وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ [النساء، الآية: ٦٩] وقوله تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَإِنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾ [التغابن، الآية: ١٢] إلى غير ذلك من الآيات في القرآن كثير يأمر جل ثناؤه فيها بطاعة رسوله ﷺ واتّباعه، أمرًا مطلقًا لم يقيده بشيء، كما أمرنا باتباع كتابه العزيز الذي: ﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت، الآية: ٤٢] فمن لم يعمل بما صح من سنة الرسول ﵊، ويتلقاها بالقبول التام لاستقلالها بتشريع الأحكام وأنها كالقرآن في تحليل الحلال وتحريم الحرام فقد كذب القرآن ولم يؤمن بأن الله أرسل محمدًا وأنزل عليه القرآن ليبلغه وبينه للناس. وبهذا يتبين فساد ما
[ ١١٠ ]
افتراه هذا الملحد على الوهابيين في هذا البهت الشنيع.
وحيث انتهيت من تحليل هذه المفتريات وهدمها، ودللت على تناقضه المصادم لنصوص كتاب الله العزيز، وأن ما افتراه على الوهابيين لا ينطبق على حقيقة ولا يقبله العاقل، ناسب أن أزيد هذا المقام بيانًا بذكر شيء من سيرة الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀، وبيان تجريده الاتباع لسنة المصطفى ﷺ، وقيامه بالدعوة، وصبره على الأذى فيها، وأنها هي سبب عداوة أعداء الدين له، أمثال: دحلان ومن قلده. كصاحب هذه الرسالة التي نحن بصدد الرد عليها.
قال العلامة المؤرخ الشيخ حسين بن غنام في تاريخه: "روضة الأفكار والأفهام"تتمة. قد بين الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى في بعض رسائله: "التقليد الممنوع والمأذون فيه والمباح" فقال" وأما القول في التقليد واتباع الدليل فإن الله سبحانه فرض علينا فرضين الأول: اتباع الرسول ﷺ وترك ما خالفه في كل شيء، وأن الإنسان ما يؤمن حتى يحكمه فيما شجر بينه وبين غيره. والفرض الثاني: أن الله فرض علينا في كل مسألة تنازعنا فيها أن نردها إلى الله وإلى الرسول وخاطب بهذا جميع المؤمنين، المجتهد وغيره، ولكن نقول الواجب عليك تقوى الله ما استطعت. وذلك أن تطلب علم ما أنزله الله على رسوله ﷺ من الكتاب والحكمة على قدر فهمك، فما عرفت من ذلك فاعمل به، وما لم تعرفه واحتجت فيه إلى تقليد أهل العلم قلدتهم، وما أجمعوا عليه فهو حق، وما تنازعوا فيه فرده إلى الله والرسول. وأما أخذ الإنسان ما اشتهرت نفسه ووجد عليه آباءه، وترك ما خالفه من كلام أهل العلم فهذا هو الضلال الذي ذكرنا والأدلة على هذا من كلام أهل العلم أكثر من أن تحصر منها: ما ذكر ابن رجب رحمه الله تعالى في الطبقات في ترجمة ابن هبيرة. قال مما أنكره على بعض من يفتي في عصره، قال: وتارة إذا ذكرت لأحدهم الدليل قال: ليس هذا مذهبنا، فيقيم أوثانًا تعبد مع الله تعالى قال: وقال في حاشية المنتقى في كتاب القضاء: من قلد إمامًا ثم خالفه لقوة الدليل، أو لكون أحدهما أعلم وأنقى أو أورع فقد أحسن – ثم ساق الأدلة من أقول أهل العلم بهذا
[ ١١١ ]
المعنى، وقد اقتصرت على الشاهد منه خوف الإطالة. انتهى.
وقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى في رسالة كتبها إلى عبد الله بن عبد اللطيف الإحسائي، قال فيها: وأما ما ذكر لكم عني فإني لم آته بجهالة بل أقول – ولله الحمد والمنة، وبه القوة – إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم دينًا قيمًا ملة إبراهيم حنيفًا، وما كان من المشركين ولست ولله الحمد أدعوا إلى مذهب صوفي أو فقيه أو متكلم أو إمام من الأئمة الذين أعظمهم، مثل ابن القيم والذهبي وابن كثير رحمهم الله تعالى، بل أدعوا إلى الله وحده لا شريك له، وأدعو إلى سنة رسوله ﷺ التي أوصى بها أول أمته وآخرهم، وأرجو أن لا أرد الحق إذا أتاني، بل أشهد لله وملائكته وجميع خلقه أني إن أتاني منكم كلمة من الحق لأقبلنها على الرأس والعين، ولأضربن الجدار بكل ما خالفها من أقوال أئمتي، حاشا رسول الله ﷺ وأصحابه والتابعون وأتباعهم والأئمة كالشافعي وأحمد وأمثالهما ممن أجمع أهل الحق على هدايتهم، وكذلك ما درج عليه من سبقت له من الله الحسنى من أتباعهم، وغير خاف عليكم ما أحدث الناس في دينهم من الحوادث، وما خالفوا فيه طريق سلفهم، انتهى الشاهد منها.
وقال الشيخ رحمه الله تعالى – وقد سئل عن مسائل – فأجاب: اعلم أرشدك الله تعالى أن الله ﷾ بعث محمدًا ﷺ بالهدى الذي هو العلم ودين الحق الذي هو العمل الصالح ولما كان من الأمم قبلنا منهم من يتعانى العلم والفقه ويصول به كالفقهاء، ومنهم من يتعانى العبادة وطلب الآخرة كالصوفية، فقد بعث الله نبيه محمدًا ﷺ بهاذا الدين الجامع للنوعين. ومن أعظم ما امتن الله به على أمته أن أعطاه جوامع الكلم فيذكر الله في كتابه كلمة واحدة تكون قاعدة جامعة، يدخل تحتها من المسائل ما لا يحصى، وكذلك يتكلم رسوله ﷺ بالكلمة الجامعة فمن فهم هذه المسألة فهمًا جيدًا فهم قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة، الآية: ٣] . وهذه الكلمة أيضًا من جوامع
[ ١١٢ ]
الكلم، إذ الكامل لا يحتاج إلى زيادة فعلم منها بطلان كل محدث بعد رسول الله ﷺ وأصحابه، كما أوصانا بقوله: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة" وفهم أيضًا معنى قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء، الآية: ٥٩] فإذا كان الله ﷾ أوجب علينا أن نرد ما تنازعنا فيه إلى الله – أي إلى كتابه – وإلى الرسول – أي إلى سنته – علمنا قطعًا أن من رد إلى الكتاب والسنة ما تنازع الناس فيه وجد فيهما ما يفصل النزاع، وهذه الكلمات يسيرة تحتج إلى بسط طويل، وتشير إلى حظ جليل وإنما قدمتها لأن من عرفها انجلى عنه إشكالات كثيرة في مسائل لا تحصر، انتهى.
وقال الشيخ رحمه الله تعالى في رسالة أرسلها إلى عبد الله بن سحيم: من محمد بن عبد الوهاب إلى عبد الله بن سحيم.
وبعد، فقد أتانا مكتوبكم وما ذكرت فيه من ذكرك ما بلغك عنا، ولا يخفاك أن المسائل التي ذكرت أنها بلغتكم في كتاب من العارض جملتها أربعة وعشرون مسألة، بعض حق، وبعض بهتان وكذب. وقبل الكلام فيها لا بد من تقديم أصل، وذلك أن أهل العلم إذا اختلفوا والجهال إذا تنازعوا ومثلي ومثلكم إذا اختلفنا في مسألة: هل الواجب اتباع أمر الله ورسوله ﷺ وأهل العلم، أو الواجب اتباع عادة أهل الزمان التي أدركنا الناس عليها، ولو خالفت ما ذكره العلماء في جميع كتبهم؟ وإنما ذكرت هذا – ولو كان واضحًا – لأن بعض المسائل التي ذكرت: أنا قلتها، لكن هي موافقة لما ذكره العلماء في كتبهم – الحنابلة وغيرهم – ولكن هي مخالفة لعادة الناس التي نشأوا عليها فأنكرها علي من أنكرها لأجل مخالفة العادة. وإلا فقد رأوا تلك المسائل في كتبهم عيانًا، وأقروا بها وشهدوا أن كلامي هو الحق. لكن أصابهم ما أصاب الذين قال الله فيهم: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة، الآية: ٨٩] .
[ ١١٣ ]
انتهى ما لزم نقله من كلام شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، وبيان ما هو عليه من متابعة الرسول ﷺ، ولزوم سنته، والتحاكم إليها، وإلى كتاب الله تعالى في كل دقيق وجليل، وكفى بذلك فضيحة لهذا الملحد المفتري وأمثاله.
[ ١١٤ ]