ولما كان هذا الأحمق، قد أطال الكلام على آيتي سورة البقرة وآل عمران بمحض رايه تبعًا لهواه، وجخله المتناهي، الذي لا يستحق النظر فيه ولا الالتفات إليه. فإني ذاكر ما قاله بعض أئمة المفسرين على هاتين الآيتين، ليتبيّن جهله وضلاله، وأنه بوادٍ، وأئمة التفسير بواد آخر.
قال الإمام محمد بن جرير الطبري رحمه الله تعالى: القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لا تَشْعُرُونَ﴾ [البقرة، الآية:١٥٤] يقول تعالى ذكره، يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر على طاعتي في جهاد عدوكم، وترك معاصيي، وأداء سائر فرائضي عليكم. ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله: هو ميت. فإن الميت من خلقي من سلبته حياته وأعدمته حواسه. فلا يلتذ لذة ولا يدرك نعيمًا. فإن من قتل منكم ومن سائر خلقي في سبيلي أحياء عندي في حياة ونعيم وعيش هنيء، ورزق سني، فرحين بما آتيتهم من فضلي، وحبوتهم به من كرامتي. كما حدثني محمد بن عمرو قال: حدثنا أبو عاصم قال: حدثنا عيسى عن ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله تعالى: ﴿بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران، الآية:١٦٩] من ثمرات الجنة، ويجدون
[ ٢٩٧ ]
ريحها، وليسوا فيها، حدثني المثنى، قال: حدثنا أبو حذيفة، حدثنا شبل عن ابن أبي نجيح عن مجاهد مثله. حدثنا بشر بن معاذ، قال حدثنا يزيد، قال حدثنا سعيد عن قتادة قوله: ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لا تَشْعُرُونَ﴾ [البقرة، الآية:١٥٤] كما يحدث "أن أرواح الشهداء تتعارف في طير ببض، يأكلن من ثمار الجنة، وأن مساكنهم سدرة المنتهى" وأن للمجاهد في سبيل الله ثلاث خصال من الخير: من قتل في سبيل الله منهم صار حيًا مرزوقًا. ومن غُلب آتاه الله أجرًا عظيمًا. ومن مات رزقه الله رزقًا حسنًا. حدثنا الحسن بن يحيى قال: أخبرنا عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر عن قتادة في قوله: ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لا تَشْعُرُونَ﴾ [البقرة، الآية:١٥٤] قال: "أرواح الشهداء في صور طير أبيض" حدثني المثنى، قال: حدثنا إسحاق، قال: حدثا ابن أبي جعفر عن أبيه عن الربيع في قوله: ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لا تَشْعُرُونَ﴾ [البقرة، الآية:١٥٤] "في صور طير خضر يطيرون في الجنة حيث شاءوا منها، يأكلون من حيث شاءوا" حدثني المثنى قال: حدثنا محمد بن جعفر قال: حدثن عثمان بن غياث، قال: سمعت عكرمة يقول في قوله: ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لا تَشْعُرُونَ﴾ [البقرة، الآية:١٥٤] قال: "أرواح الشهداء في طير خضر في الجنة". فإن قال لنا قائل: وما في قوله: ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لا تَشْعُرُونَ﴾ [البقرة، الآية:١٥٤] من خصوصية الخبر عن المقتول في سبيل الله الذي لم يعم به غيره. وقد علمت تظاهر الأخبار عن رسول الله ﷺ أنه وصف حال المؤمنين والكافرين بعد وفاتهم. فأخبر عن المؤمنين أنه يفتح لهم من قبورهم أبواب الجنة يشمون روحها، ويستعجلون لله قيام السّاعة، ليصيروا إلى مساكنهم منها. ويجمع بينهم وبين أهليهم وأولادهم فيها. وعن الكافرين: أنه يفتح لهم من قبورهم أبواب إلى النار، ينظرون إليها، ويصيبهم من نتنها ومكروهها، ويسلط عليهم فيها إلى قيام الساعة، من يقمعهم فيها. ويسألون الله فيها تأخير قيام الساعة، حذرًا من المصير إلى ما أعده الله لهم فيها،
[ ٢٩٨ ]
مع أشباه ذلك من الأخبار؟ وإذا كانت الأخبار بذلك متظاهرة عن رسول الله ﷺ فما الذين خص به القتيل في سبيل الله مما لم يعم به سائر البشر غيره من الحياة، وسائر الكافر والمؤمنين غيره أحياء في البرزخ. أما الكافر فمعذبون فيه بالمعيشة الضنك، وأما المؤمنون فمنعّمون بالروح والريحان ونسيم الجنان؟ قيل: إن الذي خص الله به الشهداء في ذلك وأفاد المؤمنين بخبره عنهم تعالى ذكره، إعلامه إياهم أنهم مرزوقون من مآكل الجنة ومطاعمها في برزخهم قبل بعثهم، ومنعمون بالذي ينعم به داخلوها بعد البعث من سائر البشر، من لذيذ مطاعمها الذي لم يطعمه الله أحدًا غيرهم في برزخه قبل بعثه. فذلك هو الفضيلة التي لضلهم وخصهم بها عن غيرهم. والفائدة التي أفاد المؤمنين عنهم، فقال تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ. فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [آل عمران، الآيتان:١٦٩-١٧٠] وبمثل الذي قلنا جاء الخبر عن رسول الله صلى عليه وسلم: حدثنا أبو كريب قال: حدثنا عبد الرحيم بن سليمان وعبدة بن سليمان، عن محمد بن إسحاق عن الحارث بن فضيل عن محمود بن لبيد عن ابن عباس ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ: "الشهداء على بارق نهر بباب الجنة بكرة وعشيًا" حدثنا أبو كريب قال: حدثنا جابر بن نوح عن الأفريقي عن ابن باشر السلمي- أو أبي بشار، شك أو جعفر- قال: "أرواح الشهداء في قباب بيض من قباب الجنة، في كل قبة زوجتان، رزقهم في كل يوم طلعت فيه الشمس: ثور وحوت، فأما الثور ففيه طعم كل ثمرة في الجنة. وأما الحوت: ففيه طعم كل شراب في الجنة" فإن قال قائل: فإن الخبر عما ذكرت أن الله تعالى ذكره، أفاد المؤمنين بخبره عن الشهداء من النعمة التي خصهم بها في البرزخ غيره موجود في قوله: ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ﴾ [البقرة، الآية:١٥٤] وإنما فيه الخبر عن حالهم أموات هم أم أحيا؟ قيل: إن المقصود بذكر الخبر عن حياتهم: إنما هو الخبر عما هم فيه من النعمة، ولكنه تعالى ذكره لما كان قد أنبأ عباده عما خص
[ ٢٩٩ ]
به الشهداء في قوله: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران، الآية:١٦٩] وعلموا حالهم بخبره ذلك. ثم كان المراد من الله تعالى ذكره في قوله: ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ﴾ [البقرة، الآية:١٥٤] نهى خلقه عن أن يقولوا للشهداء: إنهم موتى، ترك إعادة ذكر ما قد بيَّن لهم من خبرهم. وأما قوله: ﴿وَلَكِنْ لا تَشْعُرُونَ﴾ [البقرة، الآية:١٥٤] فإنه يعني به: ولكنكم لا ترونهم فتعلمون أنهم أحياء، وإنما تعلمون ذلك بخبري إياكم به، وإنما رفع قوله: ﴿أَمْوَاتٌ﴾ [البقرة، الآية:١٥٤] بإضمار مكنى عن أسماء من يقتل في سبيل الله. ومعنى ذلك: ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله هم أموات، ولا يجوز النصب في "أموات" لأن القول لا يعمل فيهم. وكذلك قوله "بل أحياء" رفع بمعنى: أنهم أحياء. انتهى.
وقال على قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ [الحج، الآية:٥٨] يقول تعالى ذكره: والذين فارقوا أوطانهم وعشائرهم، فتركوا ذلك في رضي الله تعالى وطاعته وجهاد أعدائه. ثم قتلوا أو ماتوا وهم كذلك ليرزقنهم الله يوم القيامة في جناته رزقًا حسنًا. يعني بالحسن: الكريم، وإنما يعني بالرزق الحسن: الثواب الجزيل: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ [الحج، الآية:٥٨] يقول: وإن الله لهو خير من بسط فضله على أهل طاعته وأكرمهم.
وقال على قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ. كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ [الأنبياء، الآيتان:٣٤-٣٥] يقول تعالى ذكره لنبيه ﷺ: وما خلدنا أحدًا من بني آدم يا محمد قبلك في الدنيا فنخلدك فيها. ولا بد لك من أن تموت كما مات من قبلك من رسلنا ﴿أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ﴾ [الأنبياء، الآية:٣٤] يقول: فهؤلاء المشركون بربهم هم الخالدون في الدنيا بعدك؟ لا، ما ذلك كذلك، بل ميتون بكل حال عشت أو مت. انتهى.
[ ٣٠٠ ]
وقال الإمام عماد الدين ابن كثير على قوله تعالى: ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ﴾ [البقرة، الآية:١٥٤] الآية، يخبر تعالى أن الشهداء في برزخهم أحياء يرزقون، كما في صحيح مسلم: "أن أرواح الشهداء في حواصل طيور خضر تسرح في الجنة حيث شاءت. ثم تأوي إلى قناديل معلقة تحت العرش فاطّلع عليهم ربك اطلاعه. فقال: ماذا تبغون؟ فقالوا: يا ربنا وأي شيء نبغي؟ وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدًا من خلقك، ثم عاد عليهم بمثل هذا، فلما رأوا أنهم لا يُتركون من أن يسألوا قالوا: نريد أن تردنا إلى الدار الدنيا فنقاتل في سبيلك حتى نتقل فبك مرة أخرى، لما يرون من ثواب الشهادة. فيقول الرب جل دلاله: إني كتبت أنهم إليها لا يرجعون" وفي الحديث الذي رواه الإمام أحمد عن الإمام الشافعي عن الإمام مالك عن الزهري عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ: "نسمة المؤمن طائر تعلق في شجر الجنة حتى يرجعها الله إلى جسده يوم يبعثه" ففيه دلالة لعموم المؤمنين أيضًا، وإن كان الشهداء قد خصصوا بالذكر في القرآن، تشريفًا لهم وتكريمًا وتعظيمًا. قال الحسن: إن الشهداء أحياء عند الله تعالى، تعرض أرزاقهم على أرواحهم، فيصل إليهم الروح والفرح، كما تعرض النار على أرواح آل فرعون غدوة وعشيًا، فيصل إليهم الوجع، انتهى.
وقال العلامة السيد محمود الألوسي في تفسيره "روح البيان" على قوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ لا تَشْعُرُونَ﴾ [البقرة، الآية:١٥٤] أي لا تحسون ولا تدركون ما حالهم بالمشاعر. لأنها من أحوال البرزخ التي لا يُطّلع عليها ولا طريق للعلم بها إلا بالوحي- ثم ذكر ما ورد في ذلك عن السلف إلى أن قال- وأما القول في حياة هذا الجسد الرميم، مع هَدْم بنيته، وتفرق أجزائه، وذهاب هيئته، وإن لم يكن ذلك بعيدًا عن قدرة من بدأَ الخلق ثم يعيده، لكن ليس إليه كثير حاجة. ولا فيه مزيد فضل، ولا عظيم منة. بل ليس فيه سوى إيقاع ضعفة المؤمنين بالشكوك والأوهام، وتكليفهم من غير حاجة بالإيمان بما يعدون قائله من سفهاء الأحلام، وما يحكى من مشاهدة بعض الشهداء الذي قتلوا منذ مئات السنين
[ ٣٠١ ]
وأنهم إلى اليوم تشخب جروحهم دمًا إذا رفعت العصابة عنها، فذلك مما رواه هَيَّان بن بَيَّان وما هو إلا حديث خرافة. وكلام يشهد على مصدقيه بتقديم السخافة. هذا ثم إن نهي المؤمنين عن أن يقولوا في شأن الشهداء "أموات" إما أن يكون دفعًا لإبهام مساواتهم لغيرهم في ذلك البزرخ، وتلك خصوصية لهم، وإن شاركهم في النعيم- بل وزاد عليهم- بعض عباد الله تعالى المقربين، ممن يقال في حقهم ذلك، وإما أن يكون صيانة لهم عن النطق بكلمة قالها أعداء الدين والمنافقون في شأن أولئك الكرام، قاصدين بها أنهم حرموا من النعيم ولم يروه أبدًا. وليس في الآية نهي عن نسبة "الموت" إليهم بالكلية، بحيث إنهم ما ذاقوه أصلًا ولا طرفة عين، وإلا لقال تعالى: ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله ماتوا. فحيث عدل عنه إلى ما ترى: علم أنهم امتازوا- بعد أن قتلوا- بحياة لائقة بهم، مانعة عن أن يقال في شأنهم "أموات" وعدل سبحانه عن "قتلوا" المعبر عنه في آل عمران إلى "يتقل" رَوْمًا للمبالغة في النهي، وتأكيدًا للفعل في تلك السورة، يقول مقام هذا العدول هنا كما قرره بعض أحبابنا من الفضلاء المعاصرين. انتهى.
ونحن نكتفي بهذا القدر من الرد على خرافات هذا الأحمق فيما ذكره في هذا البحث من التخليط، من دون أن نتتبع هفواته ومتناقضاته لأنها كلها جهل ومعارضة لنصوص الكتاب والسنّة كما بيّنا ذلك فيما أوردناه من الآيات والأحاديث وأقوال السلف الصالح وأئمة المفسرين. وكما أقر هو بذلك على نفسه في موضعين من بحثه هذا، وهو الذي يريد به إثبات الحياة الجسدية للشهداء والأنبياء، وهي الحياة التي يزعم أنها لا تختلف عن حياتهم في الدنيا يتصرفون فيها كيف شاءوا، ويسمعون ويجيبون، وينفعون ويضرون من دون الله. هذا هو غاية بحثه، ومنتهى قصده. أما الحياة التي شرف الله تعالى بها الشهداء ومن شاء من صالحي عباده، وزادهم فيها شرفًا بالعندية عنده تعالى: فليست في نظر هذا الأحمق شيئًا في جانب الحياة الدنيا، بل الحياة الدنيا عنده أفضل منها. لذلك تراه يحاول، ويعمن في تحريف الكلم عن مواضعه، لإثبات
[ ٣٠٢ ]
أن أرواحهم ردت إليهم، وأنهم أذن لهم بالخروج والتصرف، كما نقل ذلك عن دحلان والنبهاني، وذلك نقلًا منهما عن السيوطي من كتاب "تقويم الحلك: له، إن صدق في النقل. وبعد هذا قال: "فإن قيل: أي علاقة لهذا البحث مع ما أنت بصدده؟ قلت: العلاقة كلية. لأنه إذا صح لنا دليل حياته ﷺ الجسمية بعد وفاته- وقد صح بعون الله- تمهد لنا تقرير كل ما أنكروه علينا وحصل لنا بذلك فضيلة أخرى وهي نوع من الصحبة ولم ينقصنا من الصحبة التامة سوى رؤية ذاته الشريفة".
هذا ما قاله الأحمق في بيان مقصده من هذا البحث، وهو إثبات الحياة الجسمية الكاملة للشهداء والأنبياء، ليتسنى له تقرير ما أنكرناه عليه من تحريم دعاء الأموات والغائبين، وطلب الحاجات من المخلوقين فيما لا يقدر على إجابته إلا رب العالمين. ومع ما عليه هذا الملحد من الانحراف عن الصراط المستقيم، وكونه من الداعين إلى عبادة الأولياء والصالحين يزعم أنه حصل على نوع من الصحبة لرسول الله ﷺ وأنه لم ينقصه من الصحبة التامة إلا رؤية ذاته الشريفة. ولم يعلم هذا الجاهل الغبي: أنه من أعداء الله تعالى وأعداء رسوله ﷺ، المشركين في عبادته تعالى غيره. وقد غرَّه الغرور، قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ [فاطر، الآية:٨] .
[ ٣٠٣ ]