قال الإمام شمس الدين ابن القيم رحمه الله تعالى في "أعلام الموقعين": وقد استدل الإمام مالك ﵁ بهذه الآية على وجوب اتباع الصحابة ﵃. وقال في موضع آخر: قال جعفر الفرياني حدثني أحمد بن إبراهيم الدورقي، حدثني الهيثم بن جميل قال: قلت لمالك بن أنس: يا أبا عبد الله "إن عندنا قومًا وضعوا كتبًا، يقول أحدهم: حدثنا فلان عن فلان عن عمر بن الخطاب بكذا وكذا وفلان عن إبراهيم النخعي بكذا، ويأخذ بقول إبراهيم؟ قال مالك: وصح عندهم قول عمر؟ قلت: إنما هي رواية، كما صح
[ ١٣١ ]
عندهم قول إبراهيم، فقال مالك: هؤلاء يستتابون" وقال في موضع آخر: وفي الصحاح من وجوه متعددة عن النبي ﷺ أنه قال: "خير القرون القرن الذي بعثت فيهم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم". وقال ﷺ: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة ضلالة" وروى الإمام أحمد وغيره عن ابن مسعود ﵁ قال: "من كان متأسيًا فليتأس بأصحاب محمد رسول الله ﷺ، فإنهم كانوا أبر هذه الأمة قلوبًا، وأعمقها علمًا، وأقلها تكلفًا، وأقومها هديًا، وأحسنها حالًا، قول اختارهم الله لصحبة نبيه، وإقامة دينه، فاعرفوا لهم فضلهم واتبعوا آثارهم، فإنهم كانوا على الهدى المستقيم" انتهى.
وقال الإمام ابن القيم أيضًا في "إعلام الموقعين": فصل في جواز الفتوى بالآثار السلفية والفتاوى الصحابية وأنها أولى بالأخذ بها من آراء المتأخرين وفتاويهم، وأن قربها إلى الصواب بحسب قرب أهلها من عصر الرسول صلوات الله وسلامه عليه، وأن فتاوى الصحابة أولى أن يؤخذ بها من فتاوى التابعين، وفتاوى التابعين أولى من فتاوى تابع التابعين. وهلم جرًا، وكما كان العهد بالرسول أقرب كان الصواب أغلب، وهذا حكم بحسب الجنس، لا بحسب كل فرد فرد من المسائل، كما أن عصر التابعين- وأن كان أفضل من عصر تابعيهم- فإنما هو بحسب الجنس لا بحسب كل شخص شخص، ولكن المفضلون في العصر المتقدم أكثر من المفضلين في العصر المتأخر، وهكذا الصواب في أقوالهم: أكثر من الصواب في أقوال من بعدهم، فإن التفاوت بين علوم المتقدمين والمتأخرين كالتفاوت الذي بينهم في الفضل والدين، ولعله لا يسع المفتي والحاكم عند الله أن يفتي ويحكم بقول فلان وفلان من المتأخرين من مقلدي الأئمة، ويأخذ برأيه وترجيحه، ويترك الفتوى والحكم بقول البخاري وإسحاق بن راهويه وعلي بن المديني ومحمد بن نصر المروزي وأمثالهم، بل يترك قول ابن مبارك والأوزاعي وسفيان الثوري وسفيان بن عيينة وحماد بن
[ ١٣٢ ]
زيد وحماد بن سلمة وأمثالهم. بل لا يلتفت إلى قول ابن أبي ذئب، والزهري والليث بن سعد وأمثالهم، بل لا يعد قول سعيد بن المسيب والحسن والقاسم وسالم وعطاء وطاووس وجابر بن زيد وشريح وأبي وائل وجعفر بن محمد وأضرابهم مما يسوغ الأخذ به. بل يرى تقديم قول المتأخرين من أتباع من قلده على فتوى أبي بكر الصديق وعمر وعثمان وعلي وابن مسعود وأبي بن كعب وأبي الدرداء وزيد بن ثابت وعبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر وعبد الله بن الزبير وعبادة بن الصامت وأبي موسى الأشعري وأضرابهم. ما عذره غدًا عند الله إذا سوى بين أقوال أولئك وفتاويهم وأقوال هؤلاء وفتاويهم؟ فكيف إذا رجحها عليها؟ فكيف إذا عين الأخذ بها إفتاء ومنع الأخذ بقول الصحابة. واستجاز عقوبة من خالف المتأخرين لها وشهد عليه بالبدعة والضلالة ومخالفته أهل العلم، وأنه يكيد الإسلام. تالله لقد أخذ بالمثل المشهور "رمتني بدائها وانسلت" وسمى وراثة الرسول ﷺ باسمه هو ومن كساهم أثوابه ورماهم بدائه وكثير من هؤلاء يصرخ ويصيح، ويقول ويعلن أنه يجب على الأمة كلهم الأخذ بقول من قلدناه ديننا. ولا يجوز الأخذ بقول أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وغير هم من الصحابة ﵃. وهذا كلام من أخذ به وتقلده ولأه الله ما تولى، ويجزيه عليه يوم القيامة الجزاء الأوفى، والذي ندين لله به ضد هذا القول، والرد عليه.
ثم أخذ الشيخ ﵀ يتكلم في رد هذا القول. فقدم القول في اختلاف الصحابة ﵃، وأن الشق والذي فيه الخلفاء الراشدون أو بعضهم أولى أن يؤخذ به من الشق الآخر ثم بين ما هو من قولهم حجة وإجماعًا وما هو حجة لا إجماعًا.
وبعد أن أطال الكلام في ذلك قال: فنقول الكلام في مقامين. أحدهما: في الأدلة الدالة على وجوب اتباع الصحابة ﵃. الثاني: الجواب عن شبه النفاة. ثم أورد ستة وأربعين وجهًا من الكتاب والسنة والآثار الدالة دلالة واضحة صريحة على وجوب اتباع الصحابة ﵃ ونفي كل شبهة أو
[ ١٣٣ ]
اعترض يدلي به المخالف. فجاء رحمه الله تعالى بما شفى وكفى وجلا بنور الحق ظلمة الباطل فهفى.
قال الشيخ رحمه الله تعالى في الوجه السادس والأربعين من رد هذا القول: وكيف يطيب قلب عالم يقدم على أقوال من وافق ربه تعالى في غير حكم فقال وأفتى بحضرة الرسول ونزل القرآن بموافقة ما قاله لفظًا ومعنى: قول متأخر بعده، ليس له هذه الرتبة ولا يدانيها؟ وكيف يظن أحد أن الظن المستفاد من آراء المتأخرين أرجح من الظن المستفاد من فتاوى السابقين الأولين، الذين شاهدوا الوحي والتنزيل، وعرفوا التأويل؟ وكان الوحي ينزل خلال بيوتهم، وينزل على رسول الله ﷺ وهو بين أظهرهم. قال جابر: "والقرآن ينزل على رسوله ﷺ وهو يعرف تأويله فما عمل به من شيء عملنا به" في حديث حجة الوداع، فمستندهم في معرفة مراد الرب تعالى من كلامه ما يشاهدونه من فعل رسوله وهديه، الذي يفصل القرآن ويفسره، فكيف يكون أحد من الأمة بعدهم أولى بالصواب منهم في شيء من الأشياء؟ هذا عين المحال. انتهى المراد منه.
وقال الأوزاعي: "عليك بآثار من سلف، وإن رفضك الناس وإياك ورأي الرجال، وإن زخرفوه لك بالقول" وعين بقية بن الوليد: قال لي الأوزاعي: "يا بقية، العلم ما جاء عن أصحاب محمد، وما لم يجىء عن أصحاب محمد فليس بعلم". وقال الشعبي: إذا جاءك الخبر عن أصحاب محمد ﷺ فضعه علي رأسك، وإذا جاءك عن التابعين فاضرب به أقفيتهم. وقال الإمام أبو إسحاق إبراهيم بن موسى الشاطبي في كتابه "الاعتصام" في الكلام على حديث افتراق الأمة، وبيان الفرقة الناجية منها، قال: فبين النبي ﷺ ذلك بقوله: "ما أنا عليه وأصحابي" ووقع ذلك جوابًا للسؤال الذي سألوه، إذ قالوا: "من هي يا رسول الله؟ " فأجاب: إن الفرقة الناجية من اتصف بأوصافه ﵇، وأوصاف أصحابه وكان ذلك معلومًا عندهم غير مخفي، فاكتفوا به. وربما يحتاج إلى تفسيره بالنسبة إلى من بعدهم في تلك الأزمان.
[ ١٣٤ ]
وحاصل الأمر: أن أصحابه كانوا مقتدين به، مهتدين بهديه، وقد جاء مدحهم في القرآن الكريم، وأثنى عليهم متبوعهم محمد ﷺ، وإنما خلقه ﷺ القرآن. فقال تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم، الآية:٤] فالقرآن إنما هو المتبوع على الحقيقة وجاءت السنة مبينة له. فالمتبع للسنة متبع للقرآن، والصحابة ﵃ كانوا أولى الناس بذلك. فكل من اقتدى بهم فهو من الفرقة الناجية الداخلة الجنة بفضل الله، وهو معنى قوله ﵇: "ما أنا عليه وأصحابي" فالكتاب والسنة هم الطريق المستقيم، وما سواهما من الإجماع وغيره فناشئ عنهما، هذا هو الوصف الذي كان عليه النبي ﷺ وأصحابه، وهو معنى ما جاء في الرواية الأخرى من قوله "وهي الجماعة" لأن الجماعة في وقت هذا الإخبار: كانوا على ذلك الوصف. انتهى ما أردت نقله.
وفيما أشرت إليه كفاية في بطلان ما زعمه هذا الملحد، وهو عدم جواز تقليد الصحابة ﵃ فلو أردت استقصاء كلام علماء السلف في إبطال هذه الدعوى لاحتاج ذلك إلى مجلد ضخم. فنسأل الله تعالى أن ينظمنا في سلك ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْأِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحشر، الآية:١٠] الآية، فإن هذا المعترض الملحد وشيخه دحلان في قلوبهم غل على أصحاب رسول الله ﷺ، وعلى أئمة أهل الحديث الذين دونوا سنة الرسول ﷺ، وحفظوها من تلاعب هؤلاء الضلال المبتدعة بها ومن كذبهم على رسول الله ﷺ، وتحريفهم لآيات الكتاب العزيز، كما هي طريقتهم التي لا تخفى على كل من يطلع على ما لفقوه من شبههم الفاسدة.
قال المعترض: "فهذا كلام حبر من علماء الظاهر والباطن عن أجلة من علماء الدين، فأنى يؤفك الضالون؟ روى الشعراني في كشف الغمة بسنده عن رسول الله ﷺ أنه قال: "من فارق الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه" فنحن أهل السنة والجماعة اعتمادًا على ما بلغنا عن رسولنا الذي لا ينطق
[ ١٣٥ ]
عن الهوى، إن إجماعنا مقبول وحسن عند الله فلا نبالي بمن يخالفه".
أقول: يشير المعترض إلى ما نقله عن المناوي من قوله بعدم جواز تقليد الصحابة ﵃، وحصر التقليد في المذاهب الأربعة وإسناد هذا القول أيضًا إلى إما الحرمين. فهو حبر من علماء الظاهر والباطن على زعم المعترض، فالمعترض يومي من خالف هذا القول بالإفك والضلال، وقد عرفت بما قدمناه من تفنيدنا لهذا القول بالأدلة من الكتاب والسنة وأقوال الأئمة الذين يدعي الملحد تقليدهم: بطلان ما زعمه من هذا القول الفاسد، وأن المعترض قد وصف بالضلال هؤلاء الأئمة الذين أنكروا هذا القول كالإمام مالك وغيره ﵏، بل المعترض يرد أمر الرسول، حيث قال ﷺ: "وعضوا عليها بالنواجذ" ومع ذلك يزعم أنه من أهل السنة والجماعة هو وشيعته المبتدعة دعاة الضلال، وأن لهم إجماعًا وجماعة وأن من خالفهم فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه، وهذه طريقة أهل الضلال يتشبعون بما ليس فيهم وتعلقون بالأسماء دون الحقائق. ونحن نشير إلى ما ذكره علماء السلف المحققون في تفسير حديث الفرقة الناجية أهل السنة والجماعة حتى يتبين بطلان ما يدعيه هذا الملحد.
قال الإمام أبو إسحاق إبراهيم بن موسى الشاطبي في كتاب "الاعتصام" في الكلام على حديث الفرقة الناجية – المسألة السادسة عشرة إن رواية من روى في تفسير الفرقة الناجية – وهي الجماعة – محتاجة إلى التفسير، لأنه إن كان معناه بينا من جهة تفسير الرواية الأخرى وهي قوله: "ما أنا عليه وأصحابي" فمعنى "الجماعة" من حيث المراد به في إطلاق الشرع محتاج إلى التفسير، فقد جاء في أحاديث كثيرة منها الذي نحن في تفسيره ومنها ما صح عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ قال: "من رأى من أميره شيئًا يكرهه فليصبر عليه، فإنه من فارق الجماعة شيئًا فمات مات ميتة جاهلية" – وذكر الأحاديث الواردة في ذلك – ثم قال: فاختلف الناس في معنى "الجماعة" المرادة في هذا الحديث على خمسة أقوال – ثم عدها، وأورد حجة كل قائل بقول منها، مما
[ ١٣٦ ]
لا يسعه ردنا هذا – وقد أبرز زبدة ما قيل في هذه الأقوال الخمسة فاكتفينا به من الإطالة.
قال رحمه الله تعالى: فهذه خمسة أقوال دائرة على اعتبار أهل السنة والاتباع، وأنهم المرادون بالأحاديث، فلنأخذ ذلك أصلًا. وينبني عليه معنى آخر وهي المسألة السابعة عشرة وذلك أن الجميع اتفقوا على اعتبار أهل العلم والاجتهاد، سواء ضموا إليهم العوام أم لا، فإن لم يضموهم إليهم فلا إشكال أن الاعتبار إنما هو بالسواد الأعظم من العلماء المعتبر اجتهادهم، فمن شذ عنهم فمات فميتته جاهلية، وإن ضموا إليهم العوام. فبحكم التبع لأنهم غير عارفين بالشريعة. فلا بد من رجوعهم في دينهم إلى العلماء فإنهم لو تمالأوا على مخالفة العلماء فيما حددوا لهم لكانوا هم الغالب والسواد الأعظم في ظاهر الأمر لقلة العلماء وكثرة الجهال، فلا يقول أحد: إن اتباع جماعة العوام هو المطلوب، وأن العلماء هم المفارقون للجماعة والمذمومون في الحديث بل الأمر بالعكس، وأن العلماء هم السواد الأعظم وإن قلوا، والعوام هم المفارقون للجماعة إن خالفوا، فإن وافقوا فهو الواجب عليهم. ومن هنا لما سئل ابن المبارك عن الجماعة الذين يقتدى بهم؟ أجاب بأن قال: "أبو بكر وعمر" قال: فلم يزل يجيب حتى انتهى إلى محمد بن ثابت والحسين بن واقد، قيل: فهؤلاء ماتوا، فمن الأحياء؟ قال: أبو حمزة السكري، وهو محمد بن ميمون المروزي، فلا يمكن أن يعتبر العوام في هذه المعاني بإطلاق وعلى هذا لو فرضنا خلو الزمان عن مجتهد لم يكن اتباع العوام لأمثالهم، ولا عد سوادهم أنه السواد الأعظم، المنبه عليه في الحديث الذي من خالفه فميتته جاهلية بل يتنزل النقل عن المجتهدين منزلة وجود المجتهدين. فالذي يلزم العوام مع وجود المجتهدين هو الذي يلزم أهل الزمان المفروض الخالي عن المجتهدين. وأيضًا فاتباع نظر من لا نظر له، واجتهاد من لا اجتهاد له: محض ضلالة، ورمي في عماية، وهو مقتضى الحديث الصحيح: "إن الله لا يقبض العلم انتزاعًا" الحديث. روى أبو نعيم عن محمد بن القاسم الطوسي قال: سمعت إسحاق بن
[ ١٣٧ ]
راهويه – وذك في حديث رفعه إلى النبي ﷺ قال: "إن الله لم يكن ليجمع أمة محمد على ضلالة" – فإذا رأيتم الاختلاف فعليكم بالسواد الأعظم. فقال رجل: يا أبا يعقوب، من السواد الأعظم؟ فقال: محمد بن أسلم وأصحابه ومن تبعهم ثم قال: سأل رجل ابن المبارك عن السواد الأعظم فقال: أبو حمزة السكري. ثم قال: إسحاق في ذلك الزمان وفي زماننا محمد بن أسلم ومن تبعه، ثم قال إسحاق: لو سألت الجهال عن السواد الأعظم؟ لقالوا: جماعة الناس. ولا يعلمون أن "الجماعة" عالم متمسك بأثر النبي ﷺ وطريقه، فمن كنا معه وتبعه فهو الجماعة، ثم قال إسحاق: لم أسمع عالمًا منذ خمسين سنة كان أشد تمسكًا بأثر النبي ﷺ من محمد بن أسلم.
فانظر في حكايته تتبين غلط من ظن أن "الجماعة" هي أي جماعة، وإن لم يكن فيهم عالم وهو وهم العوام لا فهم العلماء، فليثبت الموفق في هذه المنزلة قدمه لئلا يضل عن سواء السبيل ولا توفيق إلا بالله. انتهى.
وبهذا يتبين معنى "الجماعة" المذكورة في الأحاديث الواردة عن رسول الله ﷺ، لا كما زعمه هؤلاء الملاحدة الضلال.
[ ١٣٨ ]