ثم قال المعترض: "الفصل الثالث في الاجتهاد، وفيه مقدمة ومباحث".
أقول: قد تقدم أن المعترض قال: "ولنرجع إلى المقصود من هذه الرسالة، المسألة الأولى في الاجتهاد".
فلم يذكر شيئًا مما يتعلق ببحث الاجتهاد، بل رجع إلى عادته في البهت وافتراء الكذب على الوهابيين وإخوانهم فقال: "إنهم يبيحون التعبد بالاجتهاد بشرط الاستنباط من القرآن العظيم فقط، وينكرون الإجماع الذي اتخذه علماؤنا أصلًا من الأصول التي تنبني عليها الأحكام. فإيضاحًا لفساد قولهم هذا: أتكلم إن شاء الله تعالى عن كل فرع منه على حدة" يعني من فروع الإجماع. ثم شرع في بيان الإجماع وفروعه، فقال: "الفصل الأول في الإجماع – إلى آخره" ثم ذكر الفصل الثاني في أسباب اختلاف الأئمة إلى آخره. وهو فرع من فروع الإجماع عند المعترض ثم قال "الفصل الثالث في الاجتهاد" وهو هذا الذي نحن بصدده.
وظاهر هذا الترتيب وهذا التصرف من المعترض: أن الاجتهاد واختلاف الأئمة من فروع الإجماع. وهذا يكفي في سقوط المعترض عن درجة العقلاء، فضلًا عن العلماء. وقد نبهت فيما تقدم على أن هذا الملحد في حالة من الجهل والحمق لا يعرف معها الأصول من الفروع، ولا الفرق بينهما، بل هو أعمى مخلط.
فمما يجب التنبيه عليه هنا: أن هذا المعترض ينكر بقاء الاجتهاد ووجود المجتهدين في هذه الأمة بعد عصر الأئمة الأربعة. وقد عقد هذه الترجمة للاجتهاد زاعمًا: أنه يرد فيها على القائلين ببقائه، وقد سمى المعترض "الاجتهاد
[ ٢٢٥ ]
بدعة في الدين" وذلك في أول رسالته هذه، وفي بدء مناقشته للأئمة الذين ذكرنا أسماءهم. فإن أول ما خاطبهم به مفتتحًا به رسالته قوله: "أما بعد أيها الإخوان المتلقبون بالمتنورين، أراكم تدعون الناس لبدعة الاجتهاد في الدين، وغيرها من البدع" إلى آخر ما هذى به. وقد استوفينا من الرد عليه ما فيه كفاية وذكرنا أقوال جميع علماء المذاهب الأربعة بأن الاجتهاد فرض من فروض الكفايات لا يجوز خلو عصر منه، وأن ترك الاجتهاد مؤد إلى إبطال الشريعة.
فأما ما ذكره المعترض هنا، تحت هذا الفصل من مقدمة ومباحث: فينقسم إلى قسمين:
أحدهما: المقدمة وما يتبعها من كلام المعترض نفسه. فإن كلام يدل على جهل محض لا يخالطه شيء من العلم وعلى حمق لا يصحبه شيء من العقل الذي يرشد صاحبه إلى طلب الحق والهداية إليه.
وأما القسم الثاني: وهو ما نقله عن بعض العلماء تحت هذه المباحث الثلاثة، وهي تعريف الاجتهاد، وجوازه، وما يجب على المجتهد فيه فإن كلام العلماء الذي نقله المعترض مثبت لبقاء الاجتهاد في هذه الأمة ووجود المجتهدين فيها إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وأن هذا الأحمق ومن قلدهم ضالون في زعمهم: انقطاع الاجتهاد بعد عصر الأئمة الأربعة مردود عليهم في ذلك من جميع المذاهب الأربعة. والغريب في أمر هذا المعترض أنه لا يعرف معاني ما ينقله من كلام العلماء، ويكفيه منه مجرد النقل عنهم مغالطًا مع تحريف كلامهم والتصرف فيه بالزيادة والنقصان، حتى إنه لا يفرق فيه بين ما هو حجة له أو عليه. فهو كالحمار يحمل أسفارًا. ومن ذلك ما نقله هنا عن صاحب "كشف الظنون" فإنه حجة عليه في طعنه على أئمة أهل الحديث وبيان لفساد فهمه وأنه ليس على شيء من العلم.
قال المعترض: "قال في كشف الظنون: في حرف الجيم مع الميم: وإن من أصول فرض الكفاية علم أحاديث الرسول ﷺ، وآثار أصحابه التي هي ثاني
[ ٢٢٦ ]
أدلة الأحكام. وله أصول وأحكام وقواعد واصطلاحات ذكرها العلماء يحتاج طالبه إلى معرفتها، كالعلم بالرجال وأسمائهم وأنسابهم وأعمارهم، ووقت وفاتهم، والعلم بصفات الرواة وشرائطهم، والعلم بمستند الرواة وإيرادهم ما سمعوه، وذكر مراتبه، والعلم بجواز نقل الحديث، والعلم بالمسند والعالي والنازل، والمرسل والمنقطع والموقوف، والمعضل، والعلم بالجرح والتعديل الخ والعلم بأقسام الصحيح والكذب، والغريب والحسن والمتواتر والآحاد، والناسخ والمنسوخ. وغير ذلك فمن أتقنها أتى دار هذا العلم من بابها. انتهى".
[ ٢٢٧ ]