قال المعترض: "البحث الرابع: في التلفيق".
ثم نقل تحت هذه الترجمة أقوالًا عن بعض العلماء جرى فيها على عادته من الجهل والتخليط. وقد سمى الأخذ بما دلت عليه الأحاديث التي في صحيح البخاري تلفيقًا جازاه الله بما يستحقه. ونحن لا يهمنا من بحث المعترض هذا شيء لأنه بحث مخترع، هو التلفيق بعينه، لأننا لا نعلم للتلفيق أصلًا في الشريعة، ولم ينقل فيه شيء عن الصحابة ﵃، ولا التابعين لهم من القرون المفضلة، ولم يذكروا الأئمة الأربعة ولا أصحابهم. وإنما هو من اختراع المتعصبين للتقليد الأعمى من متأخري جهلة هذه الأمة فإنهم يسمون من يطلب الدليل على مسائل الدين من الكتاب والسنة: ملفقًا. بل يسمون من قلد من قال
[ ٢٤٣ ]
بهما من الأئمة ملفقًا لأنه لم يتقيد عندهم بتقليد إمام واحد من الأئمة الأربعة، ويجعله بمنزلة الرسول ﷺ في تجريد الإتباع له. وهذا من محدثات الأمور التي حذر النبي ﷺ أمته عنها، فقال: "عليكم بسنتي، وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة".
نقول: فأي بدعة أقبح مما بلغه التقليد اليوم من الغلو الذي أبطل العمل بنصوص الكتاب والسنة عند هؤلاء المتعصبين للتقيد الأعمى؟ انظر إلى ما يقوله الملحد مختار فيما سبق قريبًا في رسالته هذه.
قال: "ومع هذا فأخبرونا: متى أجمعت الأمة على التعبد والتعامل بصحيح البخاري أو غيره؟ وأي عالم أو فقيه أفتى في حكم عن البخاري أو غيره؟ " يعني من كتب الحديث. قاتله الله أنى يؤفك هذا المفتري الضال.
ثم قال الملحد: "البحث الخامس في ترجمة الأئمة الأربعة" فأخذ يتهوس بكلام من عنده في حق الأئمة الأربعة هم في غنى عنه لأنه يتقول على الله بغير علم. إذ جزم هذا الملحد على الله: بأنه سبق في علمه أن يكون الأئمة الأربعة واسطة تدوين شريعته، وحفظ دينه. رشحهم لذلك كترشيح الأنبياء والرسل- إلى آخر ما هذى به من فضول الكلام، الذي ليس له صلة بترجمة الأئمة الأربعة. فقد ترك من ترجمتهم ما هو اللائق بهم ذكره من إخلاصهم العبادة لله تعالى، والزهد في الدنيا، وطلب الآخرة، مع ما أعطاهم الله من الفهم والفقه في علوم الشريعة، وتجريد الاتباع لصاحبها ﵊، حيث استحقوا أن يسموا بذلك أئمة يقتدى بهم إلى منهج المصطفى عليه أفضل الصلاة والسلام.
فأما ما يدعيه هذا الملحد من الغلو في تقليدهم: فكله جهل وخوض في دين الله بغير علم. قد نهى الأئمة الأربعة عنه، وأغلظوا القول فيه، والتحذير منه. فقد قال الإمام مالك رحمه الله تعالى: "إنما أنا بشر، أصيب وأخطئ،
[ ٢٤٤ ]
فاعرضوا قولي على الكتاب والسنة" وقال الإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى وأبو يوسف: "لا يحل لأحد أن يأخذ بقولنا ما لم يعلم من أين أخذناه" وقال أبو حنيفة أيضًا: "هذا رأي فمن جاءنا برأي أحسن منه قبلناه" وقال الإمام الشافعي ﵀: "أجمع الناس على أن من استبانت له سنة رسول الله ﷺ لم يكن له أن يدعها لقول أحد من الناس" وقال: "إذا صح الحديث فاضربوا بقولي عرض الحائط" وقال: "إذا رأيت الحجة موضوعة على الطريق فإني أقول بها" وقال أبو داود: قلت لأحمد: "الأوزاعي هو أتبع من مالك؟ فقال: لا يتقلد دينك أحدًا من هؤلاء. ما جاء عن النبي ﷺ فخذ به، ثم التابعين بعد الرجل مخير" وقال الإمام أحمد أيضًا: "لاتقلدني ولاتقلد مالكًا ولا الشافعي ولا الأوزاعي ولا الثوري، وخذ من حيث أخذنا". وقال: "من قلة فقه الرجل أن يقلد دينه الرجال" وقد قدمنا من نصوص الأئمة من جميع المذاهب في هذا المعنى ما فيه كفاية.
وأما زعمه هذا الملحد – بل جزم به على الله تعالى – وهو: "أنه تعالى وكل حفظ دينه إلى الأئمة الأربعة، دون غيرهم" فهذا قول لم يقله غيره ممن سبقه من هذه الأمة، بل قد أعلمنا الله في كتابه الكريم المنزل على سيد المرسلين محمد ﷺ أنه تعالى وحده الحافظ لدينه. حيث يقول جل ذكره: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر، الآية: ٩] وقد أخذ الله تعالى الميثاق على الذين أتوا الكتاب ليبينه للناس، ولا يكتمونه. فالأمة كلها مأمورة بحفظ هذا الدين والجهاد في سبيله وليس هذا الأمر محصورًا في أشخاص من هذه الأمة دون غيرهم، كما خص الرسل والأنبياء بالقيام بأعباء ما كلفوا به من أداء النبوة الرسالة. فهذا الغبي الأحمق لا يمنعه مانع من القول على الله بغير علم.
وأما إهماله ذكر ترجمة الإمام أحمد رحمه الله تعالى فلأنه من أئمة أهل الحديث، فليس بمستنكر من الحاج مختار إهماله لترجمة الصديق الثاني الإمام أحمد ﵁.
[ ٢٤٥ ]
قال الأحمق: "فإن قيل: إن القائلين بجواز الاجتهاد لا يعنون المعاني التي ذهبتهم إليها، ولا يقولون بالخروج عن الإجماع، ولا غاية لهم إلا العمل بالكتاب والسنة، هم لما سمعوا من الله تعالى ومن رسوله ﷺ أنه ما جعل في الدين من حرج، وأن شريعتنا سمحاء، لا عذر لأحد في تنكبها، ورأوا الأئمة الأربعة أخذوا الأمة بالشدة والحرج، حتى اضطر كثير من الناس لترك فروض لا عذر لهم في تركها، إلا ما في أدائها من الحرج. ورأوا أئمة الحديث الذي أجمعت الأمة أيضًا على صحة ما دونوه في كتبهم نقلوا أحاديث تخرج الأمة من الحرج. قالوا: أي بأس علينا، وأي خلل في ديننا إذا رجحنا قولًا في مسألة. رواه البخاري مثلًا على قول رواه أبو حنيفة في تلك المسألة، فخرجنا برواية البخاري من الحرج الذي أخذنا به أبو حنيفة، ولم نخرج بذلك عن شرع الشارع، ولا عن إجماع الأمة. ونكون قطعنا عذرا من يعتذر من الحرج؟ فهذا مذهبنا. وهذا ما ندين الله به وما أساء ظنكم بنا إلا عدم التفاهم".
أقول: إن هذا الجاهل الأحمق معجب بنفسه، متماد في غيه. فهو يهذي بما لا يدري. فقد افترى على من يقولون بجواز الاجتهاد، كما يعبر عنهم. فإنهم لم يقولوا في حق الأئمة الأربعة إ، هم أخذوا الأمة بالشدة والحرج إلى آخر ما قال. فإن هذه التهمة لا يسندها إلى الأئمة الأربعة إلا عدو للإسلام ولأئمته ﵃. فقد جني هذا الملحد على الأئمة الأربعة، ورماهم بما يبرأون منه وممن قاله في حقهم. بل هم فيما يختلفون فيه من فروع الشريعة، وما يستنبطونه من أحكامها يوسعون على الأمة لا يضيقون عليها. عليها. وهم مع ذلك يأمرون بإتباع الكتاب والسنة وينهون عن تقليدهم وتقليد غيرهم كما تقدم ذكره في ردنا هذا.
وإن هذا الملحد ليدل قوله على أنه من المتلاعبين، الذين اتخذوا الهوى لهم إلها، والشيطان لهم وليًا. فهو يظن أن الناس مثله، يتتبعون من الدين ما وافق هواهم، ويتلاعبون به كما يتلاعب. ونبرأ إلى الله منه ومن قوله وندين من
[ ٢٤٦ ]
قلوب مخلصة: أنه لن يؤمن أحدنا حتى يكون هواه تبعًا لما جاء به رسول الله كما ورد عنه ﷺ.
وأما حجة القائلين ببقاء الاجتهاد في هذه الأمة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها فليست هي اتهام الأئمة الأربعة بأخذ الأمة بالشدة والحرج، حتى يضطر كثير من الناس لترك فروض لا عذر لهم في تركها إلى ما في أدائها من الحرج، كما يقوله هذا الأحمق سبحانك هذا بهتان عظيم.
بل حجتهم هي: اتفاق الأئمة من كل مذهب على أن الاجتهاد فرض من فروض الكفايات لا يجوز خلو عصر منه، وأن ترك الاجتهاد مؤد إلى إبطال الشريعة. وهذا الاتفاق المجمع عليه منهم استنادًا إلى عمل الصحابة ﵃، وإجازة النبي ﷺ فيه، ثم العمل على ذلك من بعدهم في القرون المفضلة، واتفاق الأئمة الأربعة عليه، لنهيهم عن تقليدهم وتقليد غيرهم.
وقد تقدم بحث الاجتهاد فيما مضى من ردنا هذا ونقلنا من أقوال الأئمة في كل مذهب الاتفاق على باء الاجتهاد في هذه الأمة ما أغنى عن إعادته هنا.
وقد أقر الملحد هنا بأن الأمة أجمعت على صحة ما دونه أئمة الحديث في كتبهم من أحاديث رسول الله ﷺ. وهذا الإقرار –بعدما تقدم منه من الطعن في أئمة أهل الحديث، وما قاله فيهم، وإنكاره أخذ الأحكام من أحاديث رسول الله ﷺ وقوله: "إن ترجيح الر اجح من نصوص الأحاديث لا يفيد إلا ظنًا، يعد الأخذ به زندقة لا إسلامية، قال: وأنتم لا تجدون في كتب الحديث بيانًا ولا إشارة تهديكم إلى الصواب" وهنا يقرن الملحد بين حديث رواه البخاري وبين قول قاله أبو حنيفة، منكرًا على من يقدم رواية البخاري على قول أبي حنيفة، وهكذا هذا الملحد هائم في ظلمات كفره وجهلة.
وأما قوله: "فالجواب أن في هذا التعليل أنواع مغالطات إلى آخر ما قال".
[ ٢٤٧ ]
فجوابنا عنه: أن نقول هذا التعليل والمغالطات والجواب عنها من الملحد بدأ وإليه يعود، وقد رد على نفسه بنفسه.
[ ٢٤٨ ]