وأما قول هذا الملحد الجهمي: "ومن مذهبهم: القول بالتجسيم للباري جل وعلا، وقرروه في دروسهم".
فأقول: أجمل هذا الملحد فريته، فلم يذكر وجه هذا التجسيم الذي قرره الوهابيون في دروسهم مفصلًا، كما زعمه، وقصده في هذا التدليس: إخفاء مذهبه الباطل، فهو جهمي معطل، ويعني بالتجسيم إثبات صفات الباري جل وعلا، كما هي واردة في الكتاب والسنة وكما عليه سلف الأمة، من الإيمان بالله وربما وصف به نفسه، ووصفه به رسوله ﷺ، من غير تحريف ولا تعطيل ومن غير تكييف ولا تمثيل، بل يؤمنون بأن الله ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى، الآية: ١١] فلا ينفون عنه ما وصف به نفسه، أو وصفه به رسوله ﷺ ولا يحرفون الكلم عن مواضعه، ولا يلحدون في أسمائه وآياته، ولا يمثلون صفاته بصفات خلقه، لأنه سبحانه لا سمي له، ولا كفء ولا ند، ولا يقاس بخلقه ﷾: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص، الآيات: ١ – ٤] .
فأما هؤلاء المبتدعة من الجهمية والمعتزلة، ومن قابلهم في بدعتهم من المجسمة أمثال هذا الملحد فإنهم فهموا مما وصف الله به نفسه ووصفه به رسوله ﷺ التشبيه والتجسيم، ثم شرعوا في رد الكتاب والسنة بالتأويلات المستنكرة والتحريفات المزورة وضلوا ضلالين لأنهم شبهوا أولًا ثم عطلوا ثانيًا.
وأما السلف الصالح ومن تبعهم من الخلف: فمسلكهم مسلك بين مسلكين وهدى بين ضلالين، أثبتوا بغير تشبيه ولا تمثيل ونزهوا بغير تحريف ولا تعطيل، فأنكروا مذهب الجهمية والمعتزلة، وردوا على من قابلهم من
[ ١١٤ ]
المجسمة والممثلة. فالأولون كالجهم والجعد والمريسي ومن تبعهم من أئمة التعطيل، والآخرون كمحمد بن كرام وهشام بن الحكم وهشام بن الجواليقي أئمة التشبيه والتمثيل. وقد حمى الله السلف عن هذين الطريقين، وبرأهم عن مسلك الفريقين.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى – في سياق كلام له عن هؤلاء المبتدعة-: فإن السلف ﵃ إذا رأوا الرجل قد أغرق في نفي التشبيه من غير إثبات للصفات، قالوا: هذا جهمي معطل. قال: وهذا كثير في كلامهم جدًا، فإن الجهمية والمعتزلة إلى اليوم يسمون من أثبتن شيئًا من الصفات مشبهًا، كذبًا وافتراء، حتى إن منهم من غلا حتى رمى بعض الأنبياء بالتشبيه، وهو ثمامة بن الأشرس من رؤساء الجهمية، وحتى إن أكثر المعتزلة يدخل عامة الأئمة في قسم التشبيه، مثل الإمام مالك وأصحابه، والثوري وأصحابه، والأوزاعي وأصحابه، والشافعي وأصحابه، وإسحاق بن راهوية وأبي عبيد وغيرهم. وقد صنف أبو إسحاق إبراهيم بن عثمان بن درباس الشافعي جزءًا سماه "تنزيه أئمة الشريعة عن الألقاب الشنيعة" ذكر أنه صحيح على رأيه الفاسد، كما أن المشركين كانوا يلقبون النبي ﷺ بألقاب افتروها، فالروافض تسميهم "نواصب" والقدرية تسميهم "مجبرة" والمرجئة تسميهم "شكاكا" والجهمية تسميهم "مشبهة" وأهل الكلام يسمونهم "حشوية، ونوابت، وغثاء، وغثرا" إلى أمثال ذلك، كما كانت قريش تسمي الرسول ﷺ تارة مجنونًا، وتارة شاعرًا، وتارة كاهنًا، وتارة مفتريًا، قالوا: وهذه علامة الإرث الصحيح والمتابعة التامة. فإن السنة هي مات كان عليه رسول الله ﷺ وأصحابه، اعتقادًا واقتصادًا قولًا وعملًا، فكما أن المنحرفين عنه يسمونه بأسماء مذمومة مكذوبة فكذلك التابعون له على بصيرة لا بد للمنحرفين عن سنته أن يعتقدوا فيهم نقصًا، فيذمونهم بأسماء مكذوبة، انتهى.
وقال الإمام الحافظ أبو القاسم إسماعيل بن محمد التيمي الشافعي
[ ١١٥ ]
صاحب الترغيب والترهيب وشرح الصحيحين وغيرهما- وقد سئل عن صفات الرب جل وعلا – فقال: مذهب مالك، والثوري، والأوزاعي، والشافعي، وحماد بن سلمة، وحماد بن زيد، وأحمد بن حنبل، ويحيى بن سعيد، وعبد الرحمن بن مهدي، وإسحاق بن راهوية: أن صفات الله تعالى التي وصف بها نفسه، أو وصفه بها رسوله ﷺ من السمع والبصر، والوجه واليدين، وسائر أوصافه إنما هي على ظاهرها المعروف المشهور، من غير تكييف يتوهم، ولا تشبيه ولا تأويل. قال سفيان بن عيينة: كل شيء وصف الله به نفسه فقراءته تفسيره، أي على ظاهره ولا يجوز صرفه إلى المجاز بنوع من التأويل. انتهى.
إذا تبين هذا، فاعلم أن الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى وأتباعه مذهبهم في صفات الله تعالى مذهب سلف الأمة وأئمتها من الصحابة والتابعين ومن تبعهم، مثل هؤلاء الأئمة الذين ذكرهم الحافظ أبو القاسم، لا يخالفونهم في شيء من هذه العقيدة، وكلام الشيخ محمد رحمه الله تعالى في تحقيق عقيدة السلف الصالح في جميع مصنفاته: أشهر من أن يذكر فمن نسب إليه وإلى أتباعه قولًا أو مذهبًا خلاف ما عليه هؤلاء الأئمة – الذين ذكرهم الحافظ أبو القاسم – فقد افترى عليهم وسيجزيه الله تعالى بما توعد به من أمثاله من المفترين.
[ ١١٦ ]