فقول المعترض: "إن ما جاء في القرآن العظيم بحق المشركين: هو الذي ذهب بإيمان الوهابيين تحت ستار العبادة" قول مفتر وقح. لا يعرف ما جاء في القرآن العظيم، بل هو من الذين لا يعلمون الكتاب إلا أماني وإن هم إلا يظنون. أما الوهابيون: فإن الكتاب والسنّة هما الإمام المتبع لهم، سالكين طريق السلف الصالح، من الصحابة والتابعين ومن تبعهم. لا يحيدون عن طريقهم ولا يقولون في كتاب الله تعالى وسنّة رسوله ﷺ من عند أنفسهم، ولا ينفردون بقول لا يشهد له الكتاب والسنة وأقوال الصحابة، ومن تبعهم من الأئمة المحققين. ويعتمدون في القرآن على تفاسير الأئمة المتفق على إمامتهم، كتفسير الإمام محمد بن جرير الطبري، والإمام العماد ابن كثير وغيرهما من أئمة المفسرين. وأما السنّة المطهرة: فعندهم مدونات الحديث، كالصحيحين والسنن والمسانيد وغيرها من كتب الحديث وشروحها لأئمة أهل الحديث. لا يقولون في شيء منها برأيهم، بل الحق ضالتهم مع من كان. فالوهابيون يعلمون أن نبيهم محمدًا ﷺ هو خاتم النبيين، وأن الله تعالى أرسله للناس كافة بشيرًا ونذيرًا، وأنزل عليه كتابًا لا تغيير فيه ولا تبديل، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه وأن ما جاء فيه من الأحكام والأمر والنهي والوعد والوعيد فه ولكافة الأمة المحمدية من أولها إلى آخرها حتى قيام الساعة. وأما القول بأن الآيات
[ ٢٨٧ ]
التي نزلت بحق المشركين من العرب: لا يجوز تطبيقها على من عمل عملهم ممن يتسمى بالإسلام، لأنه يقول: "لا إله إلا الله" فهو قول من أغواه الشيطان فآمن ببعض الكتاب وكفر ببعض، لأن مجرد اللفظ بقول "لا إله إلا الله" مع مخالفة العمل بما دلت عليه، لا تنفع قائلها ما لم يقم بحق "لا إله إلا الله" نفيًا وإثباتًا. وإلا كان قوله لغوًا، لا فائدة فيه، وقد قاتل أبو بكر الصديق ﵁ مانعي الزكاة. وقال: "إنها من حق لا إله إلا الله" إلى آخر الحديث. وروى الترمذي وصححه عن أبي واقد الليثي رضي الله عته قال: "خرجنا مع رسول الله ﷺ إلى حنيني، ونحن حدثاء عهد بكفر، وللمشركين سدرة يعكفون عندها، وينوطون بها أسلحتهم، يقال لها: ذات أنواط فمررنا بسدرة. فقلنا: يا رسول الله، اجعل لنا ذاتَ أنواط كما لهم ذاتُ أنواط. فقال رسول الله ﷺ: "الله أكبر. إنها السنن. قلتم والذي نفسه بيده كما قالت بنو إسرائيل لموسى: اجعل لنا إلهًا كما لهم آلهة قال إنكم قوم تجهلون، لتركبن سنن من كان قبلكم" فأين هذا ممن يدعون الأموات استقلالًا من دون الله تعالى، ويصرفون لهم من العبادات ما لا يجوز صرفه لغير الله تعالى، ويعتقدون فيهم النفع والضر، والقدرة على ما لا يقدر عليه إلا الله ﵎؟
فالمعترض يريد تعطيل أحكام الكتاب والسنّة وقصرها على من نزلت فيهم. وهذا القول يقتضي رفع التكليف عن آخر هذه الأمة، والرجوع بها إلى الجاهلية الأولى. أم الوهابيون وإخوانهم: فأنهم متمسكون بكتاب الله تعالى سنّة نبيّه ﷺ وهما قدوتهم ومن قال بهما، فإنهما يدفعان عمن يتمسك بهما الغواية، ويغرسان في قلبه حبَّ الرسول ﷺ وموالاته، ومعاداة من ألحد فيها وحرفهما عن مواضعهما، أمثال هذه الأحمق المستحق لوصفه بالشقاوة، والبعد عن الحق. والله تعالى هو الحكم العدل، وسيحكم بين عباده فيما كانوا فيه يختلفون.
[ ٢٨٨ ]