قال: وقال شيخ مشايخنا محمد حياة السندي: اللازم على كل مسلم أن يجتهد في معرفة معاني القرآن من غير التزام مذهب لأنه يشبه اتخاذه نبيًا وينبغي له أن يأخذ بالأحوط من كل مذهب، ويجوز له الأخذ بالرخص عند الضرورة. وأما بدونها فالأحسن الترك أما ما أحدثه أهل زماننا من التزام مذاهب مخصوصة لا يرى ولا يجوز كل منهم الانتقال من مذهب إلى مذهب، فجهل وبدعة وتعسف. وقد رأيناهم يتركون الأحاديث الصحاح غير المنسوخة، ويتعلقون بمذاهبهم من غير سند فإنا لله وإنا إليه راجعون، انتهى.
وقال الإمام ابن رجب في طبقاته في ترجمة ابن هبيرة قال: مما أنكره علي بعض من يفتي في عصره، قال: وتارة إذا ذكرت لأحدهم الدليل، قال: ليس هذا مذهبنا فيقيم أوثانًا تعبد مع الله. انتهى.
وقال الغزالي في كتابه "فيصل التفرقة بين الإيمان والزندقة": شرط المقلد أن يسكت ويسكت عنه، لأنه قاصر عن سلوك طريق الحجاج، ولو كان أهلًا له، لكان مستتبعًا لا تابعًا، وإمامًا لا مأمومًا. وإن خاض المقلد في المحاجة فذلك منه فضول والمشتغل به ضارب في حديد بارد، وطالب لإصلاح فاسد، وهل يصلح العطار ما أفسده الدهر؟ انتهى.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في كتابه "منهاج السنة": قال الرافضي: وذهب الجميع منهم إلى القول بالقياس، والأخذ بالرأي. فأدخلوا في دين الله ما ليس منه، وحرفوا أحكام الشريعة، واتخذوا مذاهب أربعة، لم تكن في زمن النبي ﷺ، ولا زمن الصحابة وأهملوا تأويل الصحابة مع أنهم نصوا على ترك القياس. وقالوا: "أول من قاس إبليس".
قال الشيخ: الجواب عن هذا من وجوه – إلى أن قال – الوجه الخامس:
[ ١٩٢ ]
أن قوله: "أحدثوا مذاهب أربعة لم تكن على عهد رسول الله ﷺ" إن أراد بذلك أنهم اتفقوا على أن يحدثوا هذه المذاهب مع مخالفة الصحابة ﵃ فهذا كذب عليهم. فإن هؤلاء الأئمة لم تكونوا في عصر واحد بل أبو حنيفة توفي سنة خمسين ومائة، ومالك سنة تسع وسبعين ومائة، والشافعي سنة أربع ومائتين، وأحمد بن حنبل سنة إحدى وأربعين ومائتين، رحمه الله تعالى. وليس في هؤلاء من يقلد الآخر، ولا من يأمر باتباع الناس له بل كل منهم يدعوا إلى اتباع الكتاب والسنة إذا قال غيره قولًا يخالف الكتاب والسنة عنده رده ولا يوجب على الناس تقليده.
وإن قلت: إن أصحاب هذه المذاهب اتبعهم الناس فهذا لم يحصل بمواطأة، بل اتفق أن قومًا اتبعوا هذا وقومًا اتبعوا هذا. كالحجاج الذين طلبوا من يدلهم على الطريق فرأى قوم دليلًا خريتًا فاتبعوه، وكذلك آخرون. وإذا كان كذلك لم يكن في ذلك اتفاق أهل السنة على باطل، بل كل قوم ينكرون ما بل كل قوم ينكرون ما عند غيرهم من الخطأ فلم يتفقوا على أن الشخص المعين عليه أن يقبل من كل واحد من هؤلاء ما قاله، بل جمهورهم لا يأمر العامي بتقليد شخص معين غير النبي ﷺ في كل ما يقوله. والله تعالى قد ضمن العصمة للأمة فمن تمام العصمة أن جعل عددًا من العلماء إذا أخطأ الواحد في شيء، كان الآخر قد أصاب فيه، حتى لا يضيع الحق. ولهذا لما كان في قول بعضهم من الخطأ مسائل كبعض المسائل التي أوردها – يعني الرافضي – كان الصواب في قول الآخر، فلم يتفق أهل السنة على ضلالة أصلًا إلى أن قال:
[ ١٩٣ ]