وأما قول المعترض: "وفي مدة تسلطهم على الحرمين نبشوا قبور آل البيت والصحابة ودثروها".
فأقول: دلس الملحد، وحاد عن الحقيقة، فإن كان قصده بالنبش والتدثير هو هدم القباب التي كانت على القبور، فقد دلس بذلك ليخفي مصادمته لأمر الرسول ﷺ بهدم البناء على القبور، وخص قبور آل البيت والصحابة لتضخيم الوهم على الجهال الذين لا يعلمون أن الأمة متساوية في أحكام الدين من حلال وحرام، لا ميزة في ذلك لرفيع فمن دونه. ولما قال الله تعالى لنبيه ﷺ: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء، الآية: ٢١٤] قال ﷺ لابنته فاطمة ﵂: "يا
[ ١١٦ ]
فاطمة، أنقذي نفسك من النار، لا أغني عنك من الله شيئًا" فالمعترض ينكر ما يثبت من سنة الرسول ﷺ في هدم البناء على القبور ويشنع بالباطل على من أطاعه واتبع أمره ويفتري على الوهابيين الكذب بأنهم يقولون: "كل ما جاء في الحديث ويسميه المسلمون سنة واجبة فهو باطل، ولا يجوز العمل به" أليس أيها الملحد هدم البناء على القبور من سنة الرسول ﷺ وأنه أمر بهدمها؟ قال مسلم في صحيحه: حدثنا يحيى بن يحيى حدثنا وكيع عن سفيان عن حبيب بن أبي ثابت عن أبي وائل عن أبي الهياج الأسدي قال: قال لي علي ﵁: "ألا أبعثك على ما بعثني عليه ورسول الله ﷺ؟ أن لا تدع تمثالًا إلا طمسته، ولا قبرًا مشرفًا إلا سويته" حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال: حدثنا حفص بن غياث عن ابن جريج عن أبي الزبير عن جابر ﵁ قال: "نهى رسول الله ﷺ أن يجصص القبر، وأن يبنى عليه، وأن يكتب عليه". قال: حدثنا هارون بن سعيد الأيلي قال: حدثنا ابن وهب قال حدثني عمرو بن الحارث أن ثمامة ابن شفي حدثه قال: "كنا مع فضالة بن عبيد بأرض الروم برودس، فتوفي صاحب لنا فأمر فضالة بن عبيد بقبره يسوى، فسوي. ثم قال سمعت رسول الله ﷺ يأمر بتسويتها" وقال الترمذي: باب ما جاء في تسوية القبور: حدثنا محمد بن بشار – وساق بسنده – عن أبي وائل أن عليًا ﵁ قال لأبي الهياج الأسدي: "ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ﷺ؟ أن لا تدع تمثالًا إلا طمسته، ولا قبرًا مشرفًا إلا سويته". قال: وفي الباب عن جابر، وقال ابن ماجة: باب ما جاء في النهي عن البناء على القبور وتجصيصها والكتابة عليها، حدثنا أزهر بن مروان – وساق بسنده عن جابر ﵁ – قال: "نهى رسول الله ﷺ عن تجصيص القبور" حدثنا عبد الله بن سعيد – بسنده – عن جابر ﵁ قال: "نهى رسول الله ﷺ أن يكتب على القبر شيء" حدثنا محمد بن يحيى – بسنده – إلى أبي سعيد عن النبي ﷺ: "نهى أن يبنى على القبر" وقال أبو عيسى الترمذي أيضًا: باب ما جاء في التجصيص والكتابة عليها. حدثنا عبد الرحمن بن الأسود – وساق بسنده – عن جابر ﵁ قال: "نهى رسول
[ ١١٧ ]
الله ﷺ أن تجصص القبور، وأن يكتب عليها، وأن يبنى عليها، وأن توطأ" هذا حديث حسن صحيح. وقال أبو داود: باب البناء على القبور. قال: حدثني أبو الزبير: أنه سمع جابرًا يقول: "سمعت رسول الله ﷺ نهى أن يقعد على القبر، وأن يجصص، وأن يبنى عليه" قال النووي ﵀ في شرح صحيح مسلم: قال الشافعي رحمه الله تعالى: رأيت الأئمة في مكة يأمرون بهدم ما بني. ويؤيد الهدم قوله: "ولا قبرًا مشرفًا إلا سويته" وقال الأذرعي ﵀ في قوت المحتاج: ثبت في صحيح مسلم النهي عن التجصيص والبناء على القبور. وفي الترمذي وغيره: النهي عن الكتابة. قال القاضي عياض: ولا يجوز أن يبنى عليها قباب ولا غيرها. والوصية عليه باطلة. وقال الأذرعي ﵀: ولا يبعد الجزم بالتحريم في ملكه وغيره من غير حاجة على من علم النهي، بل هو القياس الحق. والوجه في البناء على القبور: المباهاة ومضاهاة الجبابرة الكفار والتحريم يثبت من دون ذلك. وأما بطلان الوصية ببناء القباب وغيرها من الأبنية العظيمة علي القبور وإنفاق الأموال الكثيرة عليه فلا ريب في تحريمه. والعجب كل العجب ممن يلزم بذلك الورثة من حكام العصر، ويعمل الوصية بذلك! انتهى كلام الأذرعي رحمه الله تعالى.
وفي هذا كفاية لدحض شبهات هذا الملحد وأكاذيبه، وبه انتهى الكلام على وقاحة دحلان، ومفترياته التي سقناها جملة واحدة، وفندنا جميع مزاعمه الباطلة بالمعقول والمنقول، الذي لا يبقى معه شبة لطالب الحق وقد ضلل دحلان بأكاذيبه هذه كثيرًا من الجهلة الحمقى أمثال هذا الملحد. فانظر ماذا يقول:
[ ١١٨ ]