قال المعترض: "وأما الوهابية وإخوانهم الذين سول لهم الشيطان التكبر عن الأئمة العظام وأفاضل العلماء كما سولت له نفسه التكبر عن آدم ﵇ وزين لهم عدم التقيد بمذهب من مذاهب أهل السنة، والخروج من بينهم كما هو خرج من بين الملائكة ورأوا أن المخالفة تخرجهم من الإجماع والخروج من الإجماع يدخلهم تحت خلع ربقة الإسلام. عمدوا للمكابرة والمغالطة بإنكار الإجماع فزعموا أن الإجماع غير حاصل بل غير ممكن واستدلوا على زعمهم بما بين الأئمة الأربعة من الاختلاف، وزعموا أن الإجماع لا يصح إلى بأن لا يوجد بوقت ما وعصر ما اختلاف بين اثنين في الحكم المجمع عليه، وهذا لم يكن قط، فالإجماع لم يكن قط".
أقول: لقد أسرف هذا الملحد فيما زعمه من الفجور وقول الزور، الذي
[ ١٣٨ ]
رمى به الوهابيين وإخوانهم من أهل السنة. وذلك بأنهم خارجون عن تقليد أحد المذاهب الأربعة، منكرون للإجماع، مع ما تهوس به من الكلام الذي يستحيل صدوره من عاقل. ونحن نبين بطلان ما ادعاه هذا الملحد بالأدلة الصحيحة الصريحة التي لا تحتمل المغالطة.
فأما دعواه على الوهابيين بأنهم ينكرون الإجماع: فهذا كذب محض، وفي الكلام على الإجماع تفصيل قد استوفيناه فيما تقدم، وخلاصته: أن الإجماع الذي يضلل المخالف فيه هو إجماع الصحابة ﵃، وما عداه من دعوى الإجماع فمذهب الوهابيين فيه هو مذهب إمامهم أحمد بن حنبل ومن وافقه من الأئمة ﵃.
وأما ما ادعاه الملحد على الوهابيين بأنهم لا يتقيدون بأحد المذاهب الأربعة، فهذا أولًا كذب على الوهابيين، وثانيًا: تقول على الله وعلى وسوله ﷺ وإلزام لأمته بشرع لم يأمرهم به الله ولا رسوله، وهو إلزامهم بالتقليد في دينهم لإنسان بعينه، دون رسول الله ﷺ. فجوابنا لهذا الملحد على دعواه هذه من وجهين:
الوجه الأول: أن ما نسبه هذا المعترض إلى الوهابيين وإخوانهم من علماء أهل السنة كذب وافتراء، فالوهابيون حنابلة المذهب في الفروع. يعرف ذلك كل مطلع على مذاهب أهل السنة. وهذه كتبهم مشهورة منشورة بين العالم، وفيها البيان الكافي لا ينكرها إلا معاند. وللشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى كتاب في فقه الحنابلة اختصره من الشرح الكبير ومن الانصاف، وكتاب آخر اختصره من الإقناع سماه "آداب المشي إلى الصلاة" وقال الشيخ في رسالة أرسلها إلى العالم الجليل الشيخ عبد الرحمن السويدي البغدادي رحمه الله تعالى: وأخبرك أنني ولله الحمد متبع، ولست بمبتدع، عقيدتي وديني الذي أدين لله به هو مذهب أهل السنة والجماعة، الذي عليه أئمة المسلمين مثل الأئمة الأربعة وأتباعهم إلى يوم القيامة.
وقال أيضًا في رسالة أرسلها إلى علماء مكة قال فيها: فنحن بحمد الله
[ ١٣٩ ]
متبعون لا مبتدعون، على مذهب الإمام أحمد بن حنبل.
وقال أيضًا في رسالة كتبها إلى عبد الله بن سحيم قال فيها جوابًا على المسائل التي شنع بها بعض أعدائه: وأما قوله إني مبطل كتب المذاهب، وقوله إني أدعي الاجتهاد، وقوله إني خارج عن التقليد – وعد بقية المسائل – قال: فهذه اثنتا عشرة مسألة جوابي فيها أن أقول: سبحانك هذا بهتان عظيم. ولكن قبله من بهت محمدًا ﷺ أنه يسب عيسى ابن مريم ويسب الصالحين وتشابهت قلوبهم إلى آخره.
وقد تقدمت هذه الرسائل بجملتها في ردنا هذا، ما عدا رسالة عبد الله بن سحيم، اقتصرنا على الشاهد منها.
وفي تاريخ الشيخ عثمان بن بشر قال: وكان الشيخ – يعني محمد بن عبد الوهاب – كثيرًا ما يتمثل بهذه الأبيات:
بأي لسان أشكر الله؟ إنه لذو نعمة قد أعجزت كل شاكر
هداني إلى الدين القويم تفضلًا عليّ، وبالقرآن نور البصائر
وبالنعمة العظمى اعتقاد ابن حنبل عليه اعتقادي يوم كشف السرائر
وقال الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمهم الله تعالى في رسالة أيضًا – تقدم ذكرها – إن مذهبنا في أصول الدين مذهب أهل السنة والجماعة، وطريقتنا طريقة السلف. ونحن في الفروع على مذهب الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى، ولا ننكر على من قلد الأئمة الأربعة دون غيرهم لعدم ضبط مذاهب الغير كالرافضة والزيدية والإمامية ونحوهم، فلا نقرهم على شيء من مذاهبهم الفاسدة، بل نجبرهم على تقليد أحد الأئمة ولا نستحق بمرتبة الاجتهاد المطلق ولا أحد لدينا يدعيها، إلا أننا في بعض المسائل إذا صح لنا نص جلي من كتاب أو سنة، غير منسوخ ولا مخصص، ولا معارض بأقوى منه، وقال به أحد الأئمة الأربعة: أخذنا به، وتركنا المذهب كإرث الجد والإخوة. فإنا نقدم الجد وإن خالف مذهب الحنابلة ولا نفتش على أحد في
[ ١٤٠ ]
مذهبه ولا نعترض إلا إذا اطلعنا على نص جلي كذلك مخالف لمذهب بعض الأئمة. وكانت المسألة مما يحصل بها شعار ظاهر، كإمامة الصلاة. فنأمر الحنفي والمالكي – مثلًا – بالمحافظة على نحو الطمأنينة في الاعتدال والجلوس بين السجدتين، لوضوح دليل ذلك بخلاف جهر الإمام الشافعي بالبسملة، وشتان بين المسألتين فإذا قوي الدليل أشرنا لهم إلى النص، وإن خالف المذهب وذلك إنما يكون نادرًا جدًا. ولا مانع من الاجتهاد في بعض المسائل دون بعض، ولا مناقضة لعدم دعوى الاجتهاد المطلق، وقد سبق جمع من أئمة المذاهب الأربعة إلى اختيارات لهم في بعض المسائل مخالفين للمذهب، ملتزمين تقليد صاحبه. ثم إنا نستعين على فهم كتب الله بالتفاسير المتداولة المعتبرة ومن أجلها لدينا تفسير الإمام ابن جرير الطبري، ومختصره لابن كثير الشافعي، وكذلك البيضاوي والبغوي والخازن والحداد والجلالين وغيرهم. وعلى فهم الأحاديث بشروحها، كالقسطلاني والعسقلاني على البخاري، والنووي على مسلم، والمناوي على الجامع الصغير، ونحوهم على كتب الحديث خصوصًا الأمهات الست وشروحها، ونعتني بسائر الكتب في سائر الفنون، أصولًا وفروعًا، وقواعد وسيرًا، وصرفًا ونحوًا، وجميع علم الأمة. انتهى الشاهد منه.
وقال الإمام عبد الكريم بن فخر الدين الهندي: في كتابه "الحق المبين" في رده على دحلان قال في الصواعق الإلهية بالفارسية ما تعريبه: قد علم برواية الثقات أن الشيخ محمد بن عبد الوهاب، كان إمامًا من أئمة الطريقة، آمرًا بالمعروف المشروع، ناهيًا عن المنكر الممنوع، وحاز قصبات السبق على كبراء المعاصرين له قدم في الدعوة إلى التوحيد والاعتصام بالسنة والاجتناب من الشرك والبدعة.
وقال في موضع آخر: ومعلوم أن محمد بن عبد الوهاب كان حنبليًا في المذهب، ومتبعًا للسنة في المشرب، وكذلك أتباعه إلى الآن فالله المستعان على ما قالوا فيه من البهتان. انتهى.
[ ١٤١ ]
الوجه الثاني: على تسليم دعوى المعترض بأن الوهابيين وإخوانهم لم يتقيدوا بأحد المذاهب الأربعة، فقد أسرف فيما رماهم به وعام في بحر جهل لا ساحل له، وخاض في دين الله كخوض الذين خاضوا من قبله. وقال في حق عبادة قول من لا يرى عليه محتسبًا في الدنيا ولا محاسبًا في الآخرة، حيث جعل خروجهم عن تقليد أحد المذاهب الأربعة- على دعواه – كخروج إبليس من بين الملائكة. مع أن المعترض لم يدل بحجة عن الله ولا عن رسوله ﷺ ولا عن الأئمة الأربعة ولا أئمة المسلمين من بعدهم الذين يعتمد عليهم ويعتد بأقوالهم. بل قد جاء بما لم يأت به أحد قبله من الغلو الذي هو سبب المروق من الدين. وهكذا الجهل واتباع الهوى يؤولان بصاحبهما. فقد جعل من يدعي العلم من المتعصبين للتقليد ومن تبعهم من العوام أهل السنة والجماعة من خالفهم فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه، فاسترسل مع خيالاته الشيطانية حتى كفر من خرج عن تقليد المذاهب الأربعة، وهذا عين الجهل والوقاحة، بل غاية في الفضيحة والقباحة، فليتقدم لمقابلة جيوش الكتاب والسنة وليتذرع بما لفقه من الشبه عن بواتر الحق وحداد تلك الأسنة.
[ ١٤٢ ]