أقول: ليس لنا غرض في الدخول مع المعترض في هذه المسائل التي هي أصول أحكام الشرع لشهرتها، وعدم الخلاف فيها بين أئمة أهل السنة، وإن كان المعترض قد خاض فيها بجهله وعدم معرفته لأصول الدين من فروعه. فقصدنا من نشر كلامه هنا بنصه: إنما هو لأجل فضيحته وبيان انه من الصم البكم الذين لا يعقلون. فإن أصول الشرع وفروعه قد أحكمها الله في كتابه، وفي سنة نبيه ﷺ ودونها المفسرون وشراح الحديث، وبينوها بما لا نحتاج معه إلى تخليط أمثال هذا الجاهل الملحد، الذي جعل سنة الرسول ﷺ فرعًا، لا تستقل بتشريع الأحكام، وجعل القياس ركنًا ثالثًا للكتاب والسنة. وقال عن الإجماع: إنه حدث بعد قرن الأئمة الأربعة، وأن العلماء لما كثرت الملل والنحل جعلوه ركنًا رابعًا للكتاب والسنة والقياس. فهل عين رأت أو أذن سمعت بمثل تخليط هذا الأحمق الجهول؟.
وأعظم وأطم من ذلك: تعليل هذا الملحد لأحكام القرآن بأنها على غاية من التشويش، ولا يصح عليها وصف الكمال وإتمام النعمة، والله تعالى يقول:
[ ٢٠٦ ]
﴿اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ [المائدة، الآية:٣]، ويقول: ﴿مافَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام، الآية:٣٨]، ويقول تعالى: ﴿َلقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [آل عمران، الآية:١٦٤]، ويقول تعالى: ﴿ُوَهوالَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [الجمعة، الآية:٢] إلى غير ذلك من الآيات في هذا المعنى كثير. و"الحكمة" كما قال الشافعي ﵁ وغيره من الأئمة هي سنة رسول الله ﷺ. فقد أخبر الله عباده: بأنه بعث فيهم رسولًا من أنفسهم، وأنزل عليه كتابًا قد أكمل لهم به الدين، وأتم عليهم به النعمة، ووكل بيان وتفصيل ما أنزله في كتابه إلى رسوله ﷺ، ففرض عليهم طاعته، واتباع أمره، وأخبرهم بأنه لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى. فأين زاغ المعترض عن هذا البيان المبين، والتفصيل الفاصل عن الشك باليقين؟ فقد أعماه الهوى عن الهدى، فلم يهتد إليه وناداه منادي الكتاب العزيز: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام، الآية:٣٨] فلم يلتفت إليه، هائمًا في ضلالته متوغلًا في بيداء جهالته، لا يعرف الأصول من الفروع، ولا يفرق بين أدلة الأحكام من أصول الأحكام. وهكذا تنقض عرى الإسلام عروة عروة بمثل هؤلاء الجهلة الحمقى، لا أكثر الله منهم بين المسلمين.
قال المعترض: "واعلم أن الاختلاف في الفروع والقياس ليس من محدثات الأئمة الأربعة، بل هو واقع من زمن الصحابة. وكان يقع بينهم ذلك في حياة الرسول ﷺ فيراجعونه فيما يختلفون فيه وبعد وفاته يرجعون فيه إلى العلماء منهم، وهكذا حال التابعين. وهذه حقائق مستفاضة مذكورة في مواضعها، من كتب الحديث والتفسير والأصول ومطولات الفقه المعتمد عليها عند أهل الدين، وحوادثها وأمثلتها أكثر من أن تجمع، ولا يجهلها إلا العامي الأحمق، فمن هداه الله في دينه، وأرشده لما ينجيه يوفقه لتتبع كتب علماء الدين فيرى الحق ظاهرًا كالشمس، وأما من أضله الله وأشقاه فينصب على مطالعة كتب أهل البدع والمقولات، ويتلقى أضاليلهم، كحقائق ثابتة، فيعيش
[ ٢٠٧ ]
ألعوبة بيد أهوائه، وسخرية بأعين أهل الدين، ويموت هالكًا للنار، والعياذ بالله تعالى".
أقول في كلام المعترض هذا: إنه من جنس خرافاته المتقدمة، ومغالطاته المتكررة. فهو دائمًا يهذي بهذه الحماقات التي ليس له عليها دليل إلا مجرد الدعوى الباطلة.
[ ٢٠٨ ]