فأما قول الملحد: "فأسالكم من هم السلف؟ " إلى آخره.
فنقول له وبالله التوفيق: سفنا من أخرجنا الله به من الظلمات إلى النور
[ ٢٩ ]
وافترض الله علينا طاعته وتعظيمه وتوقيره، وسد إليه جميع الطرق، فلم يفتح لأحد إلا من طريقه من علم الله به من الجهالة، وبصر به من العمى، وأرشد به من الغي وفتح به أعينًا عميًا وآذانًا صمًا وقلوبًا غلفًا سيد الأولين والآخرين، من جاءنا بها بيضاء نقية، القائل: "تركتكم على المحجة البيضاء، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك" وروى الإمام مالك رحمه الله تعالى في الموطأ أن النبي ﷺ
قال: "تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنة رسوله" وقال ﷺ
في خطبته في حجة الوداع: "وقد تركت فيكم ما لم تضلوا بعده إن اعتصمتم به: كتاب الله تعالى" وعن العرباض بن سارية ﵁ قال: "صلى بنا رسول الله ﷺ ذات يوم ثم أقبل علينا بوجهه، فوعظنا موعظة بليغة ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب. فقال رجل: يا رسول الله، كأن هذه موعظة مودع، فأوصنا. فقال: "أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة، وإن كان عبدًا حبشيًا فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي تمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة" وعن عمر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "أكرموا أصحابي، فإنهم خياركم ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ثم يظهر الكذب – الحديث بطوله" رواه النسائي وإسناده صحيح، ورجاله رجال الصحيح إلا إبراهيم الخثعمي فإنه لم يخرج له الشيخان وهو ثقة ثبت، ذكره الجزري. كذا في المرقاة واللمعات. قاله في الدين الخالص.
فليس لنا سلف سوى المصطفى ﷺ وما جاءنا به من كتاب ربه وسنته المطهرة، وما أرشدنا إليه من سنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعده وأصحابه خيار هذه الأمة ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم، نغرف لهم فضلهم وأمانتهم ونشهد بصدقهم وإمامتهم، لإرشاد الرسول ﷺ وأمره لنا باتباعهم واقتفاء أثرهم. فنحن مع نصوص الكتاب والسنة دائرون ولمن قال بها متبعون. لا تأخذنا فيهما لومة لائم ولا يثنينا عنها إرجاف منحرف في ضلالته هائم، فإن
[ ٣٠ ]
خفي علينا حكم، أو أشكل علينا فهم معنى رجعنا فيه إلى من أرشدنا الرسول ﷺ إلى اتباعهم، فيسعنا ما وسعهم فقد أكمل الله لنا الدين وأتم علينا النعمة، فله الحمد والمنة لا نحصي ثناء عليه بل هو كما أثنى على نفسه.
فأما قول المعترض: "فهاكمو كتب أئمتنا. . . الخ".
فالجواب أن يقال له: من هم أئمتك؟ وما هي كتبهم التي تدعي أن جميع أحكامها مأخوذ أصله عن الصحابة ﵃، وأن أسانيد أئمتك كلها مأخوذة عن الثقات من التابعين؟ فإن ادعيت أنهم الأئمة الأربعة أو واحد منهم وأردت بكتبهم" الكتب المدونة في مذاهبهم التي تلقاها الرواة الثقات من أصحابهم عنهم، طالبناك بالدليل على إثبات تقليدك لمن ادعيت تقليده منهم مع علمنا أنه ليس عندك جواب سوى الدعوى المجردة عن الحقيقة.
[ ٣١ ]