قال المعترض: "ثانيها: من البديه الذي لا مكابرة فيه، أن رواية الأقرب فالأقرب للشارع أصح وأحكم من رواية الأبعد فالأبعد. ولا نزاع بأن الأئمة الأربعة أقرب عهدًا للشارع من أئمة الحديث".
والجواب أن يقال لهذا المعترض: نحن لا نقدم تقليد أئمة أهل الحديث برأي دون الأئمة الأربعة، بل إنما نقدم اتباع أحاديث الرسول ﵊ التي حملوها إلينا على أقوال الرجال.
وأيضًا: فإنا نجيب هذا الأحمق على حكم بديهته بأن رواية الأقرب فالأقرب للشارع أصح وأحكم. فندعوه إلى رواية رسول الله ﷺ عن ربه. فهل في هذا القرب تعليل عند المعترض، أو وسيله أقرب منها فيذكرها لنا؟ فإن زعم
[ ٢٧٤ ]
هذا الأحمق – على مذهبه الباطل – أن أحكام الله تعالى لا يصح تلقيها، والعمل بها مباشرة من كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ إلا بواسطة، فليس أقرب ولا أفضل من أصحاب نبيه ﷺ، ورضي الله عنهم. وقد قال ﷺ: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة". وهل يشك أحد في أن أصحابه ﷺ هم أفضل هذه الأمة وأقربها إليه، وأكملها علمًا ودينًا. وقد تلقوا الشريعة منه ﷺ والوحي ينزل عليه وهو بين أظهرهم، ولم يقبضه الله تعالى حتى أكمل لهم الدين وأتم عليهم النعمة فقال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة، الآية: ٣] فالرسول ﷺ بلغ هذا الدين الكامل إلى أصحابه ﵃، وأصحابه بلغوه عنه لمن بعدهم، كما سمعوه من نبيهم ﷺ فهل جاء بعدهم أحد من هذه الأمة بزيادة عن هذا الذي بغله الرسول ﷺ عن ربه لأصحابه؟ أم هل جاء أعلم منهم بكتابه تعالى وسنة نبيه ﷺ، أو أعلم منهم بلغة العرب الفصحى، لغة القرآن والسنة حتى تدعى الأمة لاتباعه وتقليده دون الصحابة ﵃؟ والله تعالى يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [النساء، الآية: ٥٩] ويقول تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء، الآية: ٨٠] والرسول ﷺ يقول: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ" هؤلاء هم أصحابه ﵃، فماذا بعد الحق إلا الضلال؟.
قال المعترض: "ومن عجيب التوفيق أنك تجد نحو ربع أو ثلث البخاري متصلًا للإمام مالك، كما أنك تجد سنن أبي داود كأنها ملخصة من موطأ مالك وهذا ظاهر على شدة الثقة والاعتماد على روايات مالك ﵃ أجمعين".
والجواب: أن هذا الأحمق – بناء على فهمه الفاسد – يشير بهذا الكلام إلى أن أئمة أهل الحديث – كالبخاري وأبي داود – يعتمدون في أغلب نقلهم في كتبهم على الإمام مالك. فهم بذلك مقلدون له لشدة ثقتهم به، واعتمادهم على
[ ٢٧٥ ]
روايته. وهذا مبلغه من العلم لأنه جاهل أحمق. يظن أن رواية الحديث من باب القليد، فلا يستغرب هذا على فهمه العاطل. وقد قال ﷺ: "يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله الحديث" وعن زيد بن ثابت أن النبي ﷺ قال: "نضر الله امرأً سمع منا حديثًا فحفظه وبلغه فرب حامل فقه ليس بفقيه" وعن ابن عباس ﵄: قال: قال رسول الله ﷺ: "تسمعون ويسمع منكم، ويسمع ممن يسمع منكم" ذكر هذه الأحاديث ابن عبد البر في جامع بيان العلم. فأئمة أهل الحديث – وإن تأخر زمانهم – فقد اجتمع لهم من سنة رسول الله ما لم يجتمع لمن قبلهم من أفراد الأئمة وذلك بما بذلوه من العناية في جمع أحاديث الرسول ﷺ من مختلف أقطار الأرض التي تفرق فيه الصحابة. فقد كابدوا الأسفار الطويلة في طلب الأحاديث من حفاظها. واجتهدوا في تدوين متونها، وضبطها وتمحيصها، وجمع طرقها وتحرير رواياتها، ومعرفة حال رجالها، وصحة أسانيدها، وقويها من ضعيفها، وغير ذلك مما يحتاج إليه علم الحديث، وهذا الأمر مما لم تتجه إليه همة كل من سبقهم من الأئمة. وإن كان أغزر منهم علمًا وأقوى منهم استنباطًا للأحكام من الكتاب والسنة. فقد حبا الله بعض عباده بفضل، ورفع بعضهم فوق بعض درجات، وجعل فوق كل ذي علم عليم، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم.
قال المعترض: "الوجه الثالث: لا خلاف أن في الكتاب والسنة: الناسخ والمنسوخ. وهذا منه المنسوخ من الكتاب بالكتاب ومنه المنسوخ من الكتاب بالسنة. ومنه المنسوخ من السنة بالسنة. وهذه الأقسام أوسع أسباب الاختلاف بين الصحابة والتابعين والأئمة وفيها العام والخاص، والمقيد والمطلق، والمجمل والمفصل، والظاهر والمضمر – إلى آخره. فهذه كلها أحاط الأئمة الأربعة وأصحابهم بأطرافها وما تركوا فيها زيادة لمستزيد، حال كون أئمة الحديث ما تعرضوا لشيء منها البتة. بل سردوا الأحاديث سردًا في أبوابها على علاتها، فإذا وجدتم حديثًا في البخاري أو غيره في سألة، ومثله في موطأ مالك مثلًا، أحدهما فيه تشديد والثاني فيه ترخيص، فأنى لكم معرفة الناسخ،
[ ٢٧٦ ]
فترجحوه على المنسوخ؟ وهكذا في سائر الأقسام التي تتوقف صحة الحكم على معرفتها. وأنتم لا تجدون في كتب الحديث بيانًا ولا إشارة تهديكم إلى الصواب أيجوز لكم الترجيح بمجرد الظن والتخرص؟ هذه زندقة إسلامية، ثم قال: وأما قولكم إنكم ما خرجتم عن الإجماع، فهذا هو المغالطة لأنا بينما كنا نباحثكم عن إجماع الفقهاء والتعبد والتعامل: التجأتم إلى الإجماع على كتب الحديث. ومع هذا فأخبرونا متى أجمعت الأمة على التعبد والتعامل بصحيح البخاري أو غيره؟ وأي عالم أو فقيه أفتى في حكم عن البخاري أو غيره؟ " إلى آخر ما هذى به من الجهل والتخليط الذي لا يعقل.
والجواب: أننا أوردنا كلام هذا الملحد الأحمق جملة واحدة. لأن كله منكر من القول وزور. لا يحتاج إلى رد، ولا تحليل إن لم يكن صحابه مصابًا في عقله. فإنه مروق من الإسلام وخوض في دين الله بالباطل مع الخائضين. فلقد تهور هذا الملحد بذكر الناسخ والمنسوخ من الكتاب والسنة، حيث جعله عقبة كأداء دون فهم الكتاب والسنة وأنه لا يفهم هذا العلم إلا أفراد قليلون من هذه الأمة، وأن هذا هو أعظم سبب لعدم جواز العمل بنصوص الكتاب والسنة، ووجوب التقليد كما زعم أيضًا أن الناسخ والمنسوخ أوسع أسباب الاختلاف بين الصحابة والتابعين والأئمة، مع كذبه أيضًا على أئمة أهل الحديث بأنهم ما تعرضوا لبيان شيء من علوم الكتاب والسنة، بل سردوا الأحاديث سردًا في أبوابها على علاتها، وأن أحاديث الرسول متعارضة، وليس يوجد في كتب الحديث بيان ولا إشارة تهدي إلى الصواب. وأشنع من ذلك: زعمه الباطل بأن أخذ الأحكام من نصوص الكتاب والسنة وترجيح الراجح بما دلت عليه من الأحكام: ظن لا يفيد اليقين، بعد الأخذ به وزندقة لا إسلامية. وهذا كلام في غاية الفحش والنكر، يدلنا دلالة صادقة على أن قائله مسلوب العقل والإيمان نعوذ بالله من ذلك.
[ ٢٧٧ ]