يقول هذا الملحد: "إنه تتبع المظان من الكتب ليرى أول قائل بهذه الضلالة وداع إليها" إلى آخر كلامه الذي نقلناه هنا بالحرف الواحد.
فإن كلام شيخ الإسلام ابن تيمية هذا الذين نقله الملحد من كتاب الشيخ المذكور ليس فيه كلمة واحدة تدل على ما زعمه هذا المفتري من أن ابن تيمية يحرم فيه زيارة قبر النبي ﷺ وسائر قبور المسلمين، بل كله في تحقيق التوحيد لله تعالى، وفي الرد على النصارى فيما بدلوه من دين المسيح ﵇، وما جاءوا به من الغلو الشنيع، وعلى اليهود وغيرهم من أهل الملل الضالة وكل من تشبه بهم وسلك سبيلهم ممن جاءوا من بعدهم، لتحذر هذه الأمة المحمدية سلوك سبيلهم، قارعًا أسماعهم بالآيات القرآنية، والأحاديث الصحيحة النبوية، وكلها نصوص صريحة في لعن هؤلاء الغلاة، ولعن من تشبه بهم سالكًا سبيلهم، لا تقبل تأويلًا ولا مغالطة، كما تعمده هذا الملحد من صرفه لمعاني كلام شيخ الإسلام وتحريفه له عن مواضعه، ونسبته إلى الشيخ من القول ما لم يقله بل ولم يشر إليه بحرف واحد.
لذلك رأيت أن أبلغ رد على هذا الملحد، وبيانًا لكذبه وافترائه هو أن أبرز كلام شيخ الإسلام الذي زعم أنه نقله من كتاب الشيخ: "الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح" كاملًا مجردًا عن تعليقه عليه، ومغالطاته ليراه كل مطلع عليه من أهل العلم والتحقيق، فيعلموا براءة شيخ الإسلام مما رماه به هذا الدجال، ويتحققوا جراءة هذا الملحد على أئمة المسلمين في الافتراء عليهم، وتحريف كلامهم عن مواضعه. فأن شيخ الإسلام ابن تيمية لم يتعرض في كلامه هذا
[ ٣١٣ ]
لمسألة زيارة القبور كافة، لا بتحريم ولا كراهة لأن زيارة القبور سنّة متفق عليها عند جميع المسلمين فعلها رسول الله ﷺ، وأمر بها، وعلمها لأصحابه، فمن فعلها كما فعلها رسول الله ﷺ وعلمها لأصحابه فهو عامل بسنّة، مأجور عليها ومن أهمل العلم بها فهو تارك لسنّة غير مأزور بتركها.
وأما المسألة التي يتكلم عليها شيخ الإسلام: فهي أم مسائل دين الإسلام وهي تحقيق التوحيد لله تعالى، وإفراده بجميع أنواع العبادات. وهذا التوحيد هو معنى "لا إله إلا الله" لا مجرد لفظها، وبهذا أرسلت الرسل، وأنزلت الكتب، ليكون الدين كله لله تعالى. فأين مسألة زيارة القبور- التي هي سنّة- من هذه المسالة- التي هي أصل دين الإسلام؟ ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الروم، الآية:٥٩] ولكن هذا الملحد ومن قلدهم من دعاة الوثنية سموا دعاء الأموات وصرف أنواع العبادات لهم بزيارة القبور، فضلوا وأضلوا كثيرًا من الجهلة عن سواء السبيل.
[ ٣١٤ ]