وأما قول المعترض الملحد: "وحيث لا حاجة لإطالة البحث في فروع مذهبكم فأكتفي بالبحث في مسألتي الاجتهاد والتوسل، وما يتعلق بهما وحيث لهاتين المسألتين علاقة بمذهب الوهابية فاقتضى تقديم بيان فيه ليرى الناس ما بين مذهبكم ومذهبهم من التشابه".
فالجواب: أن هذا المعترض ما زال يتخبط في ظلمات جهله وضلاله. فقد رمى من خاطبهم من هؤلاء من هؤلاء العلماء الأعلام فيما أسنده إليهم ووصفهم به من أعمال المنافقين الذين هم في الدرك الأسفل من النار، ومن أعمال أهل الكتاب الذين ذمهم الله تعالى بأنهم يحرفون الكلم عن مواضعه يقولون: ﴿هذا من عند الله وما هو من عند الله﴾ ومن الذين يخلطون الحق بالباطل والظن باليقين، ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون – إلى آخر ما رماهم به من أمثال هذه الموبقات التي يقول عنها: إنها من فروع مذهبهم، وأنه لا حاجة له في إطالة البحث معهم في فروعه. فهو يريد البحث معهم في الأصول وأنه سيكتفي في بحث مسألتي الاجتهاد والتوسل وما يتعلق بهما.
قال: "ولما كان لهاتين المسألتين علاقة في مذهب الوهابية فإ نه سيقدم فيه بيانًا ليرى الناس ما بين مذهبهم ومذهب الوهابية من التشابه".
ومذهب الوهابيين عند هذا المعترض الملحد: هو المذهب الذي يقول فيه "إسلام ووهابية لا يجتمعان، وأنى يجتمع الكفر والإيمان؟ ".
وبهذا فقد زاد هؤلاء العلماء على ما تقدم مما رماهم به: أن أفصح عن تكفيره لهم، كما كفر الوهابيين. وذلك بعدما خاطبهم بالأخوة وشهد لهم بأنه متفق معهم على أصول الإيمان وأركان الإسلام. فلا عجب من تناقض هذا الرجل وتخليطه فقد غلب عليه الجهل واتباع الهوى ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ﴾ [القصص، الآية: ٥٠] .
[ ٣٥ ]
وأما ما يزعمه المعترض من البحث في مسألتي "الاجتهاد والتوسل" فإنه زعم باطل لا حقيقة له. فلم يأت في بحث هاتين المسألتين إلا بما كشف عن جهله وإفلاسه من العلم، وأنه ليس من أهل البحث والتحقيق حيث سمى الاجتهاد بدعة في الدين بل هو كما قال الأخطل:
فانعق بضأنك يا جرير فإنما منتك نفسك في الخلاء ضلالا
وسنأتي إن شاء الله تعالى على تحقيق هاتين المسألتين بما يحق الحق ويبطل الباطل من كلام الله تعالى وكلام رسوله ﷺ وكلام علماء أهل السنة بما يدرأ في نحر هذا المعترض ومن قلدهم من أهل الزيغ والضلال.
قال المعترض: "المذهب الوهابي كان الناس في اختباط وتردد من حقيقة مذهب الوهابيين ومقولاتهم، بسبب ما كانوا يتسترون به من مظاهر التوحيد وادعاء التمسك بالكتاب والسنة، حتى طغوا وبغوا على الحجاز وناظرهم العلماء فكشف الله عنهم الستر، وسلط عليهم إبراهيم باشا المصري. فكاد يفنيهم ويقطع دابرهم لكن لله إرادة في بقاء جرثومة من هذه الطائفة في بلاد نجد. وقد تصدى لتحرير مذهبهم وتقرير مقالاتهم والرد عليهم جمهور من علماء الحجاز منهم السيد أحمد زيني الملقب بالدحلان نزيل مكة المكرمة، المتوفى في المدينة المنورة سنة ١٣٠٣هـ وبسط ذلك في تاريخه المسمى "خلاصة الكلام في أمراء البلد الحرام" وأنا إن شاء الله آخذ عنه ما يتعلق بموضوعنا بدون تصرف وبالله المستعان".
أقول: يزعم هذا الملحد أن الناس كانوا في اختباط وتردد في حقيقة مذهب الوهابية بسبب ما يستترون به من مظاهر التوحيد وادعاء التمسك بالكتاب والسنة. فهذا الملحد جاهل أعمى أو متجاهل متبع لهواه، لذلك لم يعلم أن أهل البصائر من جميع الناس الذين أعطاهم الله هدى ونورًا يفرقون به بين الحق والباطل لم يترددوا في معرفة حقيقة مذهب الوهابية، ولم يكتموا الحق بل نصروه وقرروه وردوا على من أنكره، أو شوه حقيقته من أهل الزيغ والبدع أمثال
[ ٣٦ ]
دحلان ومن قلده من الأغبياء أمثال الحاج مختار الذين لا يعلمون أن مظاهر التوحيد والتمسك بالكتاب والسنة قولًا وعملًا لا يتركان سبيلًا لرواج الادعاءات الكاذبة إلى هذه الدعوة المحمدية، وإن سماها أعداء التوحيد "وهابية" فقد أعلا الله منارها، وجعل العاقبة لأهلها لأنهم في دعوتهم مخلصون لله تعالى فكيف يتهمون بالتستر، وقد جاست جيوشهم أنحاء الجزيرة العربية شرقًا وغربًا وجنوبًا وشمالًا رافعين راية التوحيد مطالبين بالعمل بكتاب الله تعالى وسنة نبيه ﷺ في إقامة شعائر الدين وتوحيد رب العالمين، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، حتى دانت لهم جزيرة العرب كلها بالطاعة والتزام هذا الدين الحنيف، ملة أبينا إبراهيم عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والتسليم. فهذا الغبي الأحمق لا يدري من أخبار الناس شيئًا إلى ما عثر عليه من ضلالات دحلان. فقد صادفت منه محلًا خبيئًا يليق بتلك الضلالات والخبيثات للخبيثين، فعبر عن جميع الناس بأنهم في اختباط وتردد من مذهب الوهابية، ولم يهتد إلى ما ذكره المؤرخون وقرره العلماء المحققون في أنحاء الدنيا حتى مؤرخي الإفرنج الذين يحرصون على تمحيص الحقائق. وأما من باعوا الدين بالدنيا، وجرفهم جارف الأهواء الدنيوية والسياسة من فاسدي أدعياء العلم، أمثال دحلان ومن قلده قبله من الهمج أتباع كل ناعق فإنهم لا ينظرون إلى الحق والإنصاف، بل إلى ما يملأون به بطونهم من أكل السحت وذلك في مناصرتهم الباطل ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ [التوبة، الآية: ٣٢] فماذا على الدعوة المحمدية وإن عاداها أو تجاهلها أهل البدع والضلال أعداء الرسل في كل زمان ومكان؟ وقد قيل:
ما ضر شمس الضحى والشمس طالعة أن لا يرى ضوءها من ليس ذا بصر
فهذه تواريخ العلماء الأعلام وأقوال المحققين من أئمة الإسلام، شاهدة لحقيقة دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى بأنها هي دين الإسلام الذي بعث الله به نبيه محمدًا ﷺ.
[ ٣٧ ]