وأما قول المعترض: "وقد تصدى لتحرير مذهبهم وتقرير مقولاتهم والرد عليهم جمهور من علماء الحجاز منهم السيد أحمد زيني الملقب بالدحلان – نزيل مكة المكرمة – إلى آخر ما ذكره" حيث وعد بأنه سيأخذ عن دحلان جميع ما يتعلق بموضوعه من دون تصرف وذلك دليل منه على تقليده الأعمى.
[ ٥٥ ]
فأما موضوعه هذا فهو بهت الوهابيين والكذب عليهم وتكفيرهم تقليدًا لدحلان. وعليه، فإني في كل ما أوجهه من الرد على ما ينقله هذا المعترض عن دحلان فيما ينسبه للوهابيين فإنما أرد به على هاتين الروحين الخبيثتين اللتين قد اتفقتا على هدم دين الإسلام، ونشر دين الوثنية التي بعث الله نبيه محمدًا ﷺ بهدمها وجهاد أهلها، حتى يكون الدين كله لله.
وهذا المعترض يزعم أنه قد تصدى لتحرير مذهب الوهابيين والرد عليهم جمهور من علماء الحجاز ولم يذكر منهم سوى دحلان.
فاعلم أن دحلان هذا هو منبع الزور والفجور، وهو الذي اعتمد المعترض على تقليده في تكفير الموحدين من أهل نجد، مع ما هو مشتهر به دحلان من عدم الثقة واتباع الهوى، وعدم المبالاة بالكذب الصريح الذي أسقطه عن النظر في تصانيفه البائرة عند جميع من عرفه من أهل العلم والفضل. وقد قال بعض الفضلاء من علماء مكة: تصانيف دحلان كالميتة، لا يأكلها إلى المضطر. وقد رد عليه كثير من علماء الهند والعراق ونجد وغيرهم ففضحوه وبينوا ضلاله. وقد سمعت غير واحد ممن يوثق بهم من أهل العلم يقولون: إن دحلان هذا رافضي لكنه أخفى مذهبه وتسمى بتقليد أحد الأئمة الأربعة سترًا لمقاصده الخبيثة، ولنيل المناصب التي يأكل منها. ومن أدل الدليل على رفضه الخبيث تأليفه لكتاب "أسنى المطالب في نجاة أبي طالب" الذي رد فيه بهواه نصوص الكتاب والسنة الصحيحة المتواترة. وكل من يطلع على تصانيف هذا الملحد ويستقرئ شيئًا من سيرته يعلم يقينًا صحة ما نسب إليه من مخالفة سبيل المؤمنين. فليس عنده من أدب العلم وورع العلماء ما ينظمه في سلكهم، بل هو صفر من الورع والتقوى اللذين يمنعان صاحبهما من الكذب واتباع الهوى. فإن كلامه إلى فشر السوقة والحمقى أقرب منه إلى كلام العقلاء فضلًا عن العلماء، فلا تغتر بدعاة الضلال أمثاله. وقد قال العالم العلامة الشيخ عبد الكريم بن فخر الدين الهندي في كتابه الذي سماه "الحق المبين في الرد على اللهابية المبتدعين"
[ ٥٦ ]
دًا على دحلان: فتأمل إن كنت من طالبي الحق ما في رسالة ابن دحلان وحال كثير من أهل الزمان تجده قد لبس تلبيسًا وزخرف القول غرورًا وتمويهًا للباطل وتشكيكًا منثورًا. فكان كما قيل في التمثيل:
جو كفراز كعبه برخيز دكجما ماند مسلماني
يعني: إذا برز الكفر من الكعبة وثار كيف يبقى الإسلام على قرار
فما باله يغمض عينيه عن الشركيات ولا يتعرض لما هم عليه من الكفريات كما بين ما فيهم الإمام الشوكاني وأظهر ما لديهم القاصي والداني؟ أفتعرفه ناصحًا للأمة المرحومة، كيف وقد صنع صنيعًا يهلكهم، ولا ينجيهم من المفاسد وخصال مذمومة؟ وإنما فعل ذلك خوفًا من الناس أن يقولوا في شأنه وهابي أو منكر الأولياء فيهان ويزال عن مرتبته ويخرج من الحرم كما أخرج كثير ممن يظهر الحق. وكيف لا؟ وقد كان يخاف في أدنى من ذلك فإنه قد كان يلبس لباسًا فيه من الإسبال في الكمين وفي الذيل. فقيل له في ذلك، فقال: قد صار ذلك في عرف العامة من لباس الشرفاء، وتركه يعد دناءة ولم يبال بوعيد حديث "ما أسبل من الكعبين من الإزار فهو في النار" وهذا الخوف هو الذي منع علماء اليهود والنصارى من اتباع النبي ﷺ وهلم جرًا. وقد ورد: "لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو النعل بالنعل" انتهى.
وقال العالم العلامة المحدث الشيخ محمد بشير الهندي في كتابه "صيانة الإنسان عن وسوسة دحلان" أما بعد، فإني وقفت على الرسالة التي جمعها الشيخ أحمد بن زيني دحلان (١) أنقذه الله من دحلان الخذلان وسماها "الدرر السنية في الرد على الوهابية" ورأيت مؤلفها يدعي في ديباجة رسالته الساقطة الدنيئة الرديئة أنه جمع فيها ما تمسك به أهل السنة في زيادة النبي ﷺ والتوسل
_________________
(١) هذا من الشيخ ﵀ بمناسبة أن دحلان كان حيًا حين رده هذا عليه فلا يريد أن يحجر عليه واسعًا من رحمة الله وإلا فإن دحلان بعد موته لا يستحق الدعاء إلا بأن يعامله الله بعدله لما هو عليه من الضلال. [المؤلف] .
[ ٥٧ ]
به من الدلائل والحجج القوية من الآيات والأحاديث النبوية فتعجبت منه العجب الصراح، كيف؟ وليس في الباب حديث حسن، فضلًا عن الصحاح. فتأملت فيها تأمل الناقد البصير، لكي أعلم أنه هل صدق في تلك الدعوى أم كذب كذب المجادل الضرير، فوجدت دعواها عارية عن لباس الصدق والحق المبين، محلاة بحلية الزور والكذب والباطل المهين. فإنه ليس فيها من الأحاديث إلا ما أورده التقي السبكي في "شفاء السقام" وهي دائرة بين الاحتمالات الثلاثة السقام: إما موضوعة، عملتها أيدي الوضاع اللئام أو ضعاف واهية رواها من وسم بمثل كثرة الغلط والخطأ والأوهام- إلى أن قال – ومن عجائب صنيعه: أن المؤلف – مع زعمه أنه من جملة المقلدين – يستدل بالأدلة الشريعة، وهو منصب المجتهدين. فعن لي أن أنبه على ما وقع فيها من ساوئ المفاهيم وزخارف الأقوال وأراجيف الاستدلال، لئلا يغتر بها من يقف عليها ممن لا خبرة له بحقائق علم السنة من المتون والرجال. فالله أستعين وأقول- وبه أحول وبه أصول. انتهى.
فكتب مجلدًا ضخمًا في الرد على رسالة دحلان كسر به زجاج شهادته وكشف ما موه به من الباطل. فلم يقل عثراته خصوصًا فيما لبس به من الأحاديث الضعيفة والموضوعة، أو ما غير معناه من الآيات والأحاديث المرفوعة. فأزاح عن محياها القتام ونفى وعصف على بيت عنكبوته نسيم الحق فهفى.
وبهذا تعلم أن دحلان ليس من أهل الجرح والتعديل، بل هو ضال مضلل عن سبيل المؤمنين. فلا يلتفت إليه بل هو ساقط العدالة بشهادة من ذكرناهم من علماء الهند الراسخين في علوم الكتاب والسنة من أهل الحديث حملة علوم الشريعة النبوية. وليس لهم صلة بالطرفين، ولا علاقة بينهم وبين الفريقين، إلا الأخوة في الدين وما توجبه بعلنونه. ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل عمران، الآية: ١٨٧] فجزاهم الله عن الإسلام ونصرة الحق على الباطل أفضل ما جزى به المجاهدين في سبيله لنصرة دينة.
[ ٥٨ ]
قال المعترض: "ومن أعجب ما رأيت: انتساب أناس لهذا المذهب حماقة وجهلًا، ولو عرفوا حقيقته وأصوله لتبرأوا منه وقالوا كما نقول: إسلام ووهابية لا يجتمعان".
أقول: هذا عجب ليس له نصيب من العلم، بل العجب الذي لا ينقضي هو من هذا الملحد وشيخه دحلان، دعاة البدع والضلال، الداعين إلى مذهب الوثنيين من العكوف على القبور والتعلق على الأموات وسؤالهم قضاء الحاجات وتفريج الكربات من دون الله تعالى فاطر الأرض والسموات، زاعمين أنهم وسائط بين الله وبين عبادة يرفعون إليه حوائجهم كما يرفع الوزراء والمقربون من الملوك حوائج رعاياهم إليهم، ويشفعون فيهم عندهم يقولون: إن الواسطة لا تنكر على الإطلاق فما جاز في حق المخلوق جاز في حق الخالق تعالى الله عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا.
والعجب الذي لا ينقضي من هذا المعترض هو إنكاره علو الله تعالى على خلقه واستواءه على عرشه وإنكار صفات كماله ونعوت جلاله التي وصف بها نفسه ووصفه بها رسوله ﷺ.
والعجب الذي لا ينقضي من هذا المعترض تحريمه العمل بنصوص الكتاب والسنة، وقوله: "إنه لا يجوز أخذ الأحكام من الحديث التي هي في صحيح البخاري أو غيره من كتب الحديث" ويعد الأخذ بها زندقة لا إسلامية، كما قرر ذلك وأثبته في رسالته هذه التي نحن بصدد الرد عليها.
والعجب أيضًا من هذا الملحد: أن يحرم تقليد الصحابة ﵃ حتى الخلفاء الراشدين منهم. وقد حث الرسول ﷺ على الاقتداء بهم، حيث يقول: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة" وهذا قليل من كثير مما يثير العجب العجاب من هذا الملحد وما هو عليه من مخالفته سبيل المؤمنين وسلوكه طريق الضالين، فإنه يعجب من
[ ٥٩ ]
أناس يعملون على هدى من الله، حريصين على اتباع كتابه وسنة نبيه ﷺ، ويرميهم بالجهل والحمق لزعمه أنهم ينتمون إلى مذهب الوهابيين. وهذا دليل على حماقته وجهله وعدم معرفته بحقيقة دين الإسلام الذي أرسل الله به رسوله محمدًا ﷺ، وأنه ممن قال الله فيهم: ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الفرقان، الآية: ٤٤] فإن هذا الملحد وأشياعه أعداء لأتباع رسول الله ﷺ وأصحابه على الحقيقة. لأنهم ينكرون عليهم ما هم عليه من البدع والشرك في عبادة الله تعالى لذلك يسمونهم "وهابيين" وقد سمعنا كثيرًا من مقلدة هؤلاء الضلال من يسمون الإمام أحمد ﵀ "وهابيًا" وشيخ الإسلام ابن تيمية وأمثاله من المحققين "وهابية" ووالله لو خرج أبو بكر الصديق ﵁ بين هؤلاء الملاحدة ليسمونه "وهابيًا". فيا لها من كرامة لشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، فقد صار اتباع الكتاب والسنة في جميع أنحاء الدنيا وفي العصور السالفة علمًا على مذهبه ينسب إليه من يعمل بهما وإن كان هذا العامل لا يعرف محمد بن عبد الوهاب ولا مذهبه فليهنأ الشيخ بشهادة أعدائه له بذلك، وليهنه الذكر الجميل على عمل كل سنة، ونسبه من عمل بها إليه وإماتة كل بدعة وعداوة من عمل بها له.
فلو كان هذا الملحد ممن أعطاهم الله نورًا يفرقون به بين الحق والباطل ما كان يأخذه العجب من أناس سائرين على الصراط المستقيم، فيرميهم بالحماقة والجهل فهو أولى بهما منهم زاعمًا أنهم ينتسبون إلى مذهب الشيخ محمد بن عبد الوهاب جهلًا منهم، مع أن الشيخ ليس له مذهب غير الكتاب والسنة ولا يدعو إلا إليهما، فالكتاب والسنة وما دلا عليه من جميع أنواع العبادات- عملًا واعتقادًا، أمرًا ونهيًا – هو مذهب الشيخ محمد بن عبد الوهاب، لا يخرج عما عليه السلف الصالح من الصحابة والتابعين والأئمة المجتهدين. خصوصًا منهم الأئمة الأربعة ﵃ ولا ينتسب لطريقة غير طريقتهم التي هي طريقة الرسول ﷺ، لا يخالفهم في كثير ولا قليل، وفمن نسب إليه غير ذلك فهو من المفترين.
[ ٦٠ ]
فقد شمر الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى عن ساعد جده واجتهاده، وأعلن بالنصح لله ولكتابه ورسوله وسائر عباده، وصبر على ما ناله من أعباء تلك الرتبة والدعوة، وما قصد به من أنواع المحنة والجفوة. وقرر رحمه الله تعالى أن حقيقة دين الإسلام وزبدة ما جاءت به الرسل الكرام هو إفراد الله تعالى بالعبادة وإسلام الوجه له بالعمل والإرادة، وترك التعلق على الأولياء من دونه والأنداد والبراءة من عبادة من سواه من سائر المخلوقات والعباد. وهذا معنى كلمة الإخلاص والتوحيد وهو الحكمة المقصود بخلق الكائنات والعبيد. وقرر رحمه الله تعالى أن مجرد الإتيان بلفظ الشهادتين مع مخالفة ما دلتا عليه من الأصول المقررة ومع الشرك الأكبر في العبادة لا يدخل المكلف في الإسلام. إذ المقصود من الشهادتين حقيقة الأعمال التي لا يقوم الإيمان من دونها، كمحبة الله وحده والخضوع له والإنابة إليه والتوكل عليه وإفراده بالاستعانة والاستغاثة فيما لا يقدر عليه سواه، وعدم الإشراك به فيما يستحقه من العبادات كالدعاء والذبح والنذر والتقوى والخشية ونحو ذلك من الطاعات.
واستدل لذلك بنصوص قاطعة وبراهين ساطعة، وحكى الإجماع على ذلك عن الأئمة الفضلاء والسادة النبلاء من سائر أهل الفقة والفتوى. وذكر عبارة من حكى الإجماع من أهل المذاهب الأربعة وغيرهم. وألف في ذلك التآليف وقرر الحجة وصنف التصانيف وقد عارضه من الغلاة المارقين ومن الدعاة إلى عبادة الصالحين أناس من أهل وقته فباءوا بغضب الله ومقته وأظهره الله بعد الامتحان وحقت كلمة ربك على أهل العناد والطغيان. وهذه سنة الله التي قد خلت من قبل. وحكمته التي يظهر بها ميزان الفضل والعدل، وقد جمع أعداؤه شبهات في رد ما أبداه وجحد ما قرره وأملاه واستعانوا بملئهم من العجم والعرب، ونسبوه إلى ما يستحي من ذكره أهل العقل والأدب فضلًا عن ذوي العلوم والرتب. وزعموا أنه خارجي مخالف للسنة والجماعة كمقالة أسلافهم لرسول الله: إنه صابئ صاحب إفك وصناعة. فجاء هذا الملحد يجدد ما قالوه ويبث من الشبه ما لفقوه وانتحلوه. ويزعم أنا لو عرفنا ما عرفوه لاتبعناهم على
[ ٦١ ]
ضلالهم وقلنا ما قالوه، ولكنا نقول: "وهابية ووثنية لا يجتمعان" خلافًا لما اعتقدوه وقالوه. وبالمثل السائر نقول:
ما أنت بالحكم الترضى حكومته ولا الأصيل ولا ذي الرأي والجدل
فليس دين الإسلام هو دين عباد القبور الذين يتخذون من دون الله أندادًا يحبونهم كحبهم لله، ويصرفون لهم خالص العبادة من دون الله تعالى، من الدعاء والخوف والرجاء والرغبة والرهبة والذبح والنذر وغيرها من أنواع العبادة التي لا تجوز صرف شيء منها لغير الله تعالى، ويجعلون الأموات وسائط بينهم وبين الله في رفع حوائجهم إليه كما عليه هذا الملحد ومن قلدهم من أئمة الضلال. فإنهم يدعون على عبادة الأولياء والصالحين وإشراكهم مع الله تعالى في العبادة. وهذا ما ينكره الوهابيون ويحاربون أهله. لذلك يقول هذا الملحد الذي لا يعرف حقيقة دين الإسلام: "إسلام ووهابية لا يجتمعان" ومعلوم أن دين الوثنية لا يجتمع مع توحيد الله تعالى الذي أرسل به رسله من أولهم إلى آخرهم. وهو إخلاص العبادة له وحده لا شريك له يجميع أنواعها. فإن هذا هو دين الإسلام وهو الذي عليه الشيخ محمد بن عبد الوهاب وأتباعه. وإن سماه المشركون عباد الأصنام "مذهبًا وهابيًا" فإن الأسماء لا تغير الحقائق والله تعالى حسبنا ونعم الوكيل.
[ ٦٢ ]