قال المعترض: "قلت: قوله إنها ثاني أدلة الأحكام، بناء على قاعدتهم: إذا تعارض حديثان في حكم يرجعون فيه إلى ما صح منهما عن الصحابة وهذه قاعدة إمامنا مالك ﵁ ترجيح ما عمل به أهل المدينة".
أقول: انظر كيف خرج هذا الأحمق من كلام صاحب كشف الظنون بهذا الفهم والاستنباط العاطل، ولم يفهم معنى الكلام، وما ورد فيه من مراعاة هذه الأصول وما ذكر معها من الأحكام والقواعد، والمصطلحات التي يجب معرفتها واتقانها على من أراد أن يكون من حملة أحاديث الرسول ﵊ التي هي ثاني أدلة الأحكام بعد كتاب الله تعالى. فقد جهل هذا الملحد أن معرفة هذه الأصول يتوقف عليها مدار علم الحديث. وقد أتقنها أئمة أهل الحديث، واعتنوا بها غاية الاعتناء. لأنه لا يكون إمامًا في الحديث من يجهل أصوله واصطلاحاته، كما زعمه هذا الملحد. ويكفيهم إجماع الأمة على إمامتهم، وصحة ما دونوه في كتبهم المشهورة بين المسلمين وفي مقدمتها: الصحيحان – البخاري ومسلم – وهما اللذان ينكر هذا الملحد العمل والفتوى بنصوصهما ولو يعلم المعترض ما تضمنه كلام صاحب "كشف الظنون" لما أورده هنا. فهو كما قلنا عنه آنفًا: كالحمار يحمل أسفارًا. فإن هذا الذي نقله عن صاحب "كشف الظنون" يلقمه حجرًا، ويرد كيده في نحره، فيما زعمه من اتهامه أئمة أهل الحديث بالتسامح والتقصير، وأنهم لم يدونوا الأحاديث لأجل العمل بها، بل
[ ٢٢٧ ]
لحفظها فقط. وقد فهم هذا الأحمق من كلام صاحب "كشف الظنون": أن آثار الصحابة ﵃ هي ثاني أدلة الأحكام. فقال: "قلت: إن قوله إنها ثاني أدلة الأحكام بناء على قاعدتهم، إلى آخر استنباطه" فما أحق هذا الأحمق بقول القائل:
قصرت في الفهم، فاقصر في الكلام فما ذا عشك، ادرج، فما حبر كجاهله
ثم إن المعترض نقل كلامًا ذكر أنه رآه في الفصل السادس من كتاب "الفلاكة والمفلوكون" ذكر في آخره كلامًا مستطابًا في الثناء على الأئمة المجتهدين، ورواة الحديث في الصدر الأول من هذه الأمة. وهذا مما يضيق له صدر هذا الملحد ولكنه ختمه بقوله: "إنه قد تقرر الإجماع على تقليد المذاهب الأربعة".
ثم قال: "فانظر يا أخي أي برهان أوضح لذي بصيرة أنارها الله بالإيمان من اجتماع بضع وتسعين جزءًا من مائة جزء من المسلمين – وهم أهل السنة – على هذه المذاهب الأربعة من حين ظهورهم إلى الآن مع ما هم عليه من تباعد الأقطار واختلاف اللغات والعوائد والأخلاق، ولو أردت إحصاء ما ظهر في هذه القرون من هذه الأمم من كبار العلماء الشاهدة آثارهم على عظيم مقامهم وقوة اقتدارهم على الاجتهاد لو أرادوه لما استطعت ذلك".
أقول: إن هذا المعترض قد أكثر من ترديد هذه الافتراءات على المسلمين وأهل السنة بأنهم مجمعون على تقليد الأئمة الأربعة، إلى آخر ما هذى به. وقد تقدم من كلام المعترض شيء كثير في هذا المعنى قد وفيناه حقه من الرد عليه. وربما بكون في ردنا هنا نوع تكرير. فما العمل؟ ونحن أمام أحمق مبطل، بضاعته تكرير الكلام وترويج الباطل.
فنقول: قد تقدم قريبًا كلام شيخ الإسلام ابن تيمية في رده على الرافضي، حيث رمى أهل السنة بأنهم قد أحدثوا مذاهب أربعة، لم تكن في زمن النبي ﷺ، ولا زمن أصحابه. وقال الإمام جلال الدين السيوطي رحمه الله تعالى
[ ٢٢٨ ]
في كتابه "الرد على من أخلد إلى الأرض، وجهل أن الاجتهاد في كل عصر فرض" السادسة عشرة: قال النووي في الروضة تبعًا للرافعي: المنتسبون إلى مذهب الشافعي وأبي حنيفة ومالك ثلاثة أصناف: أحدها: العوام. الثاني: البالغون رتبة الاجتهاد، واستعمال الأدلة، وترتيب بعضها على بعض. ووافق اجتهادهم اجتهاد. وإنما خالفوه أحيانًا ولم يبالوا بالمخالفة. والصنف الثالث: المتوسطون. وهم الذين لا يبلغون رتبة الاجتهاد في أصل الشرع، لكنهم وقفوا على أصول الإمام في الأبواب وتمكنوا من قياس ما لم يجدوه منصوصًا له على ما نص عليه. وهؤلاء مقلدون له – ثم قال: السابعة عشرة: قال ابن قيم الجوزية في كتابه "ذم التقليد": أنكر بعض المقلدين على شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في تدريسه في مدرسة ابن الحنبلي، وهي وقف على الحنابلة: والمجتهد ليس منهم فقال: إنما أتناول ما أتناوله منها على معرفتي بمذهب أحمد، لا على تقليدي له. ومن المحال أن يكون هؤلاء المتأخرون على مذهب الأئمة دون أصحابهم الذين لم يكونوا يقلدونهم فأتبع الناس لمالك ابن وهب وطبقته ممن يحكم الحجة، وينقاد للدليل أين كان. وكذلك أبو يوسف أتبع لأبي حنيفة من المقلدين له مع كثرة مخالفته له. وكذلك الأثرم وطبقته من أصحاب أحمد ﵏ أتبع له من المقلدين المحض المنتسبين إليه. وعلى هذا: فالوقف على أتباع الأئمة أهل الحجة والعلم أحق به من المقلدين في الأمر نفسه. انتهى.
قال السيوطي: وقد كنت أجبت بمثل هذا الجواب قبل أن أقف عليه لما قيل لي مثل ذلك في العام الماضي، واستندت إلى أن ابن الصلاح ولى تدريس الشافعية بالنظامية وهو موصوف بالاجتهاد المطلق وابن عبد السلام ولى تدريس الشافعية بالصالحية والظاهرية. وابن دقيق العيد ولى تدريس المدرسة المجاورة لضريح الإمام الشافعي وغيرها من المدارس الموقوفة على الشافعية. وكذلك السبكي والبلقيني كل قد ولى مدارس الشافعية، مع القطع بأنهم مجتهدون بقولهم وشهادة الناس لهم.
[ ٢٢٩ ]
الثامنة عشرة: ذكر البلقيني في "تصحيح المنهاج" قال الماوردي في الأحكام السلطانية: إذا كان القاضي شافعيًا لم يلزمه المصير في أحكامه إلى أقاويل الشافعي حتى يؤديه اجتهاده إليها. وإن أداه اجتهاده إلى الأخذ بقول أبي حنيفة عمل به. وقال في الحاوي: إن القاضي المنتسب إلى مذهب الشافعي وأبي حنيفة لا يجوز له تقليد صاحب المذهب، بل يعمل على اجتهاد نفسه وإن خالف مذهب من اعتزى إليه. وقال بعض أصحابنا: إنه يحكم بمذهب صاحبه وأصول الشرع تنافيه، وكذا في "الذخائر" انتهى.
فانظر إلى هؤلاء الأئمة كيف لم يستنكروا أن يكون الإنسان مجتهدًا وهو مع ذلك ينتسب إلى الشافعي، أو أبي حنيفة أو غيرهما؟
وقال في موضع آخر: قال الغزالي في المنخول: الاجتهاد ركن عظيم في الشريعة، لا ينكره منكر وعليه عول الصحابة ﵃ بعد أن استأثر الله برسوله ﷺ وتابعهم عليه التابعون إلى زماننا هذا – إلى أن قال:
[ ٢٣٠ ]