وأما ما تمادى فيه هذا الملحد من الفجور وقول الزور، في حق شيخ الإسلام ابن تيمية من وصفه له بأنه م المحرفين لكلام رسول الله ﷺ، ورميه بالفسق والجنون والافتراء على الله وأنبيائه- إلى آخر ما هذى به من الفجور وقول الزور- فليس هذا بغريب من هذا الملحد المتناقض، الذي قد اتخذ إلهه هواه. نعوذ بالله من زيغ القلوب، ومن العمى والضلال بعد الهوى. لقد شهد هذا الملحد في رسالته هذه لشيخ الإسلام ابن تيمية بأنه إمام جليل، مقتدى به، وأنه من أهل الحق والإنصاف، وأنه من أجلاء علماء أهل السنّة الذين كانوا وما زالوا على هذا الهدى، وهذا الصراط المستقيم "راجع صحيفة ١٧ و٢٥ من رسالته هذه" ترى هذه الشهادة من هذا الملحد للشيخ، وبعدها بقليل يرمي الشيخ بهذه الفظائع التي لا تليق ولا تنطبق إلا على من اختلقها. وهو هذا الملحد الذي قد حازها جميعًا متضلعًا بها قولًا وعملًا.
إن الذين أثار غضب هذا الملحد على شيخ الإسلام: هو تحقيق الشيخ لتوحيد الله تعالى، وإفراده بجميع أنواع العبادة، ورده على اليهود والنصارى ما غيروه من دين أنبيائهم، فجعلوا مع الله آلهة أخرى، بسبب الغلو الذي أوجب لعنهم على لسان نبيّنا محمد ﷺ، محذرًا أمته أن تسلك سبيلهم، وهذا السبيل
[ ٣١٨ ]
هو الذي يدعو إليه هذا الملحد ومن اقتدى بهم من أئمة الضلال. وإننا نجل شيخ الإسلام ابن تيمية أن نعرّض باسمه مدافعين عنه، أو ناشرين من فضائله ما يلجم كل منافق مارق، متطاول على أئمة المسلمين بالشتم والكذب، من أمثال هذا الملحد بل نعده من الكلاب النابحين. وقد قيل:
فما على العنبر الفواح من حرج إن مات شمه الزَّيَّال والجُعَل؟
أو هل على الأسد الكرار من ضرر أن ينهق العير مربوطًا أو البغل؟
أو هل على الأنجم الزهراء منقصة إن عابها من حضيض البيد منجدل؟
وفي كتاب "الإبانة عن شريعة الفرقة الناجية" لأبي عبد الله عبيد الله بن محمد بن بطة قال: حدثنا أبو عبد الله محمد بن مخلد بن حفص العطار. قال: حدثنا العباس بن محمد الدوري قال: حدثنا خلف بن تميم قال: حدثنا عبد الله بن السري عن ابن المنكدر عن جابر ﵁ أن النبي ﷺ قال: "إذا علن آخر هذه الأمة أولها، فمن كان عنده علم فليظهره، فإن كاتم العلم يومئذ ككاتم ما أنزل على محمد" وبسنده إلى عبيد الله بن موهب بن عصمة بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ: "لمقام أحدكم في الدنيا يتكلم بكلمة حق يرد بها باطلًا، أو يحق بها حقًا، أفضل من هجرة معي".
إن هذا الملحد ومن قلدهم من دعاة الشرك في عبادة الله تعالى- أمثال دحلان والنبهاني- ممن جعلوا الأموات وسائط بين الله عباده، وصرفوا لهم خالص العبادة من دون الله تعالى. هؤلاء هم الذين أضلوا كثيرًا من جهلة المسلمين وفتحوا لهم أبواب الشرك في عبادة الله تعالى. وسموها زيارة القبور، وطلب الشفاعة من أهلها، وأن الأموات هم وسيلة الأحياء إلى الله تعالى، لأنهم أقرب منهم إلى الله تعالى، وسواء سموا هؤلاء المدعوين أنبياء أو أولياء فإنهم عباد الله تعالى. يقول الله تعالى لنبيه محمد ﷺ: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ. أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لا
[ ٣١٩ ]
يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ [الزمر، الآيتان:٢-٣] ويقول تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلا يَعْقِلُونَ. قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [الزمر، الآيتان:٤٣-٤٤] إلى غير ذلك من الآيات والأحاديث الصحيحة، نصوص بهذا المعنى لا تقبل تحريفًا ولا تأويلًا. قد صدّ عنها هؤلاء الوثنيون الذي تجب محاربتهم وإشهار ضلالهم، وتحذير جهلة المسلمين من سلوك سبيلهم عملًا بهذه الأحاديث عن رسول الله ﷺ.
وأما قول الملحد: "ولا أطيل الرد عليه لأن جمهورًا من علماء عصره، منهم الإمام السبكي ألقوا كتابًا بالرد عليه، وإثبات مخالفته للسنّة والكتاب والإجماع. فلما قام محمد عبده مفتي مصر المعلوم بإحياء هذه الضلالة طبع رسالة بالرد على الإمام السبكي، زعم أنها تأليف أحد تلاميذ شيخه ابن تيمية. فلما عرف علماء مصر مصدرها، تصدى للرد عليه نخبة من علماء القاهرة منهم الشيخ إبراهيم السمنودي، برسالة سماها "نصرة الإمام السبكي: استوفى فيها إبطال كافة أضاليله".
والجواب: أن الذين ردوا على شيخ الإسلام ابن تيمية: هم الذي خالفوا الكتاب والسنّة والإجماع بل خالفوا جميع ما جاءت به الرسل من أولهم إلى آخرهم، الذي بعثهم الله تعالى بكلمة التوحيد وإخلاص العبادة له وحده لا شريك له وإمام هؤلاء المخالفين هو السبكي الذي رد عليه علماء عصره وأئمة مذهبه. فقد كشفوا ما لفقه من الشبهات، وهدموا ما بناه على جرف هار من المغالطات، بعد أن صار بها إمامًا للمبتدعين. فمن الذي ردوا عليه: الحافظ أحمد بن محمد بن عبد الهادي، في كتاب سماه "الصارم المنكبي في الرد على السبكي" فضح به دس السبكي وتدليسه، فيما أورده من الأحاديث الضعيفة والمكذوبة، وما حرف معناه من كلام الله تعالى وكلام رسوله ﷺ مستدلًا بها على جعل قبور الأنبياء ومن دونهم من الأموات كعبة يحج إليها ويطاف بها. وتنذر النذور لها وتسفك دماء القرابين لساكنيها في سوحها، إلى أمثال هذه الضلالات التي فتح السبكي أبوابها للجهال الذي لا يفرقون بين الحق والباطل
[ ٣٢٠ ]
وسماها "شفاء السقام في زيارة خير الأنام".
قال الإمام الحافظ ابن عبد الهادي في مقدمة كتابه "الصارم المنكي": أما بعد، فإني وقفت على الكتاب الذي ألفه بعض قضاة الشافعية، في الرد على شيخ الإسلام تقي الدين أبي العباس أحمد بن تيمية رحمه الله تعالى في مسألة شد الرحال، وإعمال المطي إلى القبور. وذكر أنه قد سماه "شن الغارة على من أنكر سفر الزيارة" ثم زعم أنه اختار أن يسميه "شفاء السقام في زيارة خير الأنام" فوجدت كتاب مشتملًا على تصحيح الأحاديث الضعيفة والموضوعة، وتقوية الآثار الواهية والمكذوبة، وعلى تضعيف الأحاديث الصحيحة الثابتة، والآثار القوية المقبولة، وتحريفها عن مواضعها وصرفها عن ظاهرها بالتأويلات المستنكرة المردودة ورأيت مؤلف هذا الكتاب المذكور رجلًا مماريًا، معجبًا برأيه، متبعًا لهواه، ذاهبًا في كثير مما يعتقده إلى الأقوال الشاذة، والآراء الساقطة، صائرًا في أشياء مما يعتمده إلى الشبه المحيلة، والحجج الداحضة. وربما خرق الإجماع في مواضع لم يسبق إليها، ولم يوافقه أحد من الأئمة عليه. وهو في الجملة: لون عجيب، وبناء غريب. تارة يسلك فيما ينصره ويقويه مسلك المجتهدين، فيكون مخطئًا في ذلك الاجتهاد، ومرة يزعم فيما يقوله ويدعيه أنه من جملة المقلدين، فيكون من قلده مخطئًا في ذلك الاعتقاد. نسأل الله سبحانه أن يلهمنا رشدنا، ويرزقنا الهداية والسداد. هذا مع أنه إن ذكر حديثًا مرفوعًا أو أثرًا موقوفًا- وهو غير ثابت- قبله إذا كان موافقًا لهواه، وإن كان ثابتًا رده إما بتأويل أو غيره، ما يوافق رأيه قبله، وإن كان مطعونًا فيه غير صحيح عنه، وإن كان مما يخالف رأيه رده ولم يقبله، وإن كان صحيحًا ثابتًا عنه وإن حكى شيئًا مما يتعلق بالكلام على الحديث، وأحوال الرواة عن أحد أئمة الجرح والتعديل- كالإمام أحمد بن حنبل، وأبي حاتم الرازي، وأبي حاتم بن حبان البستي، وأبي جعفر العقيلي، وأبي أحمد بن عدي، وأبي عبد الله الحاكم صاحب المستدرك، وأبي بكر البيهقي، وغيرهم من الحفاظ- وكان
[ ٣٢١ ]
مخالفًا لما ذهب إليه لم يقبل قوله، ورده عليه، وناقشه فيه وإن كان ذلك الإمام قد أصاب في ذلك القول، ووافقه عليه غيره من الأئمة، وإن كان موافقًا لما صار إليه تلقاه بالقبول. واحتج به واعتمد عليه، وإن كان ذلك الإمام قد خولف في ذلك، ولم يتابعه غيره من الأئمة عليه. وهذا هو الجور والظلم، وعدم القيام بالقسط. نسأل الله التوفيق ونعوذ به من الخذلان، وإتباع الهوى. إلى أن قال:
فانظر إلى كلام هذا المعترض المتضمن لرد النقل الصحيح بالرأي الفاسد، واجمع بينه وبين ما حكاه عن شيخ الإسلام من الافتراء العظيم والإفك المبين، والكذب الصراح. وهو ما نقله عنه من أنه جعل زيارة قبر النبي ﷺ وقبور سائر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام: معصية بالإجماع، مقطوع بها. هكذا هذا المعترض عن بعض قضاة الشافعية عن الشيخ أنه قال هذا القول الذي لا يشك عاقل من أصحابه وغير أصحابه أنه كذب مفترى، لم يقله قط، ولا يوجد في شيء من كتبه، ولا دل عليه كلامه، بل كتبه كلها ومناسكه وفتاويه، وأقواله تشهد ببطلان هذا النقل عنه. ومن له أدنى علم وبصيرة يقطع بأن هذا مفتعل مختلق على الشيخ، وأنه لم يقله قط. وقد قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [الحجرات، الآية:٦] إلى أن قال:
فلما وقفت على هذا الكتاب المذكور أحببت أن أنبه على ما وقع فيه من الأمور المنكرة، والأشياء المردودة، وخلط الحق بالباطل، لئلا يغتر بذلك بعض من يقف عليه ممن لا خبرة له بحقائق الدين، مع أن كثيرًا مما فيه من الوهم والخطأ يعرفه خلق من المبتدئين بالعلم بأدنى تأمل، ولله الحمد. ولو نوقش مؤلف هذا الكتاب على جميع ما اشتمل عليه من الظلم والعدوان والخطأ والخبط والتخليط والغلو والتشنيع والتلبيس: لطال الخطاب، ولبلغ الجواب مجلدات، ولكن التنبيه على القليل مرشد إلى معرفة الكثير لمن له أدنى فهم. والله المستعان. إلى أن قال:
[ ٣٢٢ ]
ثم ختم الكتاب بجمع الألفاظ الواردة في كيفية الصلاة على النبي ﷺ وكان قد ذكر قبل ذلك بعدة أوراق كلامًا يشير به إلى التشنيع على شيخ الإسلام وهو قوله: "ولا شك أن من قال: لا يزار أو لا يسافر لزيارته، ولا يستغاث به بعيد من الأدب معه. نسأل الله العافية".
[ ٣٢٣ ]