قال الملحد: "البحث الثالث في التوسل والاستشفاع والاستغفار: كلها ألفاظ مختلفة معناها واحد عند العلماء. لكن لما كان يتطرق لفهم العوام التوسل ما لا يتطرق لفهمه من الاستغفار والاستشفاع. فذكرته في بحث على حدة. وبالله أستعين".
والجواب: أن قول الملحد بأن التوسل والاستشفاع والاستغفار ألفاظ مختلفة، معناها واحد عند العلماء قول مبني على مذهب علمائه الذين قلدهم أر دينه. أمثال دحلان والنبهاني، ممن أشركوا المخلوق في خالص حق الخالق في عبادته التي لا يجوز صرف شيء منها لغير الله تعالى. مما هو معلوم من أعمال عباد القبور من دعاء أهلها وخوفهم ورجائهم، ونذر النذور لهم، وسفك دماء الذبائح والقرابين لهم، سائلينهم قضاء الحاجات، وتفريج الكربات، إلى غير ذلك من أنواع العبادات ويسمونها زيارة القبور، والتوسل، والوسيلة، والتشفع، والشفاعة، والاستغفار. ويقولون: إن هذه كلها ألفاظ مختلفة. معناها واحد، وطلبها من الأموات والغائبين جائز ومن أنكرها فقد خرق إجماع المسلمين وتنقص الرسل والصالحين، وأنكر كراماتهم، وهكذا يغالط هؤلاء الوثنيون بالأسماء مع تغيير الحقائق. انظر إلى خرط هذا الملحد وتخليطه، ومخرقته التي تدل على عدم توفيقه لتعمده سلوك غير سبيل المؤمنين.
يقول الملحد: "إذا نظرت بعين البصيرة رأيت التوسل بمعنييه- اللغوي والمصطلح- ناموس جعله الله في الكون لصالح الإنسان في أمر حياته ومعاشه في الدنيا. لا يستغنى عنه إلا من عصمهم الله، والشرع ما أنكره، كما أنكره هؤلاء الحمقى، مع تلبسهم فيه، وعدم استغنائهم عنه، ولا حسبه شركًا. كما حسبوه، بل أباحه. لكن المنكر منه اعتقاد التأثير من غير الله وهو الشرك الخفي. ومع أنك ترى أكثر الناس واقعين في هذا الشرك الخفي، سيما المعتقدون خلق الأفعال، ومنهم من يعتقد يقينًا أن الإنسان يضر وينفع، كما يعتقد بتأثير الأعراض. كالعَدْوَى والأدوية وأمثالها. لكنك لا تجد مؤمنًا يعتقد بالرسول عليه
[ ٣٣٤ ]
الصلاة والسلام هكذا اعتقادًا، بل غاية اعتقاده: التوسل بجاهه، مع التفويض لله تعالى. وإن سمعت من عامي كلامًا يفهم منه اعتقاد التأثير، فما هو إلا عن عجزه عن التعبير الشرعي، لكن قلبه غير زائغ. وإن رأيته يقبِّل الأعتاب، والأبواب والجدران فليس عن اعتقاد شيء بها، كما يعتقده عبدة الأوثان، فهذا اعتقاد لا يتطرق لقلب مسلم، بل لا قصد له إلا التبرك بها. ألا ترى مراسم المعايدة عند خلفاء آل عثمان بتقبيل السجق المعلق على طرق السدة الجالس فيها السلطان، فما معنى هذا؟ معناه: تقبيل يد الخليفة، فهل فيه شبهة شرك، أو كفر؟ حاشا وألف حاشا، وخلفاؤنا أنزه وأجل من الرضا بشيء فيه شبهة دينية".
هذا بعض مما يقوله الملحد مختار العظمي من النفاق الوضيع، والكفر الشنيع. فما كفاه تحليل الشرك الأكبر في عبادة الله تعالى، وتسميته بالشرك الخفي، ولا ما افتراه على الشرع الشريف بأنه لم ينكر الشرك في عبادة الله تعالى، بل أباحه وما كفته مخرقته فيما يقوله في خلق أفعال العباد والعدوى والأدوية من قلب أوضاع الشريعة، بل أبا دعاء الأموات، وتقبيل أعتابهم وأبوابه وجدرانهم. ويقول: إن هذا ليس عن اعتقاد شيء بها، كما يعتقده عبدة الأوثان وما كفاه هذا الفجور وقول الزور حتى شبه الخالق ﷻ بسلاطين آل عثمان: تعالى لله عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا.
فكلام هذا الملحد من أوله إلى آخره كلام باطل متناقض، مبني على مذهب عباد القبور، الذي بنوا مذاهبهم على المغالطة في ذكر الأسماء مع تغيير الحقائق.
[ ٣٣٥ ]