أقول: إن زيارة قبور المسلمين ليست مباحة فقط، كما فهم الغبي الأحمق، بل هي سنّة مؤكدة فعلها رسول الله ﷺ وأمر بها، كما هو صريح في هذين الحديثين. ولم يرد في ذلك تخصيص لقبر نبي أو ولي. وكل ما روي في ذلك لا نصيب له من الصحة باتفاق أئمة المسلمين المعول على اتفاقهم. وقد أورد الملحد هذين الحديثين- مع أنهما حجة عليه- لما فيهما من البيان الواضح عن عمل الرسول ﷺ وأمره. وذلك في تحديد زيارة القبور الشرعية، والنهي عن الغلو فيها، وعن قول السوء، ومع ذلك كله فالملحد مخالف لكل ما جاء فيهما من أمر أو نهي من صاحب الشريعة ﵊. فهو كالحمار يحمل أسفارًا ل يدري ما يقول، ولو أنه فهم أن ما جاء فيهما هادم لكل ما يتعلق به عباد القبور أمثاله من الشُّبه والضلالات لنكص على عقبه عن إيرادهما. فأي سوء أسوأ وزور أقبح من مخالفة الرسول ﷺ ومحادته عن الإعلان بأن مئات الألوف من المسلمين الوافدين من أقطار الأرض يطوفون حول قبر الرسول، ويلوذون بحماه، ويصرخون بدعائه والاستغاثة به في حوائجهم الدنيوية والأخروية؟ هل هناك أسوأ وأقبح من هذا؟ فضلًا عما يصنعونه بقبور موتاهم الآخرين من الشرك في عبادة الله تعالى، وهو دعاء الأموات، وسؤالهم قضاء الحاجات، وتفريج الكربات ونذر النذور، وتقريب القرابين لهم في حضرتهم، خاضعين متذللين لهم، راجين رضاهم قبل رضاء رب العالمين، مسمين أعمالهم هذه بزيارة القبور، وتعظيم أهلها ليرضوا عنهم، فيرفعون حاجاتهم إلى الله تعالى قائلين كما أسلافهم: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر، الآية:٣]، ﴿وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس، الآية:١٨] هذا ما يلبس به
[ ٣٣١ ]
السبكي وابن حجر المكي ومقلدوهم، أمثال دحلان والنبهاني ومقلدهم الملحد مختار العظمي.
فهؤلاء الوثنيون يتعلقون بالأسماء ويغيرون الحقائق من نصوص الكتاب والسنّة، ويحرفونها عن مواضعها، ويعارضونها بالأحاديث الموضوعة والضعيفة، محتجين بها على فتح أبواب شركهم وضلالهم الذي أضلوا به كثيرًا من جهلة هذه الأمة، مقتفين في ذلك أثر من حذرهم نبيهم ﷺ عن سلوك سبيلهم. وذلك فيما جاء عنه ﷺ من الأحاديث الصحيحة في لعن متخذي القبور مساجد، لأنه من الغلو الذي نهى الله تعالى عنه وهو أصل عبادة الأصنام. ولذلك قالت أم المؤمنين عائشة ﵁: "ولولا ذلك لأبرز قبره، غير أنه خشي أن يتخذ مسجدًا" فهؤلاء المبتدعة أئمة الضلال- من ذكرناهم آنفًا- يتعمدون الكذب وتحريف الكلم عن مواضعه، إتباعًا لهوائهم، ويلبسون الحق بالباطل على الجهال. وهذه هي بضاعتهم الضالة الخاسرة التي هي تحليل الشرك في عبادة الله تعالى، وتسميته بزيارة القبور وهذا الملحد يستدل هنا على إباحة زيارة القبور بالأحاديث الشريفة عن النبي ﷺ وفيها: "نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها، فإنها تزهد في الدنيا وتذكر الآخرة، ولا تقولوا سوءًا" لكن هذا الملحد يستدل بها على إباحة زيارة القبور فقط، أما ما دلت عليه ودعت إليه من معنى الزيارة والقصد منها، وما أرشد إليه النبي ﷺ وما نهى عنه: فإن هذا الملحد لم يرفع به رأسًا، ولم يلتفت إليه، بل صد عنه وصادم أمر النبي ﷺ. ولقد أعمى الشيطان أولياءه من الجاهليين وأصمهم عن قول الرسول ﷺ: "وتذكر الآخرة" فمروا عليها مر اللئام، ولم يحاولوا أن يفهموا ما أراده منها الرسول ﷺ، فإن معناها البين: أن الزيارة المشروعة التي أبيحت بعد الحظر: إنما هي للقبور الدارسة التي تذكر بالدار الآخرة. أما القبور المشيدة المعظمة ببناء القباب والمساجد عليها والتي يطاف بها، ويدعي أصحابها مع الله فلا يزال النهي منصبًا عليها. كما حقق ذلك الإمام ابن القيم في إغاثة اللهفان في كلامه على الزيارة الشرعية والبدعية.
[ ٣٣٢ ]