وأما قول الملحد: "وسلط الله عليهم إبراهيم باشا المصري فكاد يفنيهم ويقطع دابرهم، لكن لله إرادة في بقاء جرثومة من هذه الطائفة في بلاد نجد".
فنقول: إن هذا الملحد مسرور بظهور الباطل على الحق، متبجح بأن سلط الله إبراهيم باشا على أهل التوحيد من أهل نجد المتمسكين بكتاب الله تعالى وسنة نبيه محمد ﷺ، ويتأسف هذا الملحد الظالم لبقاء بقية منهم في بلاد نجد تعبد الله تعالى لا تشرك به شيئًا، وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج بيت الله الحرام، آمرة بالمعروف ناهية عن المنكر، مقيمة لحدود الله تعالى، محققة لقول الله تعالى: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ [الحج، الآية: ٤١] متحلية بأعمال الفرقة الناجية من اتباع ما كان عليه رسول الله ﷺ وأصحابه ومن تبعهم بإحسان من القرون المفضلة، لا تأخذهم في اتباع الحق والدعوة إليه لومة لائم، محتسبة لما يصيبها في ذات الله تعالى من الابتلاء والامتحان، متأسية بأنبيائه ورسله وعباده المؤمنين الصابرين الذين قص الله علينا
[ ٥٤ ]
خبر ابتلائه وامتحانه لهم في كتابه الكريم، وما أخبر به نبيه محمد سيد المرسلين.
فلو كان هذا الملحد ممن يؤمن بكتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ وما جاء فيهما من أخبار هذا الابتلاء والامتحان لأوليائه ومن اقتفى أثرهم بالدعوة إلى دين الله تعالى: ما كان يتخذ ما امتحن الله به عباده الموحدين من أهل نجد – بتسليط إبراهيم باشا عليهم – دليلًا على فساد أعمالهم وصلاح أعمال إبراهيم. فقد خرج أيضًا إبراهيم باشا على سيده وهو ما يسمونه خليفة المسلمين وأمعن في مملكته يستولي عليها فاتحًا بلدًا بعد بلد، حتى وقف على أبواب عاصمة ملكه. فما يقوله الملحد بعد ذلك؟ إن الهوى يعمي ويصم. وقد قال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ [الجاثية، الآية: ٢٣] أفلا يستحي هذا الملحد المغرور بنفسه فينظر في تاريخ من هو من ضئضئهم فيتذكر وقعة الحرة وما فعلوه من استباحة حرم الرسول ﷺ وقتل أصحابه في جوار حرمه وقبره الشريف ونهب أموالهم؟ ثم استباحتهم الحرم الشريف المكي، ونصب المنجنيق على الكعبة الشريفة، وقتل خيار أصحاب الرسول ﷺ في حماها؟ ألا يذكر هذا الملحد أعمال أجداده هذه تحت راية فاسقهم فيخجل؟ فيا له من امتحان لنا فيه أكبر عبرة وعزاء فيما يصيبنا في ذات الله تعالى. فإن أهل نجد يحمدون الله تعالى أن جعل ابتلاءهم وامتحانهم في دنياهم لا في دينهم. وكانت العاقبة بحمد الله تعالى لهم. والذي يسعنا أمام هذه الفتنة العمياء أن نطوي صحيفة التاريخ، ونقول: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ﴾ [البقرة، الآية: ١٣٤] .
[ ٥٥ ]