قال المعترض: "فرحل اللعين من بلده ونزل على ابن مسعود (١) في الدرعية، وما زال نسله فيها إلى الآن ويلقبون بأولاد الشيخ وكان يسمي جماعته من أهل بلده الأنصار ويسمي من يتبعه من غيرهم المهاجرين".
أقول: قد تكرر من هذا الزنديق نعته للشيخ محمد "باللعين" وسواء وجه اللعن إلى الشيخ رحمه الله تعالى بهذه الصيغة أو لعنه مباشرة فإن قصده واحد وهو استحلال لعن العلماء الذي منعه جمهور علماء أهل السنة، لكن هذا الملحد ليس منهم وليس له أصل يقف عنده، ولا رب يخشاه فيقف عند حده. وقد قدمنا قول من لا نشك في صدقه، وهو أن دحلان هذا رافضي خبيث قد أخفى أمره، فإنهم يستحلون لعن أصحاب رسول الله ﷺ أبي بكر وعمر ﵄، أفضل هذه الأمة بعد نبيها ﷺ. وقد اشتهرت هذه الطائفة الملعونة بافتراء الكذب وبهت الأبرياء، فكان لهذا الملحد الزنذيق منهم الحظ الأوفر، والنصيب الأكبر الأخسر، وقد قلده فرخ زندقته "الحاج مختار"المقلد الأعمى الذي قد غرق في لجة من الجهل والعجب بنفسه، حتى ألقياه في الحضيض الأسفل من الردى.
وأما قوله: "ونزل على ابن مسعود" فهذا المعترض لا يحسن حتى ضبط الأسماء المشهورة المعروفة لكل أحد، فكيف به في غيرها؟ فإن الفرق بين ابن
_________________
(١) الصواب على ابن سعود.
[ ٨١ ]
سعود وبين ابن مسعود ظاهر وقد يحيل المعنى، فقس على ذلك أمانته في النقل والإسناد، فإنه ليس محلًا للضبط والأمانة بل هو من أهل الخطأ والخيانة كما سنبين ذلك في محله من ردنا هذا على هذا النوع من هفواته.
وأما قوله: "وما زال نسله فيها إلى الآن ويلقبون بأولاد الشيخ" فنقول: إنه ليس في الدرعية "أحد" من أولاد الشيخ، بل قد تركوها من وقت دخول إبراهيم باشا إليها. فنزلوا في بلد "الرياض" عاصمة نجد كلها الآن وهي اليوم خير من "الدرعية" في هذه الدنيا وهم في الآخرة إلى رحمة أرحم الراحمين في جنات النعيم. قال تعالى: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [القصص، الآية: ٨٣] وأما تلقيبهم "بأولاد الشيخ" فهو كذلك وكفى بهذا اللقب شرفًا لمن انحدر منه، وسلك طريقته في اتباع الكتاب والسنة والدعوة إليهما.
وأما قوله:"وكان يسمي جماعته من أهل بلده: الأنصار، ومن يتبعه من غيرهم المهاجرين".
فأقول: ليس لهذا المعترض زمام ولا خطام، يردعه عن الكذب وقول الزور. فإنه يدعي أن الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ يسمي جماعته بالمهاجرين والأنصار وهذا كذب محض لم يسمع به، ولا قاله غير هذا المفتري. ومع ذلك فنحن – على سبيل التنزل مع هذا الملحد لتفنيد مفترياته – نقول له: إذا كان الشيخ رحمه الله تعالى يسمي من نصر دين الله تعالى ورسوله ﷺ ومن جاء مهاجرًا لذلك: بالمهاجرين والأنصار، مع علم الشيخ بأن الشرع إنما أطلق اسم "المهاجرين والأنصار"على من هاجر إلى النبي ﷺ قبل فتح مكة، فما على الشيخ بهذه التسمية إذا كانت على الحق مطابقة لحقيقة الحال؟ وإن أنكرها من أعماه الهوى عن الهدى.
والظاهر: أن هذا المعترض قد قاس بفهمه الفاسد، أن التسمية بالمهاجرين والأنصار كالتسمية باسم "النبوة أول الرسالة" فلا يجوز عنده لمن
[ ٨٢ ]
اقتدى بالمهاجرين والأنصار وعمل عملهم في نصر دين الله ورسوله والهجرة في سبيله أن ينسب إليهم أو أن يسمى باسمهم مع أن التسمي بأسماء الأنبياء والتكني بكناهم جائز لما رواه الترمذي من حديث محمد بن الحنفية عن علي ﵁ قال: "قلت: يا رسول الله، إن ولد لي ولد من بعدك، أسميه باسمك وأكنيه بكنيتك؟ قال: نعم" قال الترمذي: حديث حسن صحيح. وفي سنن أبي داود عن عائشة قالت: "جاءت امرأة إلى النبي ﷺ، فقالت: يا رسول الله، إني ولدت غلامًا فسميته محمدًا وكنيته أبا القاسم، فذكر لي أنك تكره ذلك. فقال: ما الذي أحل اسمي وحرم كنيتي؟ أو ما الذي حرم كنيتي وأحل اسمي؟ ". وعلى هذا فجواز التسمية بالمهاجرين والأنصار أولى وأحرى لمن اقتدى بهم حقيقة. كيف؟ والعمل الذي تتحقق به النسبة إليهم محبوب على الله وإلى رسوله ﷺ بل واجب على كل مسلم قادر يؤمن بالله واليوم الآخر أن يهاجر من البلد الذي لا يتمكن فيه من إقامة دينه إلى بلد يتمكن فيه من إقامته وإظهاره. وهذا المعترض يزعم أن الهجرة قد انقطعت ومضى وقتها، فلا ناصر للدين، ولا مهاجر إليه، حتى يقتدي بمن قبله وينسب إليهم. وما هذا من هذا المعترض وأمثاله إلا من غلبة الجهل وغربة الدين. وقد قال الإمام المحدث أبو القاسم عبد الرحمن بن عبد الله المخثعمي السهيلي في كتابه "الروض الأنف" في تفسير ما اشتمل عليه حديث السيرة النبوة لابن هشام فصل – وذكر حديث أصحاب الهجرة مع النجاشي، وما قاله جعفر، إلى آخر القصة – وليس فيها إشكال. وفيه من الفقه: الخروج عن الوطن، وإن كان الوطن مكة على فضلها إذا كان الخروج فرارًا بالدين، وإن لم يكن إلى إسلام. فإن الحبشة كانوا نصارى يعبدون المسيح ولا يقولون: هو عبد الله. وقد تبين ذلك في هذا الحديث، وسموا بهذه "المهاجرين" وهم أصحاب الهجرتين الذين أثنى عليهم بالسبق، فقال: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ﴾ [التوبة، الآية:١٠٠] وجاء في التفسير: أنهم الذين صلوا القبلتين وهاجروا الهجرتين. وقد قيل أيضًا: هم الذين شهدوا بيعة الرضوان، فانظر كيف أثنى الله عليهم بهذه الهجرة، وهم قد خرجوا من بيت الله الحرام إلى دار كفر،
[ ٨٣ ]
لما كان فعلهم ذلك احتياطًا على دينهم ورجاء أن يخلى بينهم وبين عبادة ربهم يذكرونه آمنين مطمئنين. وهذا حكم مستمر متى غلب المنكر في بلد آخر، أي بلد كان، يخلى بينه وبين دينه، ويظهر فيه عبادة ربه. فإن الخروج على هذا الوجه حتم على المؤمن، وهذه الهجرة التي لا تنقطع إلى يوم القيامة ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة، الآية:١١٥] انتهى.
وقال شيخ الإسلام أحمد بن تيمية ﵀ في "اقتضاء الصراط المستقيم"وذكر ما رواه مسلم من حديث أبي الزبير عن جابر ﵁ قال: "اقتتل غلامان غلام من المهاجرين وغلام من الأنصار، فنادى المهاجري: يا للمهاجرين، ونادى الأنصاري: يا للأنصار. فخرج رسول الله ﷺ فقال: ما هذا؟ إلى آخر الحديث. قال: فهذان الاسمان "المهاجرون والأنصار" اسمان شرعيان جاء بهما الكتاب والسنة وسماهما بهما كما سمانا بالمسلمين من قبل. وفي هذا أن انتساب الرجل إلى المهاجرين والأنصار انتساب حسن محمود عند الله وعند رسوله ﷺ ليس من المباح الذي يقصد به التعريف فقط كالانتساب إلى القبائل والأمصار، ولا من المكروه والملحق به، كالانتساب إلى ما يفضي إلى بدعة أو معصية أخرى. انتهى.
وبهذا تعرف أن هذا المعترض جاهل ضال، فهو يعترض على الأسماء الشرعية وتطيب لقلبه ونفسه الخبيثة: أسماء الفرق المبتدعة التي خالفت ما عليه رسول الله ﷺ أصحابه.
[ ٨٤ ]