وقال في صحيفة (٤٧): "إن أئمة الحديث ما دونوا الحديث لأجل العمل به، ولا تتبعوا فيه أحوال الصحابة والتابعين، وبل دونه لأجل حفظه. انتهى".
فهذا بعض من كلام الملحد بالحرف الواحد. فأي عداوة لكتب الحديث وأهل الحديث والتحذير عنها وعنهم أبلغ من ذلك؟ مع ما يصرح به هذا الملحد من أن ما ترجحه كتب الحديث من الأحكام يعد الأخذ به زندقة لا إسلامية لأنه ظن لا يفيد اليقين، لأن كتب الحديث ليس فيها – بزعمه الفاسد – بيان ولا إشارة تعدي إلى الصواب، لذلك حذر من مطالعتها، وسماها كتب أهل البدع والمقولات. جازاه الله بعدله.
ثم إن المعترض عقد فصلًا نقل تحته من كتاب رفع الملام عن الأئمة الأعلام لشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كلامًا – من أوله إلى أخره – نحن بحمد الله تعالى أسعد به من المعترض، وأحفظ لما جاء فيه في حق الأئمة الأربعة، قولًا وعملًا. وليس للمعترض فيه حجة إلا التدليس والمغالطة وإلا فإنه من ألد أعداء شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى. أما نحن وجميع علماء أهل السنة فإننا موافقون لشيخ الإسلام فيما حققه في كتابه المذكور من هذه الأصول المهمة التي يجب على كل مسلم اعتقادها في حق أئمة المسلمين من الصحابة والتابعين، ومن بعدهم ممن اتفق المسلمون على هدايتهم ودرايتهم. كما وصفهم شيخ الإسلام بأن هذا الصنف من العلماء هم المؤمنون، ورثة الأنبياء الذين جعلهم الله بمنزلة النجوم يهتدى بهم في ظلمات البر والبحر، الذين أجمع
[ ٢١٢ ]
المسلمون على هدايتهم ودرايتهم. فهؤلاء معذورون في خطئهم، مأجورون عليه أجرًا واحدًا ومأجورون في إصابتهم الحق أجرين، ولكن هذا المعترض وإخوانه من المتدعين يريدون سلب هذا الوصف عن أهله وإلصاقه بمن هم أبعد الناس عنه من أهل البدع والضلال الذين يزعمون أنهم بمجرد انتسابهم إلى تقليد الأئمة الأربعة – مع مخالفتهم لهم في أصول الدين وفروعه – يحلون محل الأئمة الأربعة. فما يصدر عنهم من بدع وضلالات ينسبونها إلى مذاهب الأئمة الأربعة، فإذا عارضهم معارض وسفه أحلامهم عالم رشيد وبين خطأهم قالوا: هذا عيب في الأئمة الأربعة، واعتراض عليهم. وهذا ظلم وعدوان بل إساءة إلى الأئمة، وتنقيص لحقهم، وعلو مقامهم ونزول بهم إلى مواطن الجدل والتحقير، قد قال أبو حامد الغزالي في كتابه "فاتحة العلوم":
[ ٢١٣ ]