قال المعترض: "المسألة الثانية في التوسل والزيارة إذا سبق القضاء بشقاء إنسان، تنوعت عليه أساليب إغواء الشيطان، وتفتحت له أبواب الشقاء، فيدخل الشيطان الكفر عليه والعياذ بالله تعالى من باب العبادة، من حيث يرى فيه ميلًا إليه. وقد دخل علي في واقعة حال وقعت لي وأنا في المدينة، فالتزمت التوسل ونذرت صدقه فأتاني من حيث يميل طبعي، فقال: إذا كان القضاء مبرمًا والقدر مقدرًا، فما فائدة التوسل والصدقة؟ فاتركهما والزم التوكل والتسليم فوقع في نفسي هذا الكلام وملت إليه لكن الله اللطيف أراني في تلك الليلة رؤيا عصمني بها من شر هذا الخبيث".
أقول: إنه مما يجب التنبيه عليه ههنا:
أولًا: هو بيان معنى التوسل والزيارة في عرف ومذهب هذا المعترض لئلا
[ ٢٨٤ ]
يلتبس الحق بالباطل. فإن التوسل والزيادة عنده هما: دعاء الأموات استقلالًا من دون الله تعالى، والغلو بالقبور وأصحابها وجعلهما أوثانًا تعبد من دون الله تعالى. وهكذا يتذرع أعداء الله وأعداء رسول الله – لستر ضلالهم – بذكر الأسماء فقط، وقلب الحقائق. فيصادمون نصوص الكتاب والسنة، ويحرفونها عن مواضعها، وقد مهد هذا المعترض لما يسميه مسألة "التوسل والزيادة" بكلام هو أحق به. لأنه ينطبق على قوله وعمله وقد شهد بذلك على نفسه فقال: "وقد دخل علي الشيطان في واقعة حال وقعت لي وأنا في المدينة" إلى آخر القصة. فرجل – كهذا الأحمق – ينزل نفسه منزلة العلماء بل منزلة من يزعم أنه من الأولياء، يقر على نفسه بأن الشيطان دخل عليه فشككه في مسألة من الدين، لا تخفى إلا على الجهلة الطغام أمثاله. وهي أن التوسل إلى الله بالأعمال الصالحة – من الدعاء ونذر الصدقات لوجه الله تعالى – ينافي التوكل على الله، والتسليم لقضائه وقدره، وأنه أيضًا أتاه الشيطان من حيث يميل طبعه، وهذه شهادة أخرى على جهله وأنه يميل إلى التشكك في أمور دينه. ولم يجد في كتاب الله تعالى ولا في سنة نبيه ﷺ ما يدفع به شر هذا الخبيث. حتى رأى رؤيا في المنام عصمه الله تعالى بها – بزعمه – من شر هذا الخبيث، والواقع أنه زاد استخذاءً له، وازداد تمكن الشيطان منه بزيادة غفلته وعماه عن هدى الله في كتابه وسنه رسوله ﷺ.
نقول: إن هذا رجل أجنبي عن دين الإسلام، فما هو دخل الرؤيا في الأحكام – نفيًا أو إثباتًا – ثم ما غرض هذا المشعوذ من إيراد هذه القصة الزائفة، إلا ليزكي بها نفسه، ويعلن أنه من الأولياء الذين يزعم أنهم يأخذون الأحكام من ذات النبي ﷺ بعد وفاته مشافهة. وذلك إما بطريق الرؤيا، أو بكشف الحجاب، وأن ذلك يغنيهم عن النظر في الكتاب والسنة؟ هذا ما يقوله فيما تقدم من رسالته هذه. ولولا تزكية هذا الأحمق لنفسه ما كان لإيراد هذه القصة معنى ولا فائدة، إلا فضيحة نفسه، والله تعالى لا يصلح عمل المفسدين.
وأما قول المعترض: "وقد يرمي الإنسان في شرك الشرك من طريق الطاعة
[ ٢٨٥ ]
كما رمى الوهابيين وإخوانهم بإغواهئم على أن التوسل بجاه الرسول ﵊ وزيارة قبره الشريف: شرك بالله ومناف للتوحيد، وأغواهم بما جاء في القرآن العظيم بحق المشركين. فذهب بإيمانهم تحت ستار العبادة، وغرس في قلوبهم بغض رسول الله ﷺ ومعاداته بتعليل الطاعة، ففسروا الزيارة بمعاني عبادة الأوثان، وشبهوا التوسل بما يفعله مشركو العرب وغيرهم فانظر ما أشقاهم وأحمقهم وأبعدهم عن الحق".
فنقول: إن دعوى المعترض على الوهابيين وإخوانهم بأنهم يقولون: إن التوسل بجاه الرسول ﷺ وزيارة قبره الشريف: شرك بالله ومناف للتوحيد، كذب وافتراء من المعترض، بل إن الوهابيين وإخوانهم يقولون: إن التوسل بجاه المخلوقين كافة لم يشرعه الله تعالى ولا رسوله ﷺ ولا فعله أصحابه، ولا التابعون من بعدهم، ولا قال به الأئمة الأربعة رحمهم الله تعالى. وإذا كان ذلك كذلك فهو خلاف ما كان عليه رسول الله ﷺ وما كان عليه أصحابه ﵃. وكذلك التابعون من بعدهم فيكون ذلك مردودًا على من جاء به بنص رسول الله ﷺ كما جاء في الصحيحين عن عائشة ﵁ قالت: قال رسول الله ﷺ: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد" وفي رواية: "من صنع أمرًا على غير أمرنا فهو رد" هذا ولو لم يكن في هذا الحدّث إلا مخالفة أمر الرسول ﵊ ومخالفة عمله وعمل أصحابه ﵃ والتابعين من بعدهم، لكفى في رده. فضلًا عن أنه من أعظم وسائل الشرك في عبادة الله تعالى، كما هو معروف اليوم من أعمال الجهلة الغلاة بالقبور والمقبورين.
وأما زيارة قبر الرسول ﷺ فإنها عند الوهابيين من أفضل الأعمال، وكذا زيارة المسلمين فإنها سنّة، وذلك على ما شرعه رسول الله ﷺ لأمته فيما علمه لأصحابه. وأما شد الرحال لزيارة القبور كافة: ففيها خلاف بين العلماء وحجة المانعين لشد الرحال إليها أقوى.
[ ٢٨٦ ]
وأما قول المعترض: "وأغواهم بما جاء في القرآن العظيم بحق المشركين" فنقول: سبحانك ربنا هذا بهتان عظيم، وسنة الغواية لما جاء في القرآن قول وخيم. وهذه جرأة من هذا المعترض تليق بحماقته وجهله، وإلا فإن القرآن العظيم قد جاء لهداية الخلق إلى الحق وإلى طريق السعادة، وتحذيرهم وإنذارهم على طريق الشقاوة والغواية. والقرآن عربي غير ذي عوج أنزله الله هي سنته ﷺ وفيها بيان شرعه، وتفصيل ما أجمل في كتاب ربه، فلم يترك ﷺ خيرًا إلا دل أمته عليه، ولا شرًا إلا حذرها عنه. وقال ﷺ: "تركتكم على المحجة البيضاء، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك".
[ ٢٨٧ ]