ونحن نسوق طرفًا من عقيدة الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى ليتبين الهدى من الضلال لمن يريد الاطلاع على الحقائق، وتمييز الحق من الباطل، فلا يغتر أحد بدعاة الشرك الملحدين في دين الله ورسوله ﷺ.
قال الشيخ العلامة عبد اللطيف بن الشيخ عبد الرحمن حفيد الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمهم الله تعالى في كتاب"منهاج التأسيس والتقديس في كشف شبهات داود بن جرجيس".
فصل
ونقص عليك شيئًا من سيرة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، ونذكر طرفًا
[ ٧٠ ]
من أخباره وأحواله، ليعلم الناظر فيه حقيقة أمره فلا يروج عليه تشنيع من استحوذ عليه الشيطان وأغراه وبالغ في كفره واستهواه، فنقول:
قد عرف واشتهر واستفاض من تقارير الشيخ ومراسلاته ومصنفاته المسموعة المقروءة عليه وما ثبت بخطه، وعرف واشتهر من أمره ودعوته، وما عليه الفضلاء النبلاء من أصحابه وتلامذته: أنه على ما كان عليه السلف الصالح وأئمة الدين أهل الفقه والفتوى في باب معرفة الله وإثبات صفات كماله ونعوت جلاله التي نطق بها الكتاب العزيز وصحت بها الأخبار النبوية وتلقاها أصحاب رسول الله ﷺ بالقبول والتسليم، يثبتونها ويؤمنون بها ويمرونها كما جاءت، من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل. وقد درج على هذا من بعدهم من التابعين وتابعيهم من أهل العلم والإيمان وسلف الأمة وأئمتها، كسعيد بن المسيب وعروة بن الزبير والقاسم بن محمد وسالم بن عبد الله وطلحة بن عبيد الله وسليمان بن يسار وأمثالهم من الطبقة الأولى. ومن الطبقة الثانية: كمجاهد بن جبر وعطاء بن أبي رباح والحسن البصري وابن سيرين وعامر الشعبي وجنادة بن أبي أمية وحسان بن عطية وأمثالهم. ومن الطبقة الثالثة: علي بن الحسين وعمر بن عبد العزيز ومحمد بن مسلم الزهري ومالك بن أنس وابن أبي ذئب وابن الماجشون وكحماد بن سلمة وحماد بن زيد والفضيل بن عياض وعبد الله بن المبارك وأبو حنيفة النعمان بن ثابت، ومحمد بن إدريس الشافعي وإسحاق بن إبراهيم وأحمد بن حنبل ومحمد بن إسماعيل البخاري ومسلم بن الحجاج القشيري وإخوانهم وأمثالهم ونظرائهم من أهل الفقه والأثر في كل مصر وعصر. وأما توحيد العبادة والإلهية: فلا خلاف بين أهل الإسلام فيما قاله الشيخ وثبت عنه من المعتقد الذي دعا إليه.
يوضح ذلك: أن أصل الإسلام وقاعدته "شهادة أن لا إله إلا الله" وهي أصل الإيمان بالله وحده، وهي أفضل شعب الإيمان وهذا الأصل لا بد فيه من العلم والعمل والإقرار بإجماع المسلمين ومدلوله وجوب عبادة الله وحده لا شريك له والبراءة من عبادة ما سواه كائنًا من كان. وهذا هو الحكمة التي خلقت
[ ٧١ ]
لها الإنس والجن، وأرسلت لها الرسل، وأنزلت بها الكتب. وهي تتضمن كمال الذل والحب وتتضمن كمال الطاعة والتعظيم. وهذا هو دين الإسلام الذي لا يقبل الله دينًا غيره، لا من الأولين ولا من الآخرين فإن جميع الأنبياء على دين الإسلام. وهو يتضمن الاستسلام لله وحده فمن استسلم له ولغيره كان مشركًا ومن لم يستسلم له كان مستكبرًا عن عبادته. قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل، الآية: ٣٦] وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء، الآية: ٢٥] وقال تعالى عن الخليل: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الزخرف، الآيات: ٢٦- ٢٨] وقال تعالى عنه: ﴿قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ الأَقْدَمُونَ فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلاَّ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء، الآيات: ٧٥- ٧٧] وقال تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ [الممتحنة، الآية: ٤] وقال تعالى: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ [الزخرف، الآية: ٤٥] وذكر عن رسله نوح وهود وصالح وشعيب وغيرهم أنهم قالوا لقومهم: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف، الآية: ٥٩] وقال عن أهل الكهف: ﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا هَؤُلاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْلا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ [الكهف، الآيات: ١٣- ١٥] وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء، الآية: ٤٨] في موضعين من كتابه وقال تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ﴾ [المائدة، الآية: ٧٢] .
قال رحمه الله تعالى: والشرك المراد بهذه الآيات ونحوها يدخل فيه شرك عباد القبور وعباد الأنبياء والملائكة والصالحين. فإن هذا هو شرك جاهلية العرب الذين بعث فيهم عبد الله ورسوله محمد ﷺ فإنهم كانوا يدعونها
[ ٧٢ ]
ويلتجئون إليها ويسألونها على وجه التوسل بجاهها وشفاعتها لتقربهم إلى الله، كما حكى الله ذلك عنهم في مواضع من كتابه، كقوله تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس، الآية: ١٨] الآية. وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر، الآية: ٣] وقال تعالى: ﴿فَلَوْلا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْبَانًا آلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ وَمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [الأحقاف، الآية: ٢٨] .
قال ﵀: ومعلوم أن المشركين لم يزعموا أن الأنبياء والأولياء والصالحين والملائكة شاركوا الله في خلق السماوات والأرض، أو استقلوا بشيء من التدبير والتأثير والإيجاد ولو في خلق ذرة من الذرات. قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ [الزمر، الآية: ٣٨] فهم معترفون بهذا مقرون به، لا ينازعون فيه. ولذلك حسن موقع الاستفهام وقامت الحجة عليهم بما أقروا به من هذه الجمل، وبطلت عبادة من لا يكشف الضر ولا يمسك الرحمة. ولا يخفى ما في التنكير من العموم والشمول المتناول لأقل شيء وأدناه من ضر أو رحمة. وقال تعالى: ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ – إلى قوله – ﴿فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ [المؤمنون، الآية: ٢٣، والآية: ٨٩] وقال تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف، الآية: ١٠٦] ذكر فيه السلف كابن عباس وغيره: إيمانهم هنا بما أقروا به من ربوبيته ولمكه، وفسر شركهم بعبادة غيره.
قال ﵀: وقد بين القرآن في غير موضع أن من المشركين من أشرك بالملائكة، ومنهم من أشرك بالأنبياء والصالحين، ومنهم من أشرك بالكواكب، ومنهم من أشرك بالأصنام. وقد رد عليهم جميعهم وكفر كل أصنافهم، كما قال تعالى: ﴿وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران، الآية: ٨٠] وقال تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾ [التوبة، الآية: ٣١] الآية، وقال: ﴿لَنْ
[ ٧٣ ]
يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ﴾ [النساء، الآية: ١٧٢] ونحو ذلك في القرآن كثير. وبه يعلم المؤمنون أن عبادة الأنبياء والصالحين كعبادة الكواكب والأصنام من حيث الشرك والكفر بعبادة غير الله.
قال ﵀: وهذه العبادات التي صرفها المشركون لآلهتهم هي أفعال العبد الصادرة منه، كالحب والخضوع والإنابة والتوكل والدعاء والاستعانة والاستغاثة والخوف والرجاء والنسك والتقوى والطواف ببيته رغبة ورجاء وتعلقًا للقلوب والآمال بفيضه وممده وإحسانه وكرمه. فهذه الأنواع أشرف أنواع العبادة وأجلها، بل هي لب سائر الأعمال الإسلامية وخلاصتها. وكل عمل يخلو منها فهو خداج مردود على صاحبه، وإنما أشرك وكفر من كفر من المشركين بقصد غير الله بهذا وتأليهه بذلك. قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل، الآية: ١٧] وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ [الأنبياء، الآية: ٤٣] وقال تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ [الفرقان، الآية: ٣] الآية. وحكى عن أهل النار أنهم يقولون لآلهتهم التي عبدوها مع الله: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء، الآيتان: ٩٧-٩٨] ومعلوم أنهم ماسووهم به في الخلق والتدبير والتأثير وإنما كانت التسوية في الحب والخضوع والتعظيم والدعاء ونحو ذلك من العبادات.
قال ﵀: فجنس هؤلاء المشركين وأمثالهم ممن يعبد الأولياء والصالحين نحكم بأنهم مشركون، ونرى كفرهم إذا قامت عليهم الحجة الرسالية. وما عدا هذا من الذنوب التي هي دونه في الرتبة والمفسدة لا نكفر بها ولا نحكم على أحد من أهل القبلة الذين باينوا عباد الأوثان والأصنام والقبور بالكفر بمجرد ذنب ارتكبوه، وعظيم جرم اجترحوه وغلاء الجهمية والقدرية والرافضة ونحوهم ممن كفرم السلف لا نخرج فيهم عن أقوال أئمة الهدى والفتوى من سلف هذه الأمة، ونبرأ إلى الله مما أتت به الخوارج وقالته في أهل الذنوب من المسلمين.
[ ٧٤ ]
قال ﵀: ومجرد الإتيان بلفظ الشهادة من غير علم بمعناها ولا عمل بمقتضاها لا يكون به المكلف مسلمًا، بل هو حجة على ابن آدم، خلافًا لمن زعم أن الإيمان مجرد الإقرار "كالكرامية"، ومجرد التصديق "كالجهمية". وقد أكذب الله المنافقين فيما أتوا به وزعموه من الشهادة، وسجل على كذبهم، مع أنهم أتوا بألفاظ مؤكدة بأنواع من التأكيدات. قال تعالى: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ [المنافقون، الآية: ١] فأكدوا بلفظ الشهادة و"إن" المؤكدة واللام والجملة الاسمية، فأكذبهم وأكد تكذبيهم بمثل ما أكدوا به شهادتهم سواء بسواء، وزاد التصريح باللقب الشنيع والعلم البشيع الفظيع، وبهذا تعلم أن مسمى الإيمان لا بد فيه من الصدق والعمل. ومن شهد أن لا إله إلا الله وعبد غيره، فلا شهادة له، وإن صلى وزكى وصام وأتى بشيء من أعمال الإسلام. قال تعالى لمن آمن ببعض الكتاب ورد بعضًا: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ [البقرة، الآية: ٨٥] الآية. وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ [النساء، الآية: ١٥٠] الآية. وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ [المؤمنون، الآية: ١١٧] الآية. والكفر نوعان: مطلق ومقيد. فالمطلق: أن يكفر بجميع ما جاء به الرسول ﷺ، والمقيد: أن يكفر ببعض ما جاء به الرسول، حتى إن بعض العلماء كفر من أنكر فرعًا مجمعًا عليه، كتوريث الجد والأخت، وإن صلى وصام، فكيف بمن يدعو الصالحين ويصرف لهم خالص العبادة ولبها؟ وهذا مذكور في المختصرات من كتب المذاهب الأربعة، بل كفروا ببعض الألفاظ التي تجري على ألسن بعض الجهال، وإن صلى وصام من جرت على لسانه.
قال ﵀: والصحابة ﵃ كفروا من منع الزكاة وقاتلوهم، مع إقرارهم بالشهادتين والإتيان بالصلاة والصوم والحج.
[ ٧٥ ]
قال ﵀: وأجمعت الأمة على كفر بني عبيد القداح مع أنهم يتكلمون بالشهادتين، ويصلون ويبنون المساجد في قاهرة مصر وغيرها. وذكر أن ابن الجوزي صنف كتابًا في وجوب غزوهم وقتالهم سماه "النصر على مصر" قال: وهذا يعرفه من له أدنى إلمام بشيء من العلم والدين، فتشبيه عباد القبور بأنهم يصلون ويصومون ويؤمنون بالبعث مجرد تعمية على العوام وتلبيس لينفق شركهم، ويقال بإسلامهم وإيمانهم. ويأبى الله ذلك ورسوله والمؤمنون.
وأما مسائل القدر والجبر والإرجاء والإمامة والتشيع، ونحو ذلك من المقالات والنحل فهو فيها أيضًا على ما كان عليه السلف الصالح وأئمة الهدى والدين يبرأ مما قالته القدرية النفاء، والقدرية المجبرة وما قالته المرجئة والرافضة وما عليه غلاة الشيعة والناصبة، ويوالي جميع أصحاب رسول الله ﷺ، ويكف عما شجر بينهم ويرى أنهم أحق الناس بالعفو عما يصدر منهم، وأنهم أقرب الخلق إلى مغفرة الله وإحسانه لفضائلهم وسوابقهم وجهادهم، وما جرى على أيديهم منفتح القلوب بالعلم النافع والعلم الصالح، وفتح البلاد ومحو آثار الشرك وعبادة الأوثان والنيران والأصنام والكواكب ونحو ذلك مما عبده جهال الأنام. ويرى البراءة مما عليه الرافضة، وأنهم سفهاء لئام ويرى أن أفضل الأمة بعد نبيها أبو بكر فعمر فعثمان فعلي ﵃ أجمعين. ويعتقد أن القرآن الذي نزل به الروح الأمين على قلب سيد المرسلين وخاتم النبيين كلام الله غير مخلوق منهم بدا وإليه يعود. ويبرأ من رأي الجهمية القائلين بخلق القرآن، ويحكى تكفيرهم عن جمهور السلف أهل العلم والإيمان، ويبرأ من رأي الكلابية أتباع عبد الله بن سعيد بن كلاب القائلين بأن كلام الله هو المعنى القائم بنفس الباري، وأن مانزل به جبريل حكاية أو عبارة عن المعنى النفسي. ويقول: هذا من قول الجهمية. وأول من قسم هذا التقسيم: هو ابن كلاب وأخذ عنه الأشعري وغيره كالقلانسي. ويخالف الجهمية في كمل ما قالوه وابتدعوه في دين الله ولا يرى ما ابتدعته الصوفية من البدعة والطرائق، المخالفة لهدى رسول الله ﷺ وسنته في العبادات والخلوات والأذكار المخالفة
[ ٧٦ ]
للمشروع. ولا يرى ترك السنن والأخبار النبوية لرأي فقيه ومذهب عالم خالف ذلك باجتهاده، بل السنة أجل في صدره وأعظم عنده أن تترك لقول أحد كائنًا من كان. قال عمر بن عبد العزيز ﵁: "لا رأي لأحد مع سنة سنها رسول الله ﷺ". نعم، عند الضرورة وعدم الأهلية والمعرفة بالسنن والأخبار وقواعد الاستنباط والاستظهار، يصار إلى التقليد لا مطلقًا، بل فيما يتعسر ويخفى، ولا يرى إيجاب ما قاله المجتهد إلى بدليل تقوم به الحجة من الكتاب والسنة خلافًا لغلاة المقلدين. ويوالي الأئمة الأربعة، ويرى فضلهم وإمامتهم وأنهم من الفضل والفضائل في غاية ورتبة يقصر عنها المتطاول، ويوالي كافة أهل الإسلام وعلمائهم من أهل الحديث والفقه والتفسير وأهل الزهد والعبادة. ويرى المنع من الانفراد عن أئمة الدين من السلف الماضين برأي مبتدع أو قول مخترع، فلا يحدث في الدين ما ليس له أصل يتبع، وما ليس من أقوال أهل العلم والأثر. ويؤمن بما نطق به الكتاب وصحت به الأخبار وجاء الوعيد عليه من تحريم دماء المسلمين وأموالهم وأعراضهم، ولا يبيح من ذلك إلا ما جاء أباحه الشرع وأهدره الرسول ﷺ. ومن نسب إليه خلاف هذا فقد كذب وافترى وقال ما ليس له به علم، وسيجزيه الله ما وعد به أمثاله من المفترين. انتهى.
فهذا طرف من عقيدة الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ الذي يقول عنه هذا الملحد: إنه بعد وفاة أبيه قد أشهر أمره وأظهر عقيدته، ولكن الملحد لم يذكر عن عقيدة الشيخ إلا ما يفتريه من الكذب والبهتان الذي لا أصل له، ولا سند له فيه يرجع إليه. أما العلم والبحث فيه، وتمحيص الحقائق فليس هو من أهلها. وما نقلناه عن عقيدة الشيخ محمد رحمه الله تعالى فإنه الحق، وهو ما اشتهر عنه ودعا الناس إليه بلسانه وقلمه، وأثبته في مصنفاته المطولة والمختصرة، وهو المرجع لكل من يطلب حقيقة ما عليه الشيخ رحمه الله تعالى من العقيدة في أصول الدين. وأما في الفروع فإنه على مذهب الإمام أحمد بن حنبل ﵁.
وفي الذي أوردناه كفاية لبيان ضلال هؤلاء الملاحدة الصادين عن دين الله
[ ٧٧ ]
ورسوله ﷺ، والمجادلين بالباطل ليدحضوا به الحق ولكن الله تعالى حارس دينه وأهله، ويحق الله الحق بكلماته ولو كره الكافرون.
[ ٧٨ ]