قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه "إعلام الموقعين عن رب العالمين": وقد جوز النبي ﷺ للحاكم أن يجتهد رأيه، وجعل له على خطئه في اجتهاد الرأي أجرًا واحدًا، إذا كان قصده معرفة الحق واتباعه. وقد اجتهد الصحابة ﵃ في زمن النبي ﷺ في كثير من الأحكام ولم يعنفهم، كما أمرهم يوم الأحزاب أن يصلوا العصر في بني قريظة واجتهد بعضهم فصلاها في الطريق. وقال: "لم يرد منا التأخير، وإنما أراد سرعة النهوض" فنظروا إلى المعنى. واجتهد آخرون وأخروها إلى بني قريظة فصلوها ليلًا، نظرًا إلى اللفظ. وهؤلاء سلف أهل الظاهر وأولئك سلف أصحاب المعاني والقياس. ولما كان علي ﵁ باليمن آتاه ثلاثة نفر يختصمون في غلام، فقال كل منهم: هو ابني، فأقرع علي ﵁ بينهم، فجعل الولد للقارع، وجعل للرجلين ثلثي الدية، فبلغ ذلك النبي ﷺ فضحك حتى بدت نواجذه من قضاء علي. واجتهد سعد بن معاذ ﵁ في بني قريظة وحكم فيهم باجتهاده، فصوبه النبي ﷺ وقال: "لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبع سماوات" واجتهد الصحابيان اللذان خرجا في سفر فحضرت الصلاة وليس معهما ماء، فصليا ثم
[ ٢١ ]
وجدا الماء في الوقت فأعاد أحدهما ولم يعد الآخر. فصوبهما، وقال للذي لم يعد: "أصبت السنة، وأجزأتك صلاتك" وقال للآخر: "لك الأجر مرتين" وقال الشعبي عن شريح قال: قال لي عمر ﵁: "اقض بما استبان لك من كتاب الله، فإن لم تعلم كتاب الله تعالى فاقض بما استبان لك من قضاء رسول الله ﷺ، فإن لم تعلم قضاء رسول الله فاقض بما استبان لك من قضاء الأئمة المجتهدين، فإن لم تعلم كل ماقضت به أئمة المجتهدين فاجتهد رأيك واستشر أهل العلم والصلاح" انتهى.
[ ٢٢ ]