وقال الحافظ جلال الدين السيوطي رحمه الله تعالى في مقدمة كتابه "الرد على من أخلد إلى الأرض": وبعد، فإن الناس قد غلب عليهم الجهل، وعمهم وأعماهم حب العناد وأصمهم، فاستعظموا دعوى الاجتهاد، وعدوه منكرًا بن العباد، ولم يشعر هؤلاء الجهلة أن الاجتهاد فرض من فروض الكفايات في كل عصر وواجب على أهل كل زمان أن يقوم به طائفة في كل قطر. وهذا كتاب في تحقيق ذلك سميته "الرد على من أخلد إلى الأرض جهل أن الاجتهاد في كل عصر فرض" وينحصر في أربعة أبواب: الباب الأول في ذكر نصوص العلماء على أن الاجتهاد في كل عصر فرض من فروض الكفايات، وأنه لا يجوز شرعًا إخلاء العصر منه.
اعلم أن نصوص العلماء من جميع المذاهب متفقة على ذلك، فأول من نص على ذلك الإمام الشافعي ﵁، ثم صاحبه المزني في مختصره،
[ ٢٢ ]
قال: "اختصرت هذا من علم الشافعي، ومن معنى قوله: لأقربه على من أراده، مع إعلاميه نهيه عن وتقليد غيره، لينظر فيه لدينه ويحتاط لنفسه" هذه عبارة المزني. فنقل عن الشافعي ﵁: "أنه نهى عن تقليده وتقليد غيره" ولا شك أنه لا يمكن نهي الخلق بأسرهم عن التقليد لأن العوام يجوز لهم التقليد بالإجماع وإنما نهى الشافعي ﵁: أن يطبق أهل العصر كلهم على التقليد لأن فيه تعطيل فرض من فروض الكفايات وهو الاجتهاد، فحث على الاجتهاد ليكون في كل عصر من يقوم بهذا الفرض، هكذا قرر معنى النص الأصحاب ﵃ وسيأتي من عباراتهم ما يبين ذلك.
[ ٢٣ ]