قال: "قلت: ترى في أصول هذا المذهب كثيرًا من المكفرات بإجماع المسلمين ومخالفتها للنص:
الأول: حصر الدين في القرآن العظيم، وجحود ما جاءت به السنة.
الثاني: قولهم بسقوط أحكام الرسالة، وانقطاعها.
[ ١١٨ ]
الثالث: جعلهم الرسل والأنبياء كسائر الناس والطعن بهم.
الرابع: تكفيرهم كل من خالفهم في مذهبهم من المسلمين.
الخامس: استبحاة دماء المسلمين عمومًا والعلماء خصوصًا وجعل قتلهم من الدين، ولو اطلعت على ما فعلوه مرارًا بعلماء الحجاز والزوار، والدماء التي سفكوها في الحرم المكي وفي عرفات لوجدته أعظم وأقبح من أعمال القرامطة والتتر، فأنى لمسلم أن يجمع بين الإسلام وبين عقائد هذا المذهب؟ هل يمكن الجمع بين الكفر والإيمان؟ ".
أقول: إن هذا الزنديق قد تمادى في غوايته، فلم يكفه ما نقله عن دحلان مقلدًا له بل زاد عليه في قباحته وافترائه الكذب، ففرع على كلام دحلان بكلام أقبح منه وأظلم، فالأصل والفرع ظلمات بعضها فوق بعض، وقد بسطنا الرد على أكاذيبه هذه فيما تقدم بالدلائل التي لا تقبل الجدل، فأغنى عن إعادتها هنا والله تعالى حسبنا ونعم الوكيل.
قال الملحد: "فانتبه أيها العاقل الذي أغراك الشيطان على انتسابك أو اعتقادك لمذهب أشد كفرًا من الوثنية وأنت لا تعرف من فروعه – فضلًا عن أصوله – شيئًا، بل غاية علمك منه أنه كمذهب الصحابة والتابعين يوسع للمسلم الأخذ من الكتاب والسنة، من دون أن يتقيد بقول إمام أو عالم، وأنت تحسب أنك تحسن صنعًا. فلو هداك الله للوقوف على أصوله وفروعه، وترجمة حال أهله، ونبذ هوى النفس لوجدت نفسك على شفا جرف من الكفر من حيث لا تدري، فإنا لله وإنا إليه راجعون".
أقول في كلام هذا الملحد: إنه منكر من القول، ظاهر التناقض والبطلان، فكيف يخاطب بالعاقل: من أغراه الشيطان، فاعتقد بمذهب أشد كفرًا من الوثنية أنه كمذهب الصحابة والتابعين يوسع للمسلم الأخذ من الكتاب والسنة من دون أن يتقيد بقول إمام أو عالم؟ وقبل الجوال على مخرقة هذا الملحد نسجل عليه إقراره هذا، ونثبت اعترافه بأن مذهب الصحابة والتابعين
[ ١١٩ ]
يوسع للمسلم الأخذ من الكتاب والسنة من دون أن يتقيد بقول إمام أو عالم.
ثم نقول لهذا الأحمق: إن الوثنيين قد كذبوا بالرسل وقالوا لهم: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ [الزخرف، الآية: ٢٣] فعبدوا الأموات بسؤالهم قضاء الحاجات، وتفريج الكربات، وأشركوهم في عبادة الله تعالى، فاطر الأرض والسموات، تقليدًا لآبائهم ومشايخ ضلالهم، كافرين بالكتاب والسنة وبمن جاء بهما. كذلك حال من قلدوهم في أعمالهم الشركية، وإن ادعوا الإسلام فإنهم من الذين آمنوا ببعض الكتاب وكفروا ببعض. أما الصحابة ﵃ فقد آمنوا بنبيهم فاتبعوه وصدقوه فيما جاء به من كتاب ربهم العزيز، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد، قرآن عربي غير ذي عوج، وسنة مطهرة جاء بها من لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى، وهو ﷺ أفصح الفصحاء، وأبلغ البلغاء، وقد أعطاه الله تعالى جوامع الكلم، فلا يستحق الإمامة على الحقيقة غيره ﷺ، وقد اتبعهم التابعون على سلوك هذا الصراط المستقيم فكيف يلتبس على عاقل الفرق بين مذهب الصحابة والتابعين وبين مذهب هو أشد كفرًا من الوثنية؟ سبحانك هذا بهتان عظيم. فما لهؤلاء الملحدين لا يفقهون حديثًا؟ أمثال المقلد الأعمى "الحاج مختار" الذي جعل التوسع بالأخذ من الكتاب والسنة من دون تقليد بقول إمام أو عالم غير رسول الله ﷺ؟ فهل من قلدهم يكون أشد كفرًا من الوثنيين؟ بل ما يقول فيمن جاءوا من بعدهم من أئمة المسلمين المجتهدين وغيرهم من الذين لم يدعوا الاجتهاد المطلق، ولكنهم لم يتقيدوا بقول إمام أو عالم، بل إن الله تعالى أعطاهم عقولًا وفهمًا في كتابه وفي سنة نبيه ﷺ، واستعانوا أيضًا على فهمهما بكلام أئمة المفسرين، وأئمة أهل الحديث وبكلام فقهاء الأمة، حيث اجتمع عندهم ما لم يجتمع لمن سبقهم من تدوين جميع علوم الكتاب والسنة مصححة منقحة، لا يزيغ عنها إلا هالك؟ أفترى هذا الملحد يقول عمن ذكرنا: إنهم وثنيون أو ملفقون؟ أو يزيد على ذلك – كما هو مذهبه الباطل من القول على الله بغير علم – والطعن في كتابه وفي سنة نبيه ﷺ فقد قال: "إن استخراج
[ ١٢٠ ]
الأحكام من نصوص الكتاب والسنة متعذر بعد بعد الأئمة الأربعة وأنه لا يجوز الرد إلى الكتاب والسنة" وهذا نص كلامه في هذه الرسالة الضالة.
قال: "الوجه الثالث: أن الكتاب والسنة فيهما الناسخ والمنسوخ، وهذا منه المنسوخ من الكتاب بالكتاب. ومنه المنسوخ من الكتاب بالسنة، ومنه المنسوخ من السنة بالسنة، وهذه الأقسام أوسع أسباب الاختلاف بين الصحابة والتابعين والأئمة، وفيهما العام والخاص، والمقيد والمطلق، والمجمل والمفصل، والظاهر والمضمر إلى آخره. فهذه كلها أحاط الأئمة الأربعة وأصحابهم بأطرافها، وما تركوا فيها زيادة لمستزيد حال كون أئمة الحديث ما تعرضوا لشيء منها البتة، بل سردوا الأحاديث سردًا في أبوابها على علاتها فإذا وجدتم حديثًا في البخاري أو غيره في مسألة ومثله في موطأ مالك مثلًا، أحدهما فيه تشديد والثاني فيه ترخيص، فأنى لكم معرفة الناسخ، فترجحوه على المنسوخ؟ وهكذا في سائر الأقسام التي تتوقف صحة الحكم على معرفتها، وأنتم لا تجدون في كتب الحديث بيانًا ولا إشارة تهديكم إلى الصواب. أيجوز لكم الترجيح بمجرد الظن والترخص؟ فهذه زندقة لا إسلامية – إلى أن قال – وأما قولكم: إنكم ما خرجتم عن الإجماع فهذا هو المغالطة، لأننا بينما كنا نباحثكم عن إجماع الفقهاء والتعبد والتعامل التجأتم إلى الإجماع على كتب الحديث، ومع هذا فأخبرونا: متى أجمعت الأمة على التعبد والتعامل بصحيح البخاري أو غيره؟ وأي عالم أفتى في حكم البخاري أو غيره؟ ".
انتهى كلام الملحد بحروفه، فهل بعد هذا محادة لله ولرسوله ﷺ وطعن في كتابه تعالى وفي سنة نبيه ﷺ، وفي حملتها من أهل الحديث؟ وهل حمل هذا الملحد على تكفيره لخلاصة الموحدين من أهل نجد، وجعل مذهبهم أشد كفرًا من الوثنية إلا ما ذكره عنهم من الأخذ بالكتاب والسنة واتباع الصحابة والتابعين من دون أن يتقيدوا بقول إمام أو عالم؟ هذا على زعمهم الباطل وإلا فإنهم في الفروع: على مذهب الإمام أحمد متقيدين به.
[ ١٢١ ]
وبعد، فهل الواجب على المكلفين أن يتقيدوا بقول إمام أو عالم، أم بقول الله تعالى وقول رسوله ﷺ؟ والله ﵎ يقول لنبيه ﷺ: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً﴾ [النحل، الآية: ٨٩] وهذا الملحد يقول: إن في الكتاب والسنة الناسخ والمنسوخ – إلى آخر ما قال. ثم يقول: إن هذه الأقسام هو أوسع أسباب الاختلاف بين الصحابة والتابعين والأئمة، وأن كتب الحديث ليس فيها بيان ولا إشارة تهدي إلى الصواب ونحن نقول: سبحانك ربنا هذا بهتان عظيم. وقد تقدم الكلام في بيان مذهب الوهابيين وبيان أصوله وفروعه بما أغنى عن إعادته هنا.
قال المعترض: "ولنرجع إلى المقصود من هذه الرسالة وبالله الاستعانة".
فأقول: قد أتى المعترض في أول رسالته هذه على مسائل زعمها من أصول الدين وقد تمادى في الخوض فيها من غير تحقيق لها ولا بحث أو تدقيق عن وجه الحق فيها مع أن في عدم التثبت فيها مزلة أقدام، قد تفضي بصاحبها إلى المروق من الإسلام، وذلك بأن يرتكب أمورًا تناقض أصل الإسلام مع زعمه أنه من المحافظين عليه. وشر هذه الأمور أن يتخذ العبد إلهه هواه ثم يعتمد على جهله وتقليده لساداته وكبرائه من أهل الضلال، الداعين إلى سبل الشيطان، المفضية بسالكها إلى ارتكاب الشرك والبدع في دين الله تعالى والدعوة إليها، ومعاداة حزب الله ورسوله ﷺ وتكفيرهم، ورميهم بما هم براء منه بمجرد الزور والبهتان، كما عليه هذا الملحد صاحب هذه الرسالة وشيخه دحلان.
فإن الملحد قد افتتح رسالته هذه في أول صحيفة منها في مناقشة علماء أهل السنة والجماعة المعاصرين له، كالشيخ الإمام محمد عبده بمصر، والشيخ العلامة جمال الدين القاسمي بالشام، والإمام الجليل الشيخ محمود شكري الألوسي في بغداد وأتباعهم من أهل السنة والجماعة. وقد تغالى هذا الملحد في هذه المناقشة التي وجهها إليهم، حيث أخرجهم من الإسلام، وختم
[ ١٢٢ ]
مناقشته لهم بأن قال لهم: "إن مذهبكم مشابه لمذهب الوهابيين" وهو الذي يقول فيه المعترض: "إسلام ووهابية لا يجتمعان" ثم شرع يبين لهم مذهب الوهابيين فيما نقله عن دحلان في تكفيره لأهل نجد، الذين يسميهم بالوهابيين وهم من خيار المسلمين وصفوة الموحدين فقد كفرهم هذا الملحد من غيرما برهان إلا ما قلد فيه دحلان سالكًا هذا المسلك الوخيم في تكفيره للمسلمين وكأن هذا الذي بدا منه في حق من رماهم بالكفر لغو من القول، لا يترتب عليه ثواب ولا عقاب، وإنما جاء به تمهيدًا لمقصود رسالته الضالة. وهو بحث الاجتهاد مع أنه لا يحسن البحث ولا غيره بل هو جهول مخلط متناقض وقد جاريناه في ردنا هذا، على ما بنا من مضض في متابعته على تخليطه وتكرير خزعبلاته وسوء تعبيره.
[ ١٢٣ ]