ثم قال المعترض: "قال المناوي في شرح الجامع الصغير: لا يجوز تقليد الصحابة ولا التابعين كما قال إمام الحرمين أيضًا من كل من لم يدون مذهبه فيمتنع تقليد غير الأئمة الأربعة، لأن المذاهب الأربعة: انتشرت وتحررت، بخلاف غيرهم لانقراض أتباعهم" انتهى.
أقول: وهذا النقل أيضًا ليس مما نحن فيه من بحث الإجماع، ولكنه قول باطل يتعين علينا رده بالحجة والبراءة منه، فنقول:
إذا كان النقل صحيحًا وسالمًا من تحريف المعترض وكذبه – لعدم أمانته واحترامه لأهل العلم – فإنا نقابله برده على صاحبه واحتقاره. ومما زادني شكًا في عدم صحة نقله: ما رأيته في كتاب "الرد على من أخلد إلى الأرض" لجلال الدين السيوطي نقلًا عن الطبقات الكبرى للسبكي في ترجمة إمام الحرمين.
قال: الإمام لا يتقيد بالأشعري، ولا بالشافعي، وإنما يتكلم على حسب تأدية
[ ١٣٠ ]
نظره واجتهاده. وقال في موضع آخر: وذكر إمام الحرمين في البرهان: أنه إذا خلا الزمان عن مجتهد صار كزمان الفترة. انتهى.
وهذا يخالف ما نسبه الإمام المناوي لإمام الحرمين، بل يكذبه، وهو عدم جواز تقليد الصحابة ﵃ والتابعين من بعدهم، وإذا كان الخطأ والتناقض جائزًا في حق غير المعصوم ﷺ فإن كل قول يخالف أمر الرسول ﷺ مردود على صاحبه. فما زعمه المناوي رد لأمر الرسول ﵊ حيث يقول: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ" إلى آخر الحديث. وقوله ﷺ: "خير القرون قرني ثم الذين يلونهم" إلى آخر الحديث. وقوله ﷺ: "خير القرون قرني ثم الذين يلونهم" إلى آخر الحديث، وكيف يجوز تقليد الخلف ولا يجوز تقليد الصحابة الذين اختارهم الله تعالى لصحبة نبيه ونصرة دينه؟ وقد نزل القرآن بلغتهم، وعلى أسباب عرفوها، وعلى قصص كانوا فيها، فعرفوا منطوقه ومفهومه، ومنصوصه ومعقوله، وقد شرفهم الله بصحبة نبيه ﷺ فما شاهدوه من أفعاله، وما نقلوه من أقواله أعظم دليل على فضلهم وعلو قدرهم وسبقهم وثبات قدمهم في العلم والفقه الذي لا يطاولهم فيه غيرهم ممن جاءوا بعدهم. وقد رضي الله عنهم ورضوا عنه الذين اتبعوهم بإحسان. قال تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة، الآية: ١٠٠] .
[ ١٣١ ]