قال المعترض: "وقد بسط الفخر الرازي مسألة الإجماع في تفسير قوله تعالى في سورة النساء: ﴿وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء، الآية: ٥٩] ومما قاله ما نصه: قد دللنا على أن قوله: "وأولي الأمر منكم" يدل على أن الإجماع حجة.
[ ١٩٩ ]
فنقول: كما أنه دل على هذا الأصل فكذلك دل على مسائل كثيرة من فروع القول بالإجماع ونحن نذكر بعضًا – وذكر بعضها – فقال: ومنها الفرع الثاني الذي محصله أن الإجماع الحاصل عقيب الخلاف الواقع بين الأئمة يبقى حجة، ولا تأثير للاختلاف فيه" انتهى.
أقول: أما الكلام على الإجماع فقد تقدم منه ما شفى وكفى. فلا حاجة بي إلى إعادة البحث فيه وتتبع خزعبلات هذا الجاهل المعاند لتفنيدها عند كل سانحة تسنح له من أفكاره الباطلة. فإنه مهذار مخلط وإنما أقصد الآن بيان جرأة هذا الملحد في كذبه على العلماء، وتحريف كلامهم عن مواضعه.
فأقول: أن المعترض قد كذب على الفخر الرازي، وحرف كلامه وزاد فيه ونقص ظلمًا وعدوانًا متعمدًا، فحذف منه ما هو حجة عليه وهدم لما يزعمه من انعقاد الإجماع بالعوام وممن ليس من أهل الاجتهاد بل من المقلدين. وهو الفرع الأول. فإن الفخر الرازي لما تكلم على آية سورة النساء وهي قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء، الآية: ٥٩] تكلم على دلالتها على حجية الإجماع، وقرر أن المراد بأولي الأمر: هم العلماء المجتهدون. فقال ما نصه بالحرف الواحد: المسألة الحادية عشرة: قد دللنا على أن قوله: "وأولي الأمر منكم" يدل على أن الإجماع حجة، فنقول: كما أنه دل على هذا الأصل، فكذلك دل على مسائل كثيرة من فروع القول بالإجماع. ونحن نذكر بعضها:
الفرع الأول: مذهبنا أن الإجماع لا ينعقد إلا بقول العلماء الذين يمكنهم استنباط أحكام الله من نصوص الكتاب والسنة، وهؤلاء هم المسمون بأهل الحل والعقد في كتب أصول الفقه، نقولك الآية دالة عليه، لأنه تعالى أوجب طاعة أولي الأمر، والذين لهم الأمر والنهي في الشرع ليس إلا هذا الصنف من العلماء، لأن المتكلم الذي لا معرفة له بكيفية استنباط الأحكام من النصوص لا اعتبار بأمره ونهيه. وكذلك المفسر والمحدث الذي لا قدرة له على استنباط
[ ٢٠٠ ]
الأحكام من القرآن والحديث. فدل على ما ذكرناه. فلما دلت الآية على أن إجماع أولي الأمر حجة علمنا دلالة الآية على أنه ينعقد الإجماع بمجرد قول هذه الطائفة من العلماء. وأما دلالة الآية على أن العامي غير داخل فيه فظاهر، لأنه من الظاهر أنهم ليسوا من أولي الأمر.
الفرع الثاني: اختلفوا في أن الإجماع الحاصل عقيب الخلاف: هل هو حجة؟ والأصح: أنه حجة، والدليل عليه هذه الآية: وذلك لأنا بينا أن قوله: ﴿وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء، الآية: ٥٩] يقتضي وجوب طاعة جملة أهل الحل والعقد من الأمة وهذا يدخل فيه ما حصل بعد الخلاف ما لم يكن كذلك، فوجب أن يكون الكل حجة. انتهى.
فقد تبين بما سقناه من كلام الفخر الرازي في تفسيره بالحرف الواحد: تحريف المعترض وتصرفه فيه بالزيادة والنقصان، الذي مسخ به كلام الرازي. فقد أسقط الفرع الأول الذي بناه الرازي على الأصل الذي دلت عليه الآية من حجية الإجماع، ثم بين بهذا الفرع ما يكون حجة في صحة انعقاد الإجماع من مدلول الآية الشريفة، وأنه لا ينعقد إلا بقول العلماء المجتهدين الذين يمكنهم استنباط أحكام الله من نصوص الكتاب والسنة وأنهم المسمون بقوله تعالى: ﴿وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء، الآية:٥٩] وأنه لا عبرة بغيرهم، وإن كانوا مفسرين او محدثين لكونهم لا قدرة لهم على استنباط أحكام الله تعالى من النصوص. فإسقاطه لهذا الفرع من اكبر الخيانة لأئمة الدين وعلماء الأمة الذين يقتدي بهم. ثم إن الفرع الثاني فرع عن الأول وقد حرفه المعترض وبدل لفظه ومعناه. فإن الفخر الرازي لم يقل كما زعمه المعترض إن الإجماع الحاصل عقيب الخلاف الواقع بين الأئمة يبقى حجة، ولا تأثير للخلاف فيه فكلام الرازي- كما تراه منقولًا بالحرف الواحد –لا يتفق مع ما نسبه المعترض إليه. فأي خيانة بعد هذا؟ خصوصًا وهي في أشرف العلوم، وأصل الأصول. وهو تفسير كتاب الله العزيز. وهل زاد اليهود على هذا التحريف والتبدل؟ الجواب: لا، بل هذا اقتفاء أثرهم حذو القذة بالقذة. وهذا لا يعد من الجهل والخطأ، بل هو من سوء القصد
[ ٢٠١ ]
واتباع الهوى. وقد قال تعالى: ﴿أفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ [الجاثية، الآية:٢٣]، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [القصص، الآية:٥٠] .
وأما قول المعترض –بعد أن ساق كلام الفخر الرازي على صورته المتقدمة – "فهذا إجماعنا على أئمتنا، وهذا ما ندين لله به ونلقاه عليه إن شاء الله".
فهنا يقف المطلع على كلام هذا الأحمق حائرًا، مستبعدًا أن يبلغ الجهل والهوى –أو الغفلة والحمق –بصاحبهم ما بلغ بهذا المعترض. فقد كذب على العلماء ونسب إلى الأئمة الأربعة من الزور ما هم منهم بريئون، ويبرئهم من كل من سلك سبيلهم. وها هو أيضًا يحرف كلام الفخر الرازي ويفتري عليه ثم يقول: "فهذا إجماعنا على أئمتنا وهذا ما ندين الله به ونلقاه عليه".
فالعاقل –إزاء تخبط هذا الأحمق- يعوذ بالله من زيغ القلوب وانتكاسها، فكيف يتصور أن يصدر هذا من عاقل، بل ولا من جاهل؟ بعد أن كذب على العلماء وحرف كلامهم عن مواضعه عمدًا، يتمنى أن يلقى الله على هذه الحالة؟ ألا إن هذا هو الحور بعد الكور، والضلال بعد الهدى، أستغفر الله، بل متى كان هذا الملحد مهتديًا؟ وقد نشأ في حجر الوثنية، وشب وترعرع على الخبيث من ثمرات التقليد الأعمى والجاهلية. نسأل الله الثبات على الإيمان.
وهذا آخر الكلام على الفصل الأول الذي عقده المعترض لبيان فروع الإجماع الذي وعد بأن يتكلم على كل فرع منه على خدة. لكن المعترض لم يأت بشيء مما يتعلق بأصل الإجماع ولا فروعه إلا بمثل قوله: "فنحن أهل السنة البالغ عددنا مائتين وخمسين مليونًا، متفقين على أخذ أصول ديننا وفروعه عن الأئمة الأربعة" وقوله: " فنحن أهل السنة والجماعة اعتمادًا على ما بلغنا عن نبينا أن إجماعنا حسن ومقبول، فلا نبالي بمن خالفنا" وقوله: "فهذا إجماعنا على أئمتنا، وهذا ما ندين الله به ونلقاه عليه إن شاء الله".
[ ٢٠٢ ]
فهذا هو حاصل ما جاء به من الكلام على فروع الإجماع بالفصل الأول.
[ ٢٠٣ ]