وأما ما ذكره الملحد عن الشيخ ابن تيمية وكتبه ومباحثه فهو كذب ومجرد دعوى بلا دليل، فإنه لا يعرف من كتب ابن تيمية غير هذه الرسالة الصغيرة "رفع الملام عن الأئمة الأعلام" لأنه وجد فيها -بزعمه- ما يوافق هواه ومع ذلك فقد حرف في النقل ههنا أشنع تحريف. وافترى على الشيخ فيها ونسب إليه قولًا كذبًا وزورًا، كما سنراه قريبًا بعد هذا، فيما أنا مورده من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى ما يكذب دعوى هذا الملحد على الشيخ ويبين جهله. فإنه في جهالة عمياء، وغباوة شنعاء، يتلقف معلوماته وعقائده من حثالات المبتدعين، ومن الجهلة الجاثمين على عادات آبائهم وأجدادهم السالفين. ويجري مع الهوى، مفتريًا الكذب على أئمة الدين، محرفًا لكلامهم، لا يرجو من الله وعدًا، ولا يخلف وعيدًا. وقد قال تعالى: ﴿أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود، الآية:١٨] .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في كتابه "منهاج السنة": قال الرافضي: وذهب الجميع منهم إلى القول بالقياس، والأخذ بالرأي. فأدخلوا في دين الله ما ليس منه، وحرفوا أحكام الشريعة، واتخذوا مذاهب أربعة، لم تكن في زمن النبي ﷺ ولا زمن الصحابة، وأهملوا تأويل الصحابة مع أنهم نصوا على ترك القياس وقالوا: أول من قاس إبليس.
قال الشيخ: الجواب عن هذا من وجوه –إلى أن قال- الوجه الخامس: أن قوله: "أحدثوا مذاهب أربعة لم تكن على عهد رسول الله ﷺ" إن أراد بذلك: أنهم اتفقوا على أن يحدثوا هذه المذاهب مع مخالفة الصحابة ﵃. فهذا كذب عليهم، فإن هؤلاء الأئمة لم يكونوا على عصر واحد، بل أبو حنيفة توفى سنة خمسين ومائة ومالك سنة تسع وسبعين ومائة، والشافعي سنة أربع ومائتين وأحمد بن حنبل إحدى وأربعين ومائتين رحمهم الله تعالى.
[ ٢٢٠ ]
وليس في هؤلاء من كان يقلد الآخر، ولا من يأمر الناس باتباعه، بل كل منهم كان يدعوا إلى اتباع الكتاب والسنة. وإذا قال غيره قولًا يخالف الكتاب والسنة عنده رده، ولا يوجب على الناس تقليده. وإن قلت: إن أصحاب هذه المذاهب اتبعهم الناس، فهذا لم يحصل بمواطأة، بل اتفق أن قومًا اتبعوا هذا، وقومًا اتبعوا هذا، كالحجاج الذين طلبوا من يدلهم على الطريق. فرأى قوم هذا دليلًا خريتا فاتبعوه. وكذلك آخرون وإذا كان كذلك لم يكن في ذل ك اتفاق أهل السنة على باطل بل كل قوم ينكرون ما عند غيرهم من الخطأ. فلم يتفقوا على أن الشخص المعين عليه أن يقبل من كل هؤلاء ما قالوه، بل جمهورهم لا يأمر العامي بتقليد شخص معين، غير النبي ﷺ والله تعالى قد ضمن العصمة للأمة فمن تمام العصمة أن يجعل عددًا من العلماء إذا أخطأ الواحد في شيء كان الآخر قد أصاب فيه، حتى لا يضيع الحق، ولهذا لما كان في قول بعضهم من الخطأ مسائل- كبعض المسائل التي أوردها الرافضي- كان الصواب في قول الآخر، فلم يتفق أهل السنة على ضلالة أصلًا- إلى أن قال:
الوجه الثامن: أن أهل السنة لم يقل أحد منهم إن إجماع الفقهاء الأربعة حجة معصومة، ولا قالوا إن الحق منحصر فيها، وأن ما خرج عنها باطل، بل إذا قال من ليس من أتباع الأئمة الأربعة – كسفيان الثوري والأوزاعي والليث بن سعد ومن قبلهم ومن بعدهم من المجتهدين – قولًا يخالف الأئمة الأربعة رد ما تنازعوا فيه إلى الله ورسوله ﷺ. وكان الراجح هو الذي قام عليه الدليل. انتهى ما نقلته من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى.
فهل يتفق هذا مع ما فتراه هذا الملحد الضال، ونسبه إلى الشيخ؟ فإن هذا دأبه مع جميع علماء المسلمين من أهل السنة، والكذب عليهم وتحريف كلامهم.
قال المعترض: "ثم قال – يعني الشيخ ابن تيمية – في آخر الرسالة المذكورة ما نصه: واعلم أن سبيل اتباع الأئمة هي التي يجب سلوكها، وما
[ ٢٢١ ]
سواها فهو أقبح من أقوال الخوارج والمعتزلة، وغيرهم من أهل الضلال، انتهى. فهذا كلام إمامكم بنصه ولا جرم أنكم عالمون بما كان عليه من الحق والإنصاف، لكن الشيطان أغراكم على اتهامه بما هو بريء منه وليس هذا الإمام وحده أنصف من نفسه، بل جميع أجلاء علماء أهل السنة كانوا – وما زالوا – على هذا الهوى، وهذا الصراط المستقيم".
أقول: إن ما نسبه الملحد من هذا الكلام إلى الشيخ ابن تيمية رحمه الله تعالى: كله كذب بحت، لم يقله الشيخ، لا لفظًا ولا تضمنه كلامه معنى، وإنما هو من اختلاق هذا الملحد كعادته في تحريف كلام العلماء والكذب عليهم ونحن ننقل كلام الشيخ ابن تيمية الذي حرفه المعترض بنصه.
قال الشيخ رحمه الله تعالى في كتابه "رفع الملام" في الكلام على نصوص الوعيد، فإن قيل: فهلا قلتم: إن أحاديث الوعيد لا تتناول محل الخلاف وإنما تتناول محل الوفاق، وكل فعل لعن فاعله، أو توعد بغضب أو عقاب حمل على فعل اتفق على تحريمه، لئلا يدخل بعض المجتهدين في الوعيد، إذا فعل ما اعتقد تحليله، بل المعتقد أبلغ من الفاعل، إذ هو الآمر له بالفعل، فيكون قد ألحق به وعيد اللعن، أو الغضب بطريق الالتزام؟ قلنا: الجواب من وجوه – ثم ذكر اثني عشر وجهًا – ثم قال في الوجه الثاني عشر منها: أن نصوص الوعيد من الكتاب والسنة كثيرة جدًا، والقول بموجبها واجب على وجه العموم والإطلاق، من غير أن يعين شخص من الأشخاص، فيقال: هذا ملعون أو مغضوب عليه ومستحق للنار، لا سيما إن كان لذلك الشخص فضائل وحسنات: فإن من سوى الأنبياء يجوز عليهم الصغار والكبائر، مع إمكان أن يكون ذلك الشخص صديقًا أو شهيدًا أو صالحًا. لما تقدم أن موجب الذنب: يختلف عنه بتوبة أو استغفار، أو حسنات ما حية، أو مصائب مكفرة، أو شفاعة، أو لمحض مشيئته ورحمته. فإذا قلنا بموجب قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرا﴾ [النساء، الآية: ١٠] ثم ساق آيات في هذا المعنى – وقال: إلى غير ذلك من آيات الوعيد، أو
[ ٢٢٢ ]
قلنا بموجب قوله ﷺ: "لعن الله من شرب الخمر أو عق والديه" – ثم ذكر أيضًا أحاديث بهذا المعنى – ثم قال: إلى غير ذلك من أحاديث الوعيد: لم يجز أن يعين شخص ممن فعل بعض هذه الأفعال. ونقول: هذا المعين قد أصابه هذا الوعيد، لإمكان التوبة وغيرها من مسقطات العقوبة. ولم يجز أن نقول: هذا يستلزم لعن المسلمين ولعن أمة محمد ﷺ، ولعن الصديقين، أو الصالحين لأنه يقال: الصديق والصالح متى صدرت منه بعض هذه الأفعال، فلا بد من مانع يمنع لحوق الوعيد به، مع قيام سببه. ففعل هذه الأمور ممن يحسب أنها مباحة باجتهاد، أو تقليد، أو نحو ذلك، غايته أن يكون نوعًا من أنواع الصديقين الذين امتنع لحوق الوعيد بهم لمانع، كما امتنع لحوق الوعيد به لتوبة أو حسنات ماحية أو غير ذلك.
واعلم أن هذه السبيل هي التي يجب سلوكها، فإن ما سواها طريقان خبيثان:
أحدهما: القول بلحوق الوعيد لكل فرد من الأفراد بعينه، ودعوى أن هذا عمل بموجب النصوص وهذا أقبح من قول الخوارج المكفرين بالذنوب والمعتزلة وغيرهم، وفساده معلوم بالاضطرار، وأدلته معلومة في غير هذا الموضوع.
انتهى المقصود من نقل كلام الشيخ ابن تيمية الذي حرفه المعترض ليقابله القراء، وكل مطلع عليه، وليتحققوا تحريف هذا الملحد لكلام العلماء ونسبته إلى الشيخ ابن تيمية من القول ما لم يقله.
وأما قول المعترض: "فهذا كلام إمامكم بنصه".
فالجواب أن نقول: ليس هذا كلام إمامنا، فقد غير المعترض لفظ كلام إمامنا ومعناه. وقد أوردنا نحن نص كلام إمامنا بالحرف الواحد، ليعلم قدر أمانة هذا المحرف المنحرف عن سبيل المؤمنين.
[ ٢٢٣ ]
وأما قول المعرض: "ولا جرم أنكم عالمون بما كان عليه من الحق والانصاف إلى أخره".
فنقول للمعترض: نحن عالمون بما كان عليه شيخ الإسلام ابن تيمية من الحق والإنصاف، وعلمنا بذلك علم يقين، ورسوخ في الحق، مقرون لهذا الشيخ الجليل بأنه في العلم والحق والإنصاف علم الأعلام، ومصباح الظلام. وهو حجة الله الناطقة على المعاندين، وسيف الله المسلول على رقاب الزنادقة والمبتدعين. نسأل الله تعالى له الرحمة والغفران، وإعلاء مقامه في جنات النعيم، مع الصديقين والشهداء والصالحين، وإن رغم أنف الحاج مختار المتلون في دينه وسنحتج علي بما أقر به هنا من فضل الشيخ وإمامته، وأنه من أهل الحق والإنصاف، وأنه من جلة علماء أهل السنة، الذين كانوا – وما زالوا – على الصراط المستقيم، إن شاء الله. وذلك حينما يبدأ هذا اللحد في طريق الزندقة والحور بعد الكور في حق شيخ الإسلام ابن تيمية – ﵁ – من سبه للشيخ وتضليله إياه، بغير برهان ولا حجة إلا فيما خالف فيه هواه، ودمغه على رأسه من كلام شيخ الإسلام الذي هدم به شركه وضلاله.
وأما إطلاق المعترض على شيخ الإسلام ابن تيمية بأنه إمامنا: فمع كون الشيخ رحمه الله تعالى أهلًا للإمامة والإرشاد، وهو خير من يقتدى به من أهل عصره إلى يومنا هذا. فما كنا له مقلدين ولا متابعين إلا بما يفرضه علينا كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ ومن قبول الحق ونصرته ممن جاء به، ولما كان شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى من وقت ظهروه إلى وقتنا هذا هو إمام الأئمة المحققين لتوحيد الله تعالى، وإثبات صفات كماله، ونعوت جلاله على طريقة السلف الصالح من الصحابة والتابعين وتابعيهم من القرون المفضلة فإنا له موافقون، وبفضله وإمامته شاهدون.
وأما في الفروع: فإننا على مذهب إمامنا الإمام أحمد بن حنبل ﵁ ولم تقلد شيخ الإسلام ابن تيمية فيما خالف فيه الإمام أحمد، كمسألة
[ ٢٢٤ ]
الطلاق الثلاث دفعة واحدة وغيرها فالمعترض ملفق، بعيد عن الحق.
ثم إن المعترض أورد كلامًا بطريق الاستشكال ثم أجاب عنه بجواب من نوعهن كله خلط وتحريف، وهذيان متناقض لا طائل تحته.
[ ٢٢٥ ]