فمنهم: العالم الفاضل والمؤرخ الشهير الكامل محمود فهمي المصري المتوفى بجزيرة سيلان سنة ١٣١١هـ قال رحمه الله تعالى في كتابه "البحر الزاخر في تاريخ العالم وأخبار الأوائل والأواخر" المذهب الوهابي من أعظم الحوادث المشهورة التي شاهدتها بلاد العرب من عهد نبينا محمد ﷺ. الثورة التي حصلت من الوهابيين وذلك أنهم أثبتوا حماستهم العسكرية وشجاعتهم البدوية شجاعة العرب القديمة، وتعصبهم في الدين، وسيرهم في أقوم طريق مبين. وكان مؤسس هذه الدعوة وصار اسم أبيه لقبًا عليها وعلى نفس ما بينه ودعا إليه من العقيدة الدينية. هو شخص اسمه محمد بن عبد الوهاب من نسل قبيلة تميم في نواحي نجد، ومن عائلة اسمها الوهابية (١) . وأطلق على ما كان متمسكًا به من العقيدة اسم "المذهب الوهابي" أو "الدين الوهابي" وكان أبوه شيخ هذه العائلة وكبيرها، وكان مولد محمد بن عبد الوهاب المذكور في سنة ١٦٩١ بعد الميلاد (٢)، في قرية تسمى "العيينة" من إقليم العارض، فجاور في أثناء شبابه بمكة والمدينة، ونزل البصرة وبغداد، وجاور في مدارس المدن المشهورة في الشرق. ولما رأى في أثناء سياحاته العديدة أن الدين الحقيقي للإسلام دخله الفساد الكلي وتسلطت عليه الخزعبلات والمنكرات في القول والفعل وأن معظم الترك والعجم صاروا من الروافض وأهل البدع، عزم وصمم في نفسه على إصلاح ما أفسده العجم المفسدون والترك المجرمون. وكانت أعماله بغاية التؤدة والرزانة وتدبيره وذكاؤه وما هو عليه من العلم والحكمة، كان حافظًا له احترام أهل بلاده فأدخل في مذهبه منهم جملة بكونه نشر عقيدة هذا الدين في مؤلفات ومصنفات اشتهرت بين أيدي أهل بلاده بالفضل الكامل، والقبول الشامل. وكان الوهابيون في عقيدتهم ومذهبهم على طريق أهل السنة والجماعة والأساس الأصلي لدينهم هو توحيد الله ﷾، لا يشركون به شيئًا. ويعتقدون أن النبي ﷺ بشر، أدى ما يجب عليه من إبلاغ الرسالة
_________________
(١) صحة ذلك الوهبه فرع من قبيلة بني تميم.
(٢) ولادة الشيخ محمد بن عبد الوهاب عام ١١٥هـ الموافق ١٧٠٣م.
[ ٣٨ ]
الإلهية ورفضوا جميع تفاسير القرآن الخرافية المكذوبة وقرروا أحاديث أهل السنة والجماعة وبما أنهم يرون أن عموم الناس مستوون، وأن ليس لهم من العبادة والأمر شيء، وأن الأمر كله لله والعبادة بجميع أنواعها لله وحده لا شريك له، رأوا أن الاستمداد والاستغاثة بشفاعة الذين توفوا من الأولياء والصلحاء والأنبياء وطلبها منهم بعد الموت: إثم وخطيئة. ورأوا أن احترام وتعظيم رممهم البالية وعظامهم الخالية بأي نوع من العبادة زيادة عن احترام أي بشر، من الأمور المبتدعة. ومن أجل هذا رأوا أن الشواهد والقباب والأبنية المصنوعة على مقابرهم هي رجس من عمل الشيطان، وأمور مبتدعة من بني الإنسان. وأما في الآداب: فهم على نقاء وصفاء وصلابة فإنهم يحرمون الموائع الطيارة، وجميع المواد المخدرة، ويحرمون كافة أنواع الخمور والفسق، والعدول عن العدل والإنصاف، ومنع الصدقات، والعمل بالحيل والخداع والاغتصاب، ولعب الشطرنج والنرد والعيوب الأخرى المتسلطنة في المدائن المقدسة، وأما في شهامة التعصب الحقيقي للدين: فإنهم يغيرون على كل مادة صغيرة مخلة بالدين الحق، ويجعلونها مادة كبيرة في الشرع. انتهى ما أردت نقله متوخيًا الاختصار.
_________________
(١) صحة ولادته عام ١١٦٣هـ الموافق ١٧٥٠م.
[ ٣٩ ]