فقول المعترض: "واعلم أن الاختلاف في الفروع والقياس ليس من محدثات الأئمة الأربعة" يشير به إلى أن هناك أناسًا يقولون: إن الأئمة الأربعة هم سبب الاختلاف الواقع بين متعصبة المذاهب الأربعة، ومن تشعب منها من الفرق الضالة. وهذا من المعترض افتراء وتعريض بالأئمة الأربعة، ينزهون عنه وإنما يقع الذم على المحدثين لهذا الاختلاف والتفرق بين المسلمين. فقد ابتدعوا في دين الله بدعًا لم يأذن بها الله ولا رسوله ﷺ. ومع ذلك يدعون أنهم من أتباع الأئمة الأربعة، مع مخالفتهم للأئمة في أصول الدين وفروعه. وهذا المعترض يقول: إن اختلاف الغلاة من المقلدين، ومن عداهم من أهل الأهواء كاختلاف الصحابة في عصر النبي ﷺ وبعده. فقد كذب على الصحابة ﵃ وأعظم الفرية فيما زعمه إذ جعل ما يقع بين الصحابة ﵃ من اختلاف في سبيل الوقوف على دليل الحكم من الكتاب والسنة حجة في جواز اختلاف هؤلاء المبتدعين، ومن تبعهم من غلاة المقلدين ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا﴾ [الكهف، الآية:٥] فما كان اختلاف أصحاب رسول الله تعصبًا لمذهب أو لقول قائل غير كتاب الله وسنة رسوله ﷺ، وليس ما يقع بينهم يسمى اختلافًا بل هو بحث وتحقيق لحكم الله وحكم رسوله. فإذا بان لهم الحكم مع من كان قابلوه بالرضا والتسليم، لا يطلبون له تأويلًا أو تعليلًا لموافقة مذهب انتحلوه، كما عليه غلاة أهل التقليد، وهذا معروف مشهور من سيرة أصحاب الرسول ﷺ لا يجهله إلا أحمق، كصاحب هذه الرسالة: الحاج مختار.
[ ٢٠٨ ]
فإن أول اختلاف وقع بين الصحابة ﵃ حين توفى رسول الله ﷺ. وذلك في حقيقة موته، وموضع دفنه. فلما حضر أبو بكر الصديق ﵃ أجمعين قام فيهم خطيبًا، وتلا قول الله تعالى: ﴿ومَامُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا﴾ [آل عمران، الآية:١٤٤] وأخبرهم بما حفظه من رسول الله ﷺ في موضع دفنه، فكلهم ﵃ قابلوه بالتسليم ولم يختلفوا فيه. وكذلك الأمر في قتال مانعي الزكاة لما أراد الصديق ﵁ قتالهم، عارضه من عارضه من الصحابة بقول رسول الله ﷺ: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها" فقال أبو بكر الصديق ﵁: "إن الزكاة من حق لا إله إلا الله- أو قال: من حق المال- والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة والله لو منعوني عقالًا- أو عناقًا- كانوا يؤدونه إلى رسول الله ﷺ لقاتلتهم على منعها" فلما رأوا الحق مع الصديق رجعوا إليه راضين بحكم الله ورسوله ﷺ. وأما رجوع الفاروق عمر ﵁ عن قول قاله على المنبر، فهو أكبر دليل على بعد الصحابة عن الاختلاف في الدين. فقد أمر ﵁ بأن لا يزاد في مهور النساء على قدر ذكره، فذكرته امرأة بقول الله تعالى: ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا﴾ [النساء، الآية:٢٠] فترك قوله، وقال: "كل أحد أفقه منك يا عمر" وقال: "امرأة أصابت وأمير المؤمنين أخطأ" وأمر ﵁ برجم امرأة ولدت لست أشهر فذكره علي ﵃ بقول الله تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف، الآية:١٥] مع قوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ [البقرة، الآية:٢٣٣] فرجع عن الأمر برجمها. وكذلك علي ﵁ سأله رجل عن مسألة فقال فيها علي، فقال الرجل: ليس كذلك يا أمير المؤمنين، ولكن كذا وكذا. فقال علي: "أصبت وأخطأت، وفوق كل ذي علم عليم" وأيضًا ابن عباس وزيد ﵄ لما اختلفا في الحائض قال له زيد: "القول ما قلت" وهذا كثير يفوق الحصر مما يجري بين الصحابة ﵃. فإنه لا خلاف بينهم أمام حكم
[ ٢٠٩ ]
الله تعالى وحكم رسوله ﷺ. فلا يتعصبون لرأي رأوه، ولا لقول قاله كبير أو صغير، بل الكتاب والسنة هما ضالتهم المنشودة، وغايتهم المقصودة لا كما عليه غلاة المقلدين، المتنكبين عن كتاب الله وسنة نبيه ﷺ فإنه لا يستدل على جواز اختلاف هؤلاء في الدين، وتفريقهم لجماعة المسلمين بما يقع بين الصحابة من تحقيقهم للحق، إلا من عميت بصيرته كصاحب هذه الرسالة المقلد الأعمى.
ثم إن هذا المعترض قد أثبت هنا اختلاف الصحابة والأئمة الأربعة في الفروع والقياس، مع أنه قد سبق القول منه قريبًا: "بأن الفروع والقياس ركنان للشرع عندهم. والركن الثالث لهما: كتاب الله تعالى" فهذا ما يقوله الحاج مختار فليس بغريب على غباوته ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الروم، الآية:٥٩] .
وأما قوله: "وهذه حقائق مستفاضة مذكورة في مواضعها من كتب الحديث والتفسير- إلى قوله – ولا يجهلها إلا العامي الأحمق".
فأقول: لا أجهل ولا أحمق من هذا الملحد المغالط، فلو كان يعرف من هذه الحقائق المستفيضة- كما يقول –حقيقة واحدة لذكرها. وأنى له ذلك وهو أجنبي عنها وليس من أهلها؟ بل هو يدعي التقليد زورًا وبهتانًا.
وأما قول الملحد: "فمن هداه الله في دينه، وأرشده لما ينجيه يوفقه لتتبع كتب علماء الدين – إلى آخر ما قال".
فأقول: إن هذا الملحد قد أجمل في محل التفصيل، ودلس مغالطًا في مقام النصيحة منه والبيان. ي فلم يسم كتب علماء الدين التي في مطالعتها التوفيق والنجاة ولم يبين كتب أهل البدع والمقولات التي عاقبة من انكب عليها أن يموت هالكًا إلى النار، ولكن الملحد تعمد التدليس والمغالطة، مع شدة الحاجة إلى البيان والتفصيل في هذا المقام. وما ذاك إلا لعلمه بأنه لو بين أسماء هذه الكتب التي يشير إليها، لتبين للناس ضلاله وعدوله عن الصراط المستقيم.
[ ٢١٠ ]
فهو لذلك منافق صميم، ولما كانت الأعمال هي التي تصدق الأقوال وتزكيها، وقد قيل:
ويخبرني عن غائب المرء فعله كفى الفعل عما غيب المرء مخبرا
فإن إمامنا من أعمال هذا الملحد وأقواله في رسالته هذه- التي نحن بصدد الرد عليها – ما يفضح سريرته، ويكشف عورته، ويدلنا على مراده من هذه الكتب التي أشار إليها.
فأما الكتب التي حث على مطالعتها فهي: كتب دحلان وإخوانه من أهل البدع والضلال، فإنه قد اعتمدها في أول رسالته والتزم النقل عنها من دون تصرف – كما قاله في أول رسالته – مقلدًا لدحلان في تكفير المسلمين، وإباحة الشرك في عبادة رب العالمين، فراجعه في الصحيفة الرابعة من رسالته. ثم تتبع بعد ذلك الكتب التي ينقل عنها: هل ترى فيها كتابًا من كتب الحديث، أو كتابًا من كتب تفسير القرآن المجيد؟ إلا ما نقله من تفسير الفخر الرازي فحرفه وكذب على الرازي فيه، وقد نبهنا على ذلك في محله من ردنا هذا.
وأما الكتب التي بحذر عنها الملحد، ويقول عنها: إنها كتب أهل البدع والمقولات. فهي صحيح البخاري ومسلم وغيرهما من كتب الحديث، وما تفرع عنهما من كتب أئمة المسلمين. فقد أبطل العمل بما حوته هذه الكتب من أحكام الدين وجعل الأخذ بما رجحته من الأحكام زندقة لا إسلامية، وإليك ما يقوله الملحد الحاج مختار وذلك في صحيفة (٤٩) من رسالته:
قال: "إن الأئمة الأربعة أحاطوا بجميع علوم الدين وما تركوا فيها زيادة لمستزيد، حال كون أئمة الحديث ما تعرضوا لشيء منها البتة، بل سردوا الأحاديث سردًا في أبوابها على علاتها. فإذا وجدتم حديثًا في البخاري أو غيره في مسألة ومثله في موطأ مالك مثلًا، أحدهما: فيه تشديد، والآخر: فيه ترخيص، فأنى لكم معرفة الناسخ فترجحوه على المنسوخ؟ وهكذا في سائر الأقسام التي تتوقف صحة الحكم على معرفتها وأنتم لا تجدون في كتب
[ ٢١١ ]
الحديث بيانًا ولا إشارة تهديكم إلى الصواب. أيجوز لكم الترجيح بمجرد الظن والترخص؟ فهذه زندقة لا إسلامية – إلى أن قال – وأما قولكم: إنكم ما خرجتم عن الإجماع، فهذا هو المغالطة. لأننا بينما كنا نباحثكم عن إجماع الفقهاء والتعبد والتعامل التجأتم إلى الإجماع على كتب الحديث. ومع هذا فأخبرنا متى أجمعت الأمة على التعبد والتعامل بصحيح البخاري أو غيره؟ وأي عالم أفتى في حكم عن البخاري أو غيره؟ يعني من كتب الحديث".
[ ٢١٢ ]